سري سمور
s_sammour@hotmail.com
Blog Contributor since:
27 January 2010

كاتب عربي من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
هل التقسيم أمر حتمي؟ (4-4)

-الجزء الرابع-

(8)تحرر منقوص ودول شوهاء!

 

قاوم العرب الاستعمار الأوروبي وقاتلوا ببسالة للخلاص من براثنه وقدموا تضحيات كبيرة في سبيل هذا الهدف، ولهذا السبب ولأسباب أخرى انسحب الاستعمار الغربي الأوروبي من المنطقة العربية عسكريا، ولكن نفوذه السياسي والاقتصادي والأهم الثقافي بقي قائما، ورسم المستعمر الحدود بين كل دولة عربية وأخرى، وأبقى في كل منطقة تقريبا بؤرة للصراع والنزاع، ولم يتم حل هذه المشكلات التي هي من مخلفات الاستعمار حتى اللحظة.

فتحرر العرب من الاستعمار وقيام دول عربية لكل منها علم ونشيد وطني وتمثيل في الأمم المتحدة منقوص، وقد بنيت الدول العربية جميعا على أساس العقلية البوليسية الفجة، بغض النظر عن الشعارات التي ترفعها والديماغوجية التي ميزت بعض حكامها، فالعرب رسميا اختلفوا وتقاتلوا على كل شيء، بل إن حزب البعث الذي رفع شعار القومية العربية حكم قطرين عربيين مهمين هما العراق وسورية، ولكن كان الخلاف والنزاع سيد الموقف بين جناحي البعث...لكن العرب في ذروة خلافاتهم لم تتوقف اجتماعاتهم في تونس(وزراء الداخلية) وكأن كل شيء محل خلاف إلا القمع والاستبداد!

والدولة العربية القطرية لم تراعي المكونات العرقية والطائفية التي استغلها الغرب والصهاينة، ولم تتعامل معها بروح الشعار الذي يردد ولا ينفذ:دولة لكل مواطنيها، وسادت أجواء من التحريض الداخلي بين المكونات السكانية على أسس طائفية أو عرقية أو قبلية أو مناطقية، وكان النظام السياسي العربي سعيدا بها لأنها تشغل الناس عنه نسبيا!

وافتقد النظام السياسي العربي إلى عقد اجتماعي سلمي، يضمن تداولا سلسا للسلطة، وحكمت البلاد العربية بالترغيب والترهيب، واصطدمت النظم السياسية بقوة بكل من عارضها أو طالب بإصلاحات ولو شكلية، وانتشر الفقر والفساد والتخلف التجمعات العربية الكبيرة، لدرجة أن عدد الأميين العرب يقدر حاليا بحوالي 70 مليونا!

وكانت التجمعات السكانية قليلة عدد السكان قد حظيت بالنفط، ولهذا سادتها حالة من الوفرة، ولكنها ظلت حتى اللحظة تعتمد على الغرب في حمايتها، ولم تمنح الوافدين المقيمين فيها منذ عشرات السنين جنسيات، بل إن بعضها يحرم بعضا من مواطنيه من الجنسية، وبحكم المال استطاعت التحكم بجزء كبير من الفضاء الإعلامي، واستمالة كثير من حكام الدول العربية الكبيرة.

ولكن التبعية السياسية(إضافة للثقافية والاقتصادية وغيرها) ظلت سمة الدول العربية، حيث انتقلت من حضن بريطانيا وفرنسا، ثم انقسمت بين واشنطن وموسكو إبان الحرب الباردة، ثم ارتمت في حضن واشنطن بعد أحداث أيلول(سبتمبر) 2001 في نيويورك وواشنطن، ولكن التبعية لم تجلب للفرد العربي نظاما سياسيا ديموقراطيا كما هو حال المتبوع، ولا منظومة حقوقية تضمن كرامة المواطن، ولا خدمات تعليم وصحة  وفرص عمل، فأصبح الفرد العربي في حالة مشوهة، فهو لا يعيش ضمن قبيلة كما كان قبل 1400 سنة، ولا يعيش مثل ألمانيا بعد مشروع مارشال، بل هو في حالة أعلى بقليل من الحكم القبلي والعشائري وأدنى بكثير من المفهوم العصري للدولة والمؤسسات!

 

(9)ثورات عربية...فتش عن إسرائيل!

 

أمريكا انتهجت العنف والضربات الاستباقية إبان حكم بوش الصغير؛ فاحتلت العراق، ومع أن قواتها انسحبت إلا أن العراق انتقل إلى مرحلة ما قبل الدولة، وأصبح هذا البلد الغني بالنفط والمياه، والذي يعتبر من أكبر بلاد العالم الثالث من حيث وجود الكفاءات البشرية جحيما تتناهشه الصراعات الطائفية والعرقية، وشماله واقعيا منفصل أما وسطه وجنوبه ففي الطريق نحو التقسيم!

وكان من الطبيعي ألا يطول صبر الناس على القهر والاستبداد والفساد، فاندلعت الثورات العربية التي أشعل شرارتها محمد البوعزيزي في تونس التي حكمها نظام بوليسي عماده بضع عائلات، وامتدت الثورة إلى غير بلد، ومع أن التحليل الذي يقول أن الثورات كانت مؤامرة لتقسيم المنطقة العربية من جديد، يأخذ شعبية متزايدة، فإنني لا أميل إلى هذا الرأي؛ بل أرى أن الغرب في البداية فوجئ من هذا الطوفان الثوري، ومع مرور الزمن، ولأن الفرد العربي حكمته أنظمة استبدادية أثرت على عقله وفكره تمكن الغرب من احتواء الحراك ولو مؤقتا، وامتصاص الثورات وتغيير مساراتها، وزرع الفتنة على أساس حزبي أو طائفي أو عرقي في معظم البلاد العربية.

والسؤال هو لماذا يقوم الغرب بذلك؟هل فقط من أجل النفط؟أم هل هو الحقد التاريخي والخوف من دولة عربية متطورة؟الإجابة الأقرب على الأسئلة المطروحة أن السبب بالدرجة الأولى وجود إسرائيل وضرورة بقائها قوية آمنة من وجود أي دولة عربية تحفظ كرامة مواطنيها وتعتمد على نفسها، وكان خطأ التفكير لدى كثير من الثوار العرب ومن آزرهم من المفكرين الإسراف في تأجيل طرح القضية الفلسطينية خوفا من استفزاز الغرب، وتحسبا لاستغلال النظم المهتزة لهذه المسالة بحيث تطرح نفسها وفق معادلة:أنا أخدم إسرائيل أكثر ممن لا تعرفون طريقة حكمه!

إسرائيل هي المشكلة بل هي المصيبة، وما دامت إسرائيل قائمة فلن تنطلق عجلة التغيير في بلاد العرب، وستبقى متعثرة، وستجد الأفكار القائمة على النزاع الطائفي بيئة خصبة، ومن يفكر أنه يمكن إرضاء الغرب بحيث يسمح بوجود دولة مدنية مستقرة مؤسساتية في أي بلد عربي وإسرائيل موجودة فهو واهم إلى حد كبير!

 

(10)كيف نمنع التقسيم الجديد؟

 

صحيح أن خريطة المنطقة العربية رسمها قلم الاستعمار، وصحيح أن هذه الخريطة ليست التي كانت موجودة قبل مئتي سنة، ولكن تقسيم المقسم وتجزئة المجزّأ كارثة، ومقال روبن رايت لم يأت من فراغ، والتعامل مع الأمر بمنطق الشعارات الرنانة والكلمات العاطفية خطأ، والخطأ الأكبر الاستسلام والسلبية والانتظار، خاصة أننا أمام مخطط يجري تنفيذه فعلا على أرض الواقع، فقد فصل جنوب السودان عن شماله(جمال عبد الناصر فصل السودان عن مصر سابـقا) ودارفور وكردفان تنتظران مصيرا مشابها، كما أن وضع اليمن صعب، ووضع العراق وليبيا ومصر وغيرها لا يسر، وعليه فإن التقسيم سيصبح أمرا حتميا وكل دولة سيأتيها دورها، ما لم تكن هناك إجراءات عملية، وأنا في الاستعراض التاريخي المطول سابقا قصدت أن نتعلم وأن ندرك مواطن الضعف والقوة، ومع أن الأمر يحتاج جهدا جماعيا، إلا أنني أضع مقترحات في نقاط محددة ستساهم بعون الله في إفشال هذا المخطط الكارثي ألا وهي:-

1)        بما أن إسرائيل هي سبب الرغبات التقسيمية الرئيس فيجب التركيز على القضية الفلسطينية وجعلها أولوية تتقدم غيرها من القضايا، ولا أتحدث هنا عن الوقوع في خدعة نظم سياسية تزعم أنها مع فلسطين لتواصل تسلطها؛ بل عن إجراءات وخطوات فعلية على الأرض تجاه فلسطين، ولا بأس من التسامح مع أي نظام قديم أو جديد وفق تعاطيه مع القضية الفلسطينية بإيجابية، وهنا فإن مسئولية تاريخية تقع على عاتق حزب الله وحركة حماس؛ فعلى الحزب الانسحاب بصخب أو بهدوء من تدخله في الصراع الدائر في سورية، وعودته إلى المقاومة، ولو تحت عنوان تحرير مزارع شبعا، وعلى حماس النأي بنفسها عن التأييد لإخوان مصر أو غيرهم والانشغال بفلسطين فقط، وإبرام صفقة مع العسكر في مصر على هذا الأساس، ومع أن هذا يبدو شبه مستحيل ولكن لو انعقدت النية فإنه ممكن، وقد تطرقت إلى صلاح الدين وكيف انه جعل قضيته الأولى هي التحرير، أما من لا يفهم من سيرة الرجل إلا أنه قضى على الدولة الفاطمية لأسباب مذهبية أن يتعمق أكثر في دراسة الحروب الصليبية.

2)        التفاهم مع كل الطوائف والعرقيات بصراحة ولنا في تركيا خير مثال بتفاهمها مع أكرادها؛ فيجب ألا نغض الطرف عن أكثرية شيعية تحتاج حقوقا في البحرين، وسنة عرب هضمت حكومة المالكي حقوقهم السياسية والاقتصادية، وأكراد من حقهم العيش ضمن دولة تضمن لهم حقوقهم وتحافظ على ثقافتهم ولغتهم، ولكن دون الانـفصال بالاستعانة والاستقواء بالأجانب، والتفاهم يجب أن تبادر له نخب من علماء الدين والمفكرين، وأن يباركه الساسة.

3)        وبما أن اللعب صار مكشوفا يجب إرسال تهديدات صريحة إلى الغرب بان مصالحه كلها لن تكون في أمان إذا أصر على تنفيذ مخطط التقسيم بتأجيج الصراعات الطائفية والعرقية، وحتى لو كان الثمن تهمة الإرهاب السخيفة.

4)        وقف التحريض والتهييج الطائفي والذي يمارسه بعض المشايخ من السنة والشيعة وتدعمه فضائيات عربية ومواقع إنترنت وأقترح إنشاء فريق هكرز عربي مهمته إغلاق أي موقع تحريض طائفي سواء أكان سنيا أو شيعيا، ويجب كتابة ميثاق شرف سني-شيعي يلتزم ببنوده الجميع، وعلى الطرفين نسيان حلم أن ينهي الواحد منهما الآخر أو أن يظن أنه يمكن في زماننا التعامل بمنطق فرعون:وإنا فوقهم قاهرون، فهذا حلم دونه خرط القتاد سواء للسنة أو للشيعة.

5)        أعلم أن أزمة سورية معضلة كبيرة وليس في الأفق ثمة أمل بحسم الصراع عسكريا أو بتفاهم سياسي، ولكن ينبغي إرساء قاعدة للحل يشترك فيها الجميع وخاصة الطائفة العلوية في سورية.

6)        الضغط على دول الخليج لإلغاء نظام الكفيل، واستبداله بنظام إقامة متطور و سن قانون تجنيس.

7)        إيران وتركيا دولتان إقليميتان مهمتان في المنطقة ويمكن للعرب التفاهم معهما على أساس التساوي بدل منطق المفاضلة العبثي الذي ينم عن مراهقة سياسية يمارسها البعض، بغض النظر عن الملاحظات والتحفظات على دور كل منهما، فهما تبقيان جزء أصيلا من المنطقة، بعكس إسرائيل التي يسعى العرب رسميا لرضاها.

8)        محاربة الخلافات وإنهاء النزاعات والبدء بكل أسرة وعائلة وحي سكني، فالأساس لدينا فيه خلل، وهذا الأمر يتطلب تـفعيل دور كل من قد يسهم في تطييب الخواطر.

9)        في لقاء على فضائية الجزيرة تحدث مؤرخ ليبي عن رغبة في جعل الليبيين خلال عشرين سنة أقلية في هذا البلد شاسع المساحة، وأرى أن فكرة الرجل قد آن أوان تطبيقها، فليعمل الجميع على ملء البلاد الشاسعة بسكان من مختلف المناطق، فالتزاوج والاختلاط في تجمعات مدنية كفيل بنزع المشاعر الانفصالية والفكر القبلي الجهوي.

10)      نشر ثـقافة القراءة والاطلاع لأن الجهلة هم الذين يبقون في إطار العشيرة والطائفة والتقوقع السلبي، وتقديم المحفزات المادية للإنتاج الأدبي والفكري خاصة الذي يحض على التماسك والتوحد والعمل على إنتاج أغان وأعمال درامية تحذر من كارثة التقسيم والانفصال على أي أساس كان.

التقسيم ليس قدرا محتوما، وهو يبقى في إطار التخطيط البشري، وهو قابل للفشل الذريع لو أنه جوبه بمخطط مضاد، وهذا يتطلب جهدا من كل فرد ولا يستهينن أحد أنه قد يسهم في وقف المخطط الكارثي...هذا وإلا فإن ما كتبه روبن رايت سيتحول واقعا نبكيه ونندب حظنا عليه!

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

 ذو الحجة 1434هـ ،تشرين أول(أكتوبر) 2013م

من قلم:سري سمور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز