عطية زاهدة
attiyah_zahdeh@hotmail.com
Blog Contributor since:
04 October 2013

كاتب من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
كهأهل الكهف في قمران جنوب أريحا – المقال 5

اعتبار الرقيم اسماً لموضع الكهف

 

 ذهبَ بعضُ المفسرينَ إلى احتمالِ أنْ يكونَ "الرقيمُ" اسماً لمكانِ الكهفِ، أو اسماً للقريةِ التي مِنْها الفتية. وعلى كل حال، فالأقوال بالرقيم اسماً لموضع كهف أهل الكهف هي أضعف ما جاء في تفسير معنى "الرقيم".

وكذلك فإننا نجد في التفاسير رأياً يَرْبِطُ بينَ الرقيمِ، وبينَ رَقْمَةِ الوادي، فقد جاء في تفسيرِ الطبري، رحمه الله تعالى: "يُقالُ: رقمتُ كذا وكذا إذا كتبتهُ، ومِنْهُ قيلَ للرَّقْمِ في الثوبِ: رَقَمٌ؛ لأنَّهُ الخطُّ الذي يُعْرَفُ بِهِ ثَـمَنُهُ؛ وقيلَ للحيَّةِ: أَرقمُ، لِما فيهِ مِنَ الخُطوطِ والآثارِ. والعربُ تقـول ُ: عليك بِالرَّقْمَةِ ودَعِ الضفةَ الجانِبةَ؛ وأرى أنَّ الذي قالَ: الرقيمُ هــوَ الوادي، ذهبَ بهِ إلى رَقْمَةِ الوادي"..(انتهى كلامُ الطبريِّ).

ورَغْمَ أنَّ مجيءَ الرقيمِ مِنْ رقمةِ الوادي، يشكو مِنْ ضعفٍ وبُعدٍ، إلَّا أنَّ واقعَ الكهفِ الرابعِ في قمران والذي أرى أنه "فُنْدقُ" أصحابِ الرقيمِ، يشهدُ أنَّهُ قائمٌ على رَقْمَـةِ وادٍ، هوَ: وادي قمرانَ.

 حسناً، إنَّ رَقْمَةَ الوادي هيَ الخطُّ المرتَسِمُ فيهِ مِنْ أثرِ مرورِ الماءِ أثناءَ سيلِهِ في الشتاءِ. وفي قمرانَ يقعُ الكهفُ الرابعُ، والكهفُ الخامسُ الملاصقُ لَهُ، وهما يُشَكِّلانِ معاً، شقةً سكنيّةً رائعـةً – يقعان على رقمةِ الوادي؛ حيثُ يسيلُ الماءُ في فصلِ الشتاءِ مُتَجَمِّعاً مِنَ الجبالِ الوَعِـرةِ، على بُعْدِ مئاتِ الأمتارِ إلى الغربِ مِنْ موضعِهما. ورغْمَ هذا فإنَّ محيطَ الكهفِ الرابِعِ هي أرضٌ جُـرُزٌ؛ فلا عشبٌ، ولا شجرٌ، ولا حتّى موزٌ.

 وتشيرُ رواياتٌ عنِ الرسولِ الكريمِ، عليهِ السلامُ، إلى وجودِ الكهفِ في الرَّوْحاءِ، أوْ في جِوارِها. ويبدو أنَّ الروحاءَ هيَ أريحاءُ (أريحا)، أوِ الرَّيْحاءُ، في فلسطينَ. فقد جاءَ في تَذْكِرَةِ العالمِ القُرْطبيِّ وتفسيرِهِ عَنِ الرسولِ – عليهِ  الصلاةُ والسلامُ -: "لا تقومُ الساعةُ حتَّى يمرَّ عيسى بنُ مريَمَ بالرَّوْحاءِ حــاجّاً، أوْ  مُعْتَمِراً. أوْ لَيَجْمَعَنَّ اللهُ بينَ الحجِّ والعُمْرَةِ، ويجعلُ حَوارِيِّيهِ أصحـابَ الكهفِ والرقيمِ، فيمرّون حُجّاجاً فإنَّهم لمْ يَحُجّوا".

وأمَّا اسمُ خربةِ قُمْرانَ، فَأصلُهُ في نظرِ الراصدينَ، هوَ: قَمَرانِ؛ فَمِنْ ذلكَ المكانِ في ليالي الصفاءِ، إذا ما أطلَّ البدرُ بدا قمرٌ في المــاءِ، ماءِ البحرِ الميّتِ، وبدا قمرٌ في السماءِ!.. والمكانُ الممتلِئُ بضياءِ القمرِ، والمستنيرُ بهِ، يقالُ في وصفه: قَمْــرانُ. ومِنَ المفارَقاتِ أنَّ القَمْرانَ أيضاً، هوَ المكانُ الخِصْبُ بالعشبِ؛ ولكنَّ قُمْرانَ أرضٌ جدباءُ، وإنَّ جارَها هوَ البحرُ الميِّتُ "المسجورُ". 

وقدْ يسألُ السائلونَ: وبِماذا حدَّثَ "معجمُ البُلْدانِ" عَنْ قمرانَ؟.. ومتى بدأتِ المعرفةُ بِهـذا الاسمِ؟.. فَيُسارعُ ياقوتٌ الحمويُّ إلى: "لا شيءَ"؛ جواباً لِلسائلينَ.

وبالرَّغْمِ منْ ضعفِ الأقوالِ بأن الرقيم هو اسم موضع كهف أهل الكهف، فإنَّهُ لا يَضيرُنا أنْ نعرفَ أنَّ اسماً مِنْ الأسماءِ المزعومة لكلبِ الفتيةِ، هوَ: حُمرانُ.

 

من الرقيم إلى الرجيب وبالعكس؟!

 

يوجد بجوار عمّان، في منطقة سحاب، موضع يعرف باسم: "الرجيب"، وقد زعموه مكاناُ لأهل الكهف. فقدْ تناقلتِ بعضُ التفاسيرِ، ربَّما مِنْ عهدِ الخلفاءِ الراشدينَ، أنَّ في "الرجيبِ" - قربَ عمّانَ عاصمةِ الأردن - غاراً ظَنَّهُ بعضُ المسلمينَ كهفَ "أهلِ الكهفِ". و بَدْءاً مِنْ عامِ 1953 م، قامَ المرحومُ الأُستاذُ "محمد تيسير ظبيان"، بإحياءِ هذا الرأيِ متَوَّهِماً، أَوْ موهِماً الناسَ، كأنَّهُ أولُ مَنْ قالَ بِهِ، وأنَّهُ صاحبُ أهمِّ اكتشافٍ أثريٍّ وتاريخيٍّ في القرنِ العشرينَ. وذلكَ كما جاءَ على غلافِ كتابٍ نشره في العامِ 1978م معنوناً لهُ بهذا العنوانِ الفخيم: "مَوقِعُ أصْحابِ الكهفِ وظهورُ المعجزةِ القرآنيّةِ الكُبرى". وقد ظنَّ المرحومُ "ظبيانُ" أنَّ "الرقيمَ" هي أصلُ "الرجيبِ"، أيْ: إنَّ القافَ انقلبت إلى جيمٍ، وأنَّ الميمَ انقلبت إلى باءٍ. ومِنَ العجيبِ أنَّ ظنَّ ظبيانَ بِهذيْنِ الانقلابيْنِ ما هوَ إلاّ ظنٌّ قدِ استوردَهُ مِنْ عندِ المستشرقِ الفرنسيِّ "كليرمونت جانو" الذي زارَ الرجيبَ عامَ 1868م، وأشارَ إلى أنَّ فيها كهفاً ظَنَّهُ المسلمونَ كهفَ أهلِ الكهفِ.

والعجيب أن دوائر حكومية في الأردن قد أصدرت قرارات رسمية بتغيير اسم: الرجيب إلى اسم: الرقيم.

 

فأينَ "الرجيبُ" مِنَ "الرقيمِ"؟!

 

إنَّ الرجيبَ مِنْ رَجَبَ، وأما الرقيمُ فَمِنْ رَقَمَ، والرجيبُ، أوِ المرجوبُ، هو المُعَظَّمُ المَهيبُ؛ في حِينِ إنَّ الرقيمَ أو المرقومَ هوَ: المخطوطُ. ويظهرُ لي أنَّ هذا الاسمَ: "الرجيبَ"، بمعنى: المعظَّمِ المهيبِ، قدْ أُطْلِقَ على ذلكَ الموضعِ بعدَ الزعمِ بأنَّ كهفَ أهلِ الكهفِ موجودٌ فيهِ.

وَلَمْ يقتصرِ اعتبارُ الرقيمِ اسماً لموضعِ الكهفِ على رجيبِ الأردنِّ، بل إنَّهُ شملَ أيضاً موضعَ كهفِ لوشةَ بالأندلسِ. ويظهرُ لي أنَّ مَنْ كانَ يظنُّ بكهفٍ مِنَ الكهوفِ كهفاً للفتيةِ، يذهبُ إلى تسميةِ موضعِهِ باسمِ الرقيمِ، ثم ينتشرُ الاسمُ في الناسِ.

 

الرقيمُ في مخطوطاتِ قمرانَ

 

  رَقَم الأسينِيّونَ مُعظمَ مخطوطاتِهم بِلِسانٍ عبريٍّ. فماذا في العبريّةِ عَنِ الرقيمِ؟.. وماذا في المخطوطاتِ عَنِ الرقيمِ؟..

 يأتي الفعلُ الثلاثيُّ العبريُّ: "رقَمْ"، وُيلْفَظُ: "رقامْ"، ويعني: خَطَّطَ أوْ طَرَّزَ؛ تماماً مِثْلَما هوَ في العربيّةِ. والمصدرُ مِنْهُ، هوَ: "رْقيمَهْ"، ويُلفظُ هكذا: "رْقيمَاهْ" rkimah، أوْ:"رْقيمَ". ومَعْناهُ: الخطُّ، أو التطريزُ.

 وقد عُثِرَ على مخطوطاتٍ قمرانيّةٍ في لفائفِ كِتَّانٍ سمَّـوْها: "القِليم"؛ لِما عليْها مِنْ خطوطٍ تُشَكِّلُ وَشْياً مُطَرَّزاً. وتُذَكِّرُنا "القِليم" المرتبطةُ بالخطوطِ بالتقليمِ؛ فالثوبُ ذو الخطوطِ، يوصَفُ بأنَّهُ "مُقَلَّمٌ". ويُقالُ للقلـمِ: "مِرْقَـمٌ"؛ لأنَّهُ آلةُ الرَّقْمِ بمعنى: التقليمِ والتخطيطِ.

 وكلمةُ "الرقيمِ" حيّرتِ العلماءَ طويلاً؛ حتَّى إنَّهُ قدْ نُسِبِ لابنِ عبَّاسٍ أنَّهُ كان لمعناها جهولاً.

 ولم يُغْفِلْ بعضُ العلماءِ احتمالَ صلةِ "الرقيمِ" باللغةِ العبريّةِ؛ وخاصةً في ضوءِ قولِهم عَنِ الفتيةِ بأنَّهم منْ قومٍ يهودٍ. ففي كتـابِ: "الإتقان" أنَّ الرقيمَ منْ غريبِ المفرداتِ الآتيةِ منَ العبريّةِ، وأنَّ معناها في العبريّةِ، هوَ: المكتوبُ.

 والأَقربُ مِنْ كلِّ السابقِ رَشَداً وإثباتاً على صلةِ الرقيمِ بمخطوطاتِ خربةِ قمرانَ، هوَ ما جاءَ في المخطوطاتِ نفسِها مِنْ تسميةِ الأسينِيّينَ لكتبِ الشرعِ والدينِ باسمِ: روقْموتْ rokmot:

{Allegro J., Discoveries In The Judean Desert of Jordan, volume 5 ,1968}

ولا يخفى أنَّ كلمةَ "روقْموتْ" تعني: المرقوماتِ؛ ولا ريبَ أن "الرقيمَ" هي أصلاً "المرقومُ"، أوْ لِنَقُلْ: هيَ المرقوماتُ؛ هيَ: "الروقْموت"، روقموتُ الأسينِيِّينَ.

 وقد ثبتَ أنَّ الأسينِيّينَ همْ أصحابُ كهوفِ قمرانَ ومخطوطاتِها، وقدْ عُرِفُوا من عهدٍ بعيدٍ بأنَّهم: "طائفةُ الكهفِ"Cave Sect  ، وعُرِفوا أيضاً بأنَّهم "المغائِرِيّونَ"؛ لأنَّهـم  - كما جاءَ في كتابِ: "تاريخِ  الطوائفِ اليهوديّةِ" للقِرْقِزانِيِّ - كانوا يحتفظونَ بكتُبِهم في المغــائرِ، أيِ الكهوفِ.

 ومِنَ الواضحِ جدّاً أنَّ جميعَ هذهِ الأسـماءِ والأوصـافِ، يتوافقُ وينسـجمُ معَ  قصــةِ: "أصحابِ الكهفِ والرقيمِ". ومِنَ الغرابةِ بمكانٍ أنَّهُ لَمْ يَخْطُرْ ببالِ المؤلفينَ والمترجمينَ العربِ، أنْ يعثروا بِاسمٍ للأسينِيّينَ في: "أهلِ الكهفِ"، أوْ حتَّى في: "أصحابِ الكهفِ".

 وإنَّ زُبدةَ كلِّ ما مَخَضْناه، تستحقُ أنْ نقولَ بأنَّ "رقيمَ" أصحابِ الكهفِ، هوَ: مخطوطاتُ الأسينِيّينَ في قمرانَ؛ هوَ: " الروقْموتْ"، "الروقموت" ……. فَـ"الروقموت"؛ هوَ رُقُمُ هؤلاءِ الأطـهارِ الأبرارِ. وهذا الأخيرُ وحدَهُ،  يُثْبِتُ أنَّ أصحابَ الكهفِ أسينِـيّونَ!.. وإذا ما ثبتَ أنَّ رقيمَ الفتيةِ، هـوَ فعلاً: "روقموت" قمرانَ، فإنَّهُ يثبتُ تلقائيّاً، أنَّ الفتيةَ هـم مِـنْ أصحابِها، أيْ: أنَّهم أسينِـيّونَ، كانوا في قمرانَ. وباختصارٍ، كانَ الأسينِيّونَ يتَّخِذونَ الكهوفَ ويتعاشرونَ فيها مِنْ أجلِ المخطوطـاتِ وحفظِها؛ واشترَكوا في رَقْمِها؛ وكانوا يجتمعونَ لتدارُسِها؛ ويسهرونَ لتلاوةِ الأدعيةِ جماعيّاً مِنْها. حقّاً، فَأولئكَ الأسينِيُّونَ هم: أصحابُ الرقيمِ مِلكيةً وتَعاشُراً.

ولا أحسِبك، أخي الكريمَ، إلَّا مستشيراً عقلَكَ وفهمَكَ، غيرَ ناظرٍ أنْ تفهمَ بعقلٍ هوَ لغيرِكَ، وتُحيلَ حكمَكَ إلى حكمِهِ. فما حكَّ عقلَكَ مثلُ فكـرِكَ؛ فتولَّ أنتَ جميعَ فهمِكَ.

 

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز