نزيه عودة
olgalialina@gmail.com
Blog Contributor since:
18 April 2012



Arab Times Blogs
توبة ثائر 2

-2-

عندما وصل الباص الذي أقلني من حلب إلى اللاذقية كان حسن في استقبالي وبصحبته ضابط في الجيش قدمه لي على أنه ابن عمه معلا وأنه بالصدفة كان قادماً في إجازة قصيرة لزيارة الأهل وعرض مشكوراً أن يوصلنا معه بسيارته. أهل حسن كانوا بانتظارنا على أحر من الجمر مع بعض الأقارب. بعد خروجنا من السيارة، تباطأت أدباً ليتسنى لحسن أن يعانق أهله وأقرباءه الذين أخذوه بالأحضان وعند الإنتهاء من ذلك التفت حسن إلي وقال بصوت يملؤه الفخر:

-          أعرفكم على أخي وصديقي خالد!

-          هذا هو إذاً خالد؟ أهلاً وسهلاً يا بني.

بادر أبو حسن مرحباً وتبعه الجميع باحتضاني فشعرت وكأنني في قريتي وبين أهلي وأقربائي.

كانت أسرة حسن مؤلفة من ثلاثة أولاد كان حسن الولد الأكبر وعمره كعمري 19 سنة يليه أخوه محمد ذو الرابعة عشرة ومن ثم علي وعمره 11 سنة فياسمين ذات الست سنوات ومن الأب أبو حسن أما والدة حسن فقد توفيت منذ سنتين من مرض عضال أقسم بعدها أبو حسن على الوفاء لها حتى الممات رغم إلحاح الكثير من الأقارب أن يتزوج ليس من أجله هو لكن من أجل أبنائه الصغار. لكن جواب أبي حسن كان على الدوام بالرفض.

-          هل اشتريت لي بكلة الشعر التي طلبتها منك؟

توجهت ياسمين بعفوية ونفاذ صبر إلى حسن بعد أن جلسنا في غرفة الضيافة.

-          يا لذاكرتي المثقوبة! لقد نسيت ذلك!

أجاب حسن وهو يتصنع الإنزعاج. فانكفأت ياسمين مطأطأة الرأس حزينة فغمز لي حسن وتابع مبتسماً:

-          هل صدقت يا ياسمين؟ لقد كنت أمازحك. أنا لم أنس ذلك بل طلبت من خالد أن يشتريها لك من حلب.

وهنا جاء دوري ففتحت حقيبة سفري وأخرجت منها بكلة للشعر على شكل فراشة مختلفة الألوان وعندما رأتها ياسمين انفرجت أساريرها لكن ما أن همت بالتقدم نحوي توقفت بخجل فشجعها أبو حسن قائلاً:

-          لا تخجلي يا ابنتي هذا خالد مثل أخوك!

فتقدمت على وجل ومدت يدها الغضة نحوي وفي نظراتها بحر من الإمتنان. فوضعت "الفراشة" برفق في راحتها وتابعت مازحاً:

-          مثل هذه البكلة الجميلة لا تليق إلا بشعرك الأشقر الجميل يا عزيزتي.

فاحمرت وجنتاها الصغيرتان وعادت إلى حضن والدها الذي قال لها معاتباً:

-          وأين الـ شكراً؟

فرفعت ياسمين عينيها الخضراوين وتمتمت بصوت خافت:

-          شكراً!

بعدها كانت لنا أنا وحسن جولات كثيرة بين البساتين والحراج وكانت ياسمين لا تفارقنا فكانت تركض أمامنا متفاخرة أمامي بمعرفتها بالطرقات الملتوية وكيفية التنقل بين الحواكير ذات المستويات المختلفة وكانت دليلنا إلى أطيب أشجار التين والرمان وأماكن الصبار المعسل وكانت تستعرض قدرتها على تسلق أعلى الأشجار فترمي لنا من هناك بأطيب الثمار الناضجة. كانت كل صباح تحضر نفسها لمشوار جديد فتمشط شعرها الذهبي وتفتح صندوقاً للأحذية اتخذته كمخبأ لكل ما هو ثمين لديها وتخرج منه فراشتها الملونة فتجمع شعرها وتثبته بها وتقفز بعدها ناحيتنا معلنة:

-          أنا جاهزة!

فنضحك أنا وحسن ونترجاها أن تعطينا فرصة لشرب قليل من المتة!

كانت أياماً رائعة قضيتها في ضيافة صديقي حسن وكنت إلى وقت ليس ببعيد أظنها آخر عهدي بالسعادة.

أتذكر كل هذا وأنا أنظر إلى وجه ياسمين الذي سرق نضارته المرض وإلى جانب سريرها خزانة صغيرة بيضاء وفوقها بكلة للشعر زاهية الألوان، نفس تلك البكلة التي أهديتها إياها منذ أكثر من ثلاث سنوات.

كم أصبحتُ ضالاً وتائهاً بعد لقائنا ذاك. كنت أؤمن بصدق أنني أساهم بصنع مستقبل سورية المشرق وها أنذا أرى كيف أنني لم أفعل شيئاً سوى أنني ساهمت في تدمير ذلك المستقبل. فسامحيني إن استطعت يا صغيرتي!

حتى يتفهم القارئ الكريم ما حل بي وربما ينصفني لا بد أن أذكر مجريات ذلك اليوم المشؤوم من عمري. اليوم الذي غير مجرى حياتي كلها ودفع بي بجنون نحو هاوية لا قرار لها.

-يتبع-







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز