عطية زاهدة
attiyah_zahdeh@hotmail.com
Blog Contributor since:
04 October 2013

كاتب من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
أهل الكهف في قمران جنوب أريحا – المقال 4

الرقيمُ في قمرانَ .. وإنه "مخطوطات البحر الميت"

 

  قدَّر اللهُ سبحانَهُ وتعالى أنْ يكتشفَ رُعاةٌ مِن عرب التعامرةِ الكرامِ، القاطنينَ يومئذ في جوارِ بيتَ لحـمَ في عيشة شبه بدوية، أولَ مجموعةٍ مِنْ مخطوطاتِ قمرانَ في العامِ 1947م؛ وقيلَ – وربَّما هوَ الأصَحُّ – في عامِ: 1946م. وإذْ إنَّ قمـرانَ، منْ عشراتِ القرونِ، مقفرةٌ موحشةٌ، فقد كانتْ تمرُّ عليْها عشراتُ السنينَ دونَما طارقٍ مِنَ الناسِ. وأمَّا اليومَ – عامَ: 2013م - فتمرُّ بِها طريقٌ عامرةٌ تقودُ إلى مُتَنَـزَّهاتِ عَيْنِ الفَشْخَةِ، حيثُ "يَتَفَشَّخُ" الشُّطّاحُ، ويتفسَّحُ السُّيّاحُ.

  ومنْ بعدِ عامِ 1946م، فقدْ حدثتِ اكتشافاتٌ على جولاتٍ امتدَّتْ على زخمٍ إلى عامِ 1956م، وكانتْ حصيلتُها: العثورَ على أحدَ عشرَ كهفاً أسينيّاً، سُمِّيَتْ بالأرقامِ حسبَ تسلسلِ اكتشافِها. وأهمُّها الكهفُ الرابعُ Cave Four المعثورُ عليهِ عامَ 1952م، وهو بلا ريب مرقد الفتية الكرام "أصحاب الكهف والرقيم"، وآخرُها الكهفُ الحادي عشرَ المكتشفُ عامَ 1956 م.

 والكهفُ الرابعُ معَ الكهفِ الخامسِ الملاصقِ لهُ، عبارةٌ عن شقةٍ سكنيّةِ صالحةٍ لِلْأَوْيِ. وهوَ وحدَهُ كافٍ لاستيعابِ عشرينَ نائـماً وزيادةٍ؛ وهو عندَ التدقيقِ، يحققُ أوصافَ كهفِ الفتيةِ تمامَ التحقيقِ: منَ الانفتاحِ إلى الشرقِ والغربِ؛ وكونِ مدخلِهِ في ظهرِهِ، منَ الجهةِ الشماليّةِ منهُ؛ ومنْ وجودِ الفجوةِ والوصيدِ؛ وغيرِ ذلكَ. وقدْ جاءَ منَ الكهفِ الرابعِ نفسِهِ، نحوُ ثلُثَيِ المخطوطاتِ، وفيها نسخ من "شرح حبقّوق". وتلكَ المخطوطاتُ تشكلُ مكتبةً ضخمةً منْ نحوِ: 875 كتاباً، رَقمَ الأسينيّونَ معظمَها على رِقاقٍ منْ جلودِ الماعزِ المدبوغةِ. وعلاوةً على المخطوطاتِ فقدْ عُثِرَ على أشياءَ، وعملةٍ فضيّةٍ حيّرت العلماء. فهلْ تُحَقِّقُ مكتشفاتُ قمرانَ للرقيمِ كلَّ ما قالَهُ فيهِ المفسرونَ؟

 نعمْ، ففي مكتشفاتِ قمرانَ نجدُ ما يتوافقُ ويتطابقُ مَعَ جميعِ معانِي الرقيمِ في اللغةِ والتفاسيرِ. وسنأخذُ باستعراضِها، على غيرِ توسُّعٍ؛ فكنْ معنا قرينَ عونٍ، ورفيقَ وفاقٍ.

حظٌّ في الخطِّ

 

 جاءتْ كلمةُ "الرقيمِ" مِنَ الفعلِ الثلاثيِّ "رَقَمَ"، ومِنْ معانيهِ البارزةِ المستعملةِ: خطَّ، كتبَ، رسمَ، ختمَ، طرَّز، ونقشَ. ففي"لسانِ العربِ" لابنِ منظورٍ، أنَّ للرَّقْمِ ستةَ معانٍ، وهيَ: الخطُّ، والكتـابةُ، والختمُ، والرسمُ، والنقشُ، والتـطريزُ، أيِ: الوَشْيُ.  وواضحٌ جدّاً أنَّها معانٍ متقاربةٌ متداخلةٌ، حتَّى لَكَأنَّها مترادفاتٌ.

 وفي صَرْفِ الكلامِ فإنَّ "الرقيمَ"، هيَ مِنْ وزنِ: "الفَعيلِ". وتجيءُ الفَعيلُ بِمَعْنى: المفعولِ. فالكسيرُ هوَ المكسورُ، والجريحُ هوَ المجروحُ، والحبيبُ هوَ المحبوبُ، والسليب هو المسلوب. وبوضوحٍ أعظمَ وأشملَ، فإنَّهُ بِأَخْذِ الفعلِ "خطَّ"، معنىً للفعلِ "رَقَمَ" – يكونُ "الرقيمُ"، هوَ المرقومَ، ومعناهُ: المخطوطُ. وهذا المعنى، هوَ – بلا ريْبٍ - أقوى معانِي كلمةِ الرقيمِ: "كتاب مرقوم" (المطففين: 9). وجَمْعُ الرقيمِ، هوَ الرُّقُمُ.

عُرِفَتْ الوثائقُ التي عُثِرَ عليْها في قمرانَ بِاسمِ: "مخطوطاتِ قمرانَ"، أوْ باسمِ: "مخطوطاتِ البحرِ الميتِ": The Dead Sea Scrolls. وهذا يُبَيِّنُ وَيُمَتِّـنُ الربطَ بينَ معنى الرقيمِ، وبينَ اسمِ الوثائقِ القمرانيّةِ الآتي مِنْ رسِمها وصِفَتِها.

وأهمُّ معانِي الرقيمِ عندَ ابنِ منظورٍ، وغيرِهِ منَ العلماءِ، هيَ: الكتابُ، والدَّواةُ، واللوحُ المكتوبُ، واسمُ موضعِ الكهفِ.

الرقيمُ والكتابُ

 

وإذا تَمَـسَّكْنا بحرفيةِ الكلامِ، واعتبَرْنا أنَّ الرقيمَ تَعْني الكتابَ بمفهومِهِ الخاصِّ المُخَصَّـصِ، المتعلقِ بالتأليفِ، فإنَّنا نجدُ أنَّ مكتشفاتِ قمرانَ تُحَقِّقُ هذا المعنى؛ إذْ إنَّ مُعْظَمَ مخطوطاتِ قمرانَ هوَ: كُتُبٌ مرقومةٌ في صُحُفٍ جلديّةٍ مسطورةٍ سطوراً سطوراً كسطورِ الدفترِ؛ حيثُ الكلامُ المنسوخُ مخطوطٌ فيها منْ أسفلِ هذهِ السطورِ، وليسَ عليْها.

 وزِيدَ معنى الكتابِ تخصيصاً، فقيلَ:

 (1) الرقيم هوَ: الكتاب من شرعِ الفتية من دينٍ قبل عيسى عليه السلام (تفسير الألوسي).

  وبالنسبةِ لقمرانَ، فقدْ وُجِدَ فيها أقدمُ نُسَخٍ مِنَ التوراةِ والزَّبورِ؛ ومخطوطاتٌ أخرى في ملةِ الأسينِيّينَ.

 وأُذَكِّرُ أنَّ معظمَ مخطوطاتِ قمرانَ قد انتهى إلى حوزةِ اليهودِ، ولم يقوموا بنشرِ محتوياتِ كثيرٍ منها؛ و ذلكَ - على الأغلبِ – مخافةَ أنْ ينكشفَ ما فيها مِنَ التبشيرِ بالنبيِّ محمدٍ، عليهِ السلامُ؛ وخشيةَ أن ينفضح ما في أسفارِ العهدِ العتيقِ المتداولةِ – الآنَ – مِنَ التحريفِ والتزويرِ؛ وحتّى لا يظهر مِا فيها مِنَ المخالفاتِ والمعارضاتِ للفكرِ الصهيونيِّ المتوارثِ في المغضوبِ عليهِم. وكذلك فإن كاتِبيها يرفضون الاعترافَ بِقيام أيِّ كيان سياسي سياديٍّ لليهود في فلسطين. وهذا ما يذكِّرُنا بجماعةِ حرَّاسِ المدينةِ المسَمّاةِ: "ناطوري كارتا"، اليهوديّةِ المعاصرةِ المكفِّرةِ والمحرِّمةِ للصهيونِيَّةِ. ولهذهِ الجماعةِ في العالمِ مركزانِ رئيسيّانِ: حيٌّ يعـرفُ باسمِ: "مِئاهْ شَعاريم" – مِئَهْ شَعاريم – أيْ: حيِّ مئةِ بوابةٍ، في غربِ القدسِ؛ والمركزُ الآخرُ في مدينةِ: "بْرُوكْلِن" في أمريكا. ويبدو لي أنَّهم الورثةُ المعاصرونَ لكثيرٍ مِنْ تعاليمِ ملَّةِ الأسينِيّينَ.

2) الرقيمُ هُوَ: كتابُ تِبيانِ الفتيةِ (تفسير الطبريِّ).

 وبالنسبةِ لقمرانَ، فقدْ عُثِرَ فيها على مخطوطٍ عظيمِ النفعِ والأهميّةِ، يُعْرَفُ باسمِ: "مخطوطِ النظامِ"؛ لأنَّهُ يُبَيًّنُ ويشرحُ أنظمةَ الأسينِيّينَ.

3) وقيلَ عَنِ الرقيمِ بأنَّهُ كتابُ قَصَصِهمْ (تفسير الطوسيِّ).

 وفي قمرانَ وُجِدَ مَرقومٌ عَنْ قصصِ الطائفةِ مَعَ قومِها؛ ومرقومُ "سِفْرِ ناحوم".  والمرقومُ الأخيرُ يتحدَّثُ عنْ قصَّةِ الأسينٍيّينَ معَ "الكسندر جانيوس" (102 ق.م - 76 ق.م)، الملكِ المَـكَّابيِّ الشِّريرِ المفتري الذي اضطَّهدَهم بجبروتٍ رهيبٍ منقطِعِ النظيرِ.

الرقيمُ والدَّواةُ

 

 الدَّواةُ هيَ: وعاءُ الحبرِ، مِدادِ الكتابةِ والخطِّ. فالدَّواةُ: أداةٌ مِنْ أدواتِ الكتابةِ والرَّقْـمِ. وقد عُثِرَ في قمرانَ على ثلاثٍ مِنَ المحابرِ. وكانَ الأسينِيّونَ يستخرجونَ الحِبْرَ مِنْ حرقِ العظامِ، ويخُطّونَ على الجلودِ التي يَدْبِغونَها بأَنفسِهم. وكان أفرادُهم جميعاً يُتْقِنونَ النَّسْخَ خيرَ إتقانٍ، ويُعْنَوْنَ بالدراسـةِ والحفظِ. ويكتملُ عندَهم ما يجعلُهم يستحقونَ - بكاملِ الجدارةِ - أنْ يوصَفوا بِأصحابِ الرقيمِ.

 

الرقيمُ واللوحُ المكتوبُ

 

 ذهبَ بعضُ المفسرينَ إلى أنَّ الرقيمَ لوحٌ مكتوبٌ. وجاءَ في نوعِهِ: أنَّهُ مِنْ نُحاسٍ، أوْ أنّهُ مِنْ رصاصٍ، أوْ أنَّهُ مِنْ حجرٍ. ولم يكتفِ بعضُهم بلوحٍ؛ فذهبَ "القُمِّيُّ" إلى أنَّ الرقيمَ لوحانِ مِنَ النحاسِ المرقومِ. ورأى "الألوسيُّ" في "روح المعاني"، أنَّ اللَّوْحَيْنِ كانا في فمِ الكهفِ. فماذا في قمرانَ؟

 عُثِرَ في قمرانَ على لوحيْنِ مِنَ النحاسِ المرقـومِ - نقراً بالإزميلِ - يُشَكِّلانِ معاً مخـطوطاً واحداً يُسَمّونـَهُ: "مخطوطَ الكنـزِ". وكانَ اللوحانِ في مدخلِ الكهفِ الثالـثِ. وما مدْخَلُ الكهفِ إلَّا فَمُهُ.

فيا لَهُ مِنْ توافقٍ عجيبٍ!.. فهلْ كانَ المفسرونَ يُطْلِقونَ أقوالَهم، في مثلِ هذهِ الأمورِ، عَنْ علـمٍ، أمْ عَـنْ رجمٍ بالغيبِ؟.. أَلَـمْ يَقُـلِ القـرآنُ المجيدُ: "ما يعلمُهم إلَّا قليلٌ"؟

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز