عطية زاهدة
attiyah_zahdeh@hotmail.com
Blog Contributor since:
04 October 2013

كاتب من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
كم عدد أهل الكهف؟ إنهم ثمانية عشر - المقال 6

 

عِــــــدَّةُ الفتيـــــةِ

{سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِٱلْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِّنْهُمْ أَحَداً}

 

 تَمَّ في قمرانَ عامَ 1952 م اكتشافُ الكهفِ الرابعِ، وأظهرتِ الحفرياتُ وجودَ بُنْيانٍ ومعبدٍ، واقعيْنِ فوقَ تَلَّةٍ على بُعْدِ عشراتِ الأمتارِ إلى الشرقِ مِنْهُ. وعُثِرَ في أرضِ المعبدِ عامَ 1955 م على مجموعةٍ منَ النقودِ الفضيّةِ في ثلاث قدورٍ فخّاريّةٍ صغيرةٍ.

 وبجانبِ الجدارِ الشرقيِّ لهذا المعبدِ، عُثِرَ على ثمانيةَ عشرَ قبراً مميزةً، تحتوي على ثمانيَ عشرةَ جُثَّةً، كانتْ في توابيتَ خشبيةٍ؛ وكلُّ القبورِ مصفوفةٌ في سطرٍ واحدٍ. وهيَ جميعاً متطابِقَةٌ، ومحفورةٌ بِمِحْوَرٍ عموديٍّ، ونتوءٍ عندَ الأسفلِ. وأَرْقَدَ الدافنونَ جميعَ الجثثِ الثمانيَ عشرةَ، باتجاهٍ شماليٍّ جنوبيٍّ. ولمزيدٍ منَ التفصيلِ، يمكنك أن تقرأْ في كتابِ:

(قصةُ قمرانَ التي لَـمْ تُرْوَ بعدُ للمؤلِّفِ: جون تريفر

John Trever، منْ ترجمةِ الدكتور عيسى المَصو، ط:1، ص: 186).

 وبَيَّنَ الفحصُ أنَّ جميعَ تلكَ الجثثِ المعثورِ عليها، هيَ جثثُ رجـالٍ؛ ماتوا معاً في آنٍ واحدٍ؛ ولم تكنْ وفاتُهم عنْ قتلٍ، أوْ رجمٍ، بلْ كانت وفاةً عاديةً. وقدْ جاءتِ التوابيتُ الخشبيةُ مِنْ خارجِ قمرانَ، تكريماً لِأولئكَ الرجالِ. ويعتبرُ العلماءُ أنَّ قصةً مثيرةً مُدْهِشَةً تدورُ حولَ هؤلاءِ الرجالِ الذين أُرْقِدَتْ جُثَثُهُمْ انتظاراً ليومِ الدينِ والحسابِ؛ وصارتِ الأرضُ حيثُ دُفِنوا، مقدسةً لطائفتِهم، وغيرِ أبناءِ طائفتِهم:

(Allegro , J. , The People of the Scrolls, 1958, pp. 45-49.)

  وربَّ سائلٍ يقولُ: هل تلكَ الجثثُ الثمانيَ عشرةَ هيَ: جثثُ أصحابِ الكهفِ والرقيمِ؟

 نعمْ - بالتأكيدِ - هِيَ جثثُهم. وهذا الُحْكمُ يَرْتَفِقُ إلى إثباتٍ عامٍّ، ويستند إلى إثباتٍ خاصٍّ، ويتدعّمُ بإثباتٍ خاصٍّ بالخاصِّ.

 أمَّا الإثباتُ العامُّ فإنَّما هوَ متشكلٌ مِنْ مجموعِ الأدلةِ، والبراهينِ الزاخرة بها المقالات ذات الصلة، ما سبق منها وما يلحق بِها؛ إذْ تُجَلِّي أنَّ "أصحابَ الكهفِ والرقيمِ" كانوا مِنَ الأسينيِّينَ Essenes، وأن مخطوطات البحر الميت  The Dead Sea Scrollsهي الرقيم.

 وأمَّا الإثباتُ الخاصُّ المتعلقُ بأنَّ الجثثَ الثمانيَ عشرةَ هيَ: جثثُ فتيةِ الكهفِ، فَإنَّما يَتَمَثَّلُ في الوصولِ إلى التطابقِ، والتوافقِ، بَيْنَ ما جاءَ أعلاهُ في أقوال علماء المخطوطات والآثار، عَنْ تلكَ الجثثِ أنْفُسِها، وبينَ ما جاءَ في القرآنِ الكريمِ. وَرَغْمَ ثقتي بقدرتِكَ على استنتاجِ جوانبِ التطابقِ والتوافقِ، إلَّا أنَّني أودُّ أنْ نَبْقى صاحِبَيْنِ متعاونيْنِ، فَنَسْتَعْرِضَهُا معاً عمَّا قليلٍ منَ السطورِ.

 وأمَّا الإثباتُ الخاصُّ بالخاصِّ، فهوَ المتشكّلُ منَ استخراجِ إشاراتٍ ولطائفَ، أو حتَّى نصوصٍ منْ آياتِ القصةِ، تؤنِسُ القارئينَ بِما تُجَلِّيهِ منْ وجودِ الرقَمِ "18"، إلى أنَّ الفتيةَ كانوا ثمانيةَ عشرَ. وسترى منْ كلِّ هذهِ عجباً عجيباً. ولا يخفى عليكَ أنَّ الإثباتَ اليقينيَّ الحاسمَ، هوَ بالتحديدِ ما في ثنايا الشرح المقارن التالي.

 

بينَ قبورِ قمرانَ وسطورِ القرآنِ

 

 ستكون بعد قليلٍ منَ السطورِ مع مقابلةٍ ومقارنةٍ بينَ مجموعةٍ منَ الحقائقِ، تخصُّ الثمانيةَ عشرَ قبراً المميزةَ، المعثورَ عليها عامَ 1952م، في جوارِ معبدِ قمرانَ، وبينَ ما ذكرَهُ القرآنُ الكريمُ عنْ فتيةِ الكهفِ، أو ما يمكنُ الوثوق باستنتاجِهِ منها. وذلكَ منْ أجلِ تكوينِ دعائمَ مكينةٍ ترتفَعُ منها وعليها، قواعدُ بنيانِ ما أطلَقنا عليهِ: الإثباتَ الخاصَّ بانهم ثمانية عشر. ونحنُ نرقُمُها لكَ مُرَقَّمَةً؛ فالأرقامُ تريحُ الأفهامَ.

(1) يوجَدُ معبدُ قمرانَ، مَعَ البناءِ المتصلِ بِهِ، في جوارِ الكهفِ الرابعِ نفسِهِ، وليسا فوقَهُ. وبالنسبةِ للمسجدِ والبنيانِ اللَّذَيْنِ تحدثَ عنهما القرآنُ الكريمُ، فإنِّما قدْ أُقيما على الفتيةِ. وحرفُ الجرِّ "على"، لا يمنعُ منَ الذهابِ إلى أنَّ المسجدَ والبنيانَ، لم يكونا فوقَ أجسادِ الفتيةِ أنفُسِها؛ فلم يقُلِ العاثِرونَ على الفتيةِ: (لنتخذَنَّ على كهفِهم)، أوْ: ( لنتخذنَّ فوقَهم). وما المانعُ أنْ تكونَ أقوالُهم تلكَ، قدْ جاءَتْ بعدَ الخلاصِ منْ دفنِهم، وأنًّ القصدَ هوَ بناءُ بنيانٍ تخليداً لذكراهم، وشاهداً على تشريفهم وتكريمهم، وللدلالةِ على مكانِهم كمزارٍ؟.. وبناءُ مسجدٍ يقومُ فيهِ مَنْ يُقيمُ شعائرَ الصلاةِ، هوَ شهادةٌ بصدقِ الدينِ، وإحياءٌ لمِلَّةِ الفتيةِ.

 حسناً، لم يقُلِ العاثرونَ على الفتيةِ: (ادفِنوهم في الكهفِ)؛ ولمْ يقـولوا: (ابنوا على كهفهم)، بلْ إنَّ فريقاً من هؤلاءِ قدْ قالوا: "ابْنـوا عليهِم بُنْيـاناً"، وقالَ الفريقُ الذين غَلَـبوا على أمرِهم - أمرِهمْ همْ - أيْ أمرِ القائلينَ بالمسجدِ أنفُسِهم، على الأقوى: "لَنَتَّخِذَنَّ عليهِم مسجِداً".

 (2) يُبَـيِّنُ القرآنُ المجيدُ أنَّ "أصحابَ الكهفِ والرقيمِ" كانوا فتيةً آمَنـوا بربِّهم. والفتيةُ هُمُ الشـبابُ، والشبابُ رجالٌ؛ بلْ إنَّ كلمةَ الفتى تَعْني الرجلَ الجَزْلَ، مكتملَ الرجولةِ.

 وبالنسبةِ للجثثِ المعثورِ عليها في قمرانَ، بجوارِ المعبدِ، فإنَّها كلَّها لرجالٍ، غيرِ أطفالٍ، ولا صبيانٍ، وبدهيّاً، غير نسوان.

  (3) يَتَّضِحُ مِنَ القرآنِ الكريِم أنَّ فتيةَ الكهفِ قدْ ماتوا مَوْتَةَ وفـاةٍ عاديّةٍ، أيْ إنهم ماتوا في كاملِ السلامةِ الجسديّةِ؛ فَلا الأيْدي مفصولةٌ عنِ الأجسامِ، ولا الأرجلُ؛ والرقابُ بِأَعمِدَةِ الفَقارِ كُلُّها تتصلُ. وفيما يتعلقُ بالجثثِ المعثورِ عليها في قمرانَ، وهي الثمانيَ عشرةَ جثةً، فقدْ كانتْ تدلُّ على وفاةٍ عاديّـةٍ، فَلا تقطيــعَ ، ولا تكسيراتٍ.

 (4) يَظهرُ مِنْ نبأِ الفتيةِ أنَّهم قدْ ماتوا جميعاً في الوقتِ نفسِهِ، وفي الموضعِ ذاتِهِ.

 وأمَّا أصحابُ الجثثِ الثمانيَ عشرةَ، فيرى العلماءُ أنَّهم قد ماتوا معاً، وفي الموضعِ نفسِهِ.

 (5) جاءَ العاثرونَ على الفتيةِ مِنَ المدينةِ، وهم الذينَ دفنوهم. ولقد ذكرَ الطبريُّ أنَّهم قدْ جعَلوا للفتيةِ توابيتَ منَ الخشبِ.

 والحقائقُ المتوفرةُ عَنِ الجثثِ الثمانيَ عشرةَ، تُظْهِرُ أنَّ أكفانَها إنَّما أُحْضِرَتْ مِنْ خارجِ قمرانَ، أي إن دافنيها جاءوا من مدينةٍ مجاورة.

 (6) أظهرَ القرآنُ العظيمُ أنَّ العاثرينَ على الفتيةِ قدِ حفلوا بهم، وأظهروا الاحترامَ والتكريمَ لأمرِهم.

 وبالنسبةِ للجثثِ الثمانيَ عشرةَ، فإنَّ دافِنيهِمْ قد أبْدَوْا لأصحابِها تكريماً جليلاً، واحتراماً جزيلاً.

(7) إنَّ العاثرينَ على الفتيةِ قدْ بَنَوْا عليهم مسجداً، وأقاموا عليـهِم بُنياناً. ويدلُّ اتخاذُ المسجدِ على أنَّ الموضعَ قدْ صارَ مقدَّساً. وأمَّا اتخاذُ البنيانِ فأقلُّ ما يدلُّ عليهِ، هوَ أنَّ الموضعَ قدْ أصبحَ مزاراً. وقدْ ذهبَ بعضُ المفسرينَ إلى أنَّ القائلينَ باتخاذِ المسجدِ كانوا بقيةً على ملةِ الفتيةِ.

 وبالنسبةِ لموضعِ الجثثِ الثمانيَ عشرةَ، فإنَّ العلماءَ يروْنَ أنه صارَ مقدَّساً، ليسَ فقطْ  لطائفةِ أصحابِ الجثثِ، بلْ ولِغَيْرِهِم أيضاً.

 (8) قصةُ "أصحابِ الكهفِ والرقيمِ"، هيَ قصةٌ ذاتُ عجبٍ مثيرٍ.

 ومِنْ حيثُ: الجثثُ الثمانيَ عشرةَ، فَإنَّ لها كما بيّن علماء الآثار قصةً عجيبةً مدهشةً.

 (9) يقولُ اللهُ تعالى: "وكذلكَ أعثرْنا عليهِمْ لِيَعْلَموا أنَّ وعدَ اللهِ حقٌّ وأنَّ الساعةَ لا ريبَ فيها" - فَمَنْ هُمُ الذينَ يعودُ عليهم الضميرُ "واوُ الجماعةِ" في:  (لِيَعْلَموا)؟

قيلَ: إنَّهم الفتيةُ. وقيلَ: إنَّهم العاثرونَ عليهِم.. وقيلَ.. وقيلَ.. وبأيِّ قولٍ منها أخـذْنا، فإنَّ العاثرينَ على الفتيةِ قدْ أَرْقَدوهم في القبورِ انتظاراً ليومِ الدينِ.

 وفيما يرتبطُ بالجثثِ الثمانيَ عشرةَ في قمرانَ، فإنَّ العلماءَ يَـرَوْنَ أنَّها أُرْقِدَتْ انتظاراً ليومِ الدينِ. وهذا يَعْني أنَّ الإيـمانَ ببعثِ الجسدِ والروحِ، قدْ كانَ حاصلاً في قلوبِ أصحابِ الجثثِ، وفي قلوبِ الذينَ دفنوهُمْ. وأنَّ لهذا الإيمانِ ارتباطاً متميّزاً بشأنِهم وقصَّتِهم.

  (10) رقدَ فتيةُ الكهفِ بحيثُ كانتْ أيْمانُهم إلى الشرقِ، وشمائلُهم إلى الغربِ، أيْ إنَّهم ناموا بحيْثُ إنَّ رؤوسَهم كانتْ إلى الجنوبِ، وأرجلَهم إلى الشمالِ.

  وأمَّا الجثثُ الثمانَي عشرةَ في قمرانَ فكانتْ صفّاً واحداً: أيْمانُها جميعاً إلى الشـرقِ، والشمائلُ إلى الغربِ. وهذا يَعْني أنَّ الذين عثَروا على الفتيةِ قدْ دفنوهم بنفسِ الاتجاهِ الذي كانوا عليهِ راقدينَ.

 وإنَّ مجموعَ التوافقاتِ السالفةِ يكفي وحدَهُ دليلاً برهاناً على أنَّ "أصحابَ الكهفِ والرقيم" كانوا في قمرانَ، وأنَّ الجُثَثَ الثمانيَ عشرةَ هِيَ جُثَثُهم.

 فهلْ في القرآنِ المجيدِ نصٌّ يُحَدِّثنُا - ولوْ ضِمْنِيّاً - أنَّهم ثمانيةَ عشرَ؟.. وهلْ في النبأِ الحقِّ إشاراتٌ إلى أنَّهم كانوا فقطْ عشرينَ إلَّا اثنَـيْنِ؟ 

  نعمْ، فَثَمَّ نصٌّ. ثُمَّ نعمْ، فَثَمَّ إشاراتٌ كُثْرٌ. فَإلى المقالات التالِيَاتِ، إن شاء الله تعالى، ففيهِا تفصيلُ الجَوابَـيْنِ.

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز