عطية زاهدة
attiyah_zahdeh@hotmail.com
Blog Contributor since:
04 October 2013

كاتب من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
أهل الكهف في قمران جنوب أريحا – المقال 3

 

نُــــــــوَّامُ في قمـــــــــرانَ

 

 إنَّ الذي تريدُهُ هذه المقالات، هوَ أن تجِدَ لكهفِ أهلِ الكهفِ موضعاً لا يبْغي عَنْهُ حِـوَلاً، ولا يَوَدُّ عنه بدلاً؛ فقدْ آنَ لهُ أنْ لا يسيحَ في الأرضِ، آن له أن لا يترحّلَ. 

 حقّاً، إنَّ هذه المقالات تجري بالكهفِ، على بساطِ الريحِ، إلى مُسْتَقَرٍ له في مقامٍ دائمٍ، تجري بِهِ إلى جنوبِ مدينةِ أريحا، في فلسطينَ، عندَ الزاويةِ الشماليّةِ الغربيّةِ للبحرِ الميتِ، حيثُ قمرانُ. فما لِقُمْرانَ وأصحابِ الكهفِ والرقيمِ؟

  لا عجبَ، فإنَّهُ مِنْ قمرانَ يأتينا الخبرُ اليقينُ. ولَئِنْ اسْتَفْتَيْنا مكتشفاتِ خربةِ قمـرانَ، وكهوفَها، فإنَّنا - بكلِّ تأكيدٍ - راجعون بإجاباتٍ مُتَّسِقَةٍ متناسقةٍ على جميعِ ما تطرحُ القرائحُ مِنْ أسئلةٍ تخصُّ "أصحابَ الكهفِ والرقيمِ"؛ ولا بدَّ أيضاً أننا عاثرونَ على شهادةٍ تَنْبِضُ بالحياةِ، وتُكَلِّمُ العالمينَ أنَّ القرآنَ المجيدَ يقصُّ نبأَهمْ بالحقِّ، وتُؤَذِّنُ في المسلمينَ بالبحثِ عَنِ الحقيقةِ. والحكمةُ ضالَّةُ المؤمنِ. وهلْ يقنَطُ مِثْلُهُ مِنَ العثورِ على غالياتٍ يَفْتَقِدُها، أوْ يرتجي إليها وصولاً، وبِها اتصالاً؟

 ومِنَ الواضحِ أنَّ أَوْلى الحقائق بتشكيلِ "حجرِ الزاويةِ" في بُنيانِ "الحقِّ" المُمّثِّـلِ لوجودِ الفتيةِ في قمرانَ، ما هي إلَّا حقيقةُ أنَّ شباباً مِنَ الأسينِيّينَ Essenes، أصحابِ المخطوطاتِ، قدْ ناموا قروناً في كهفٍ مِنْ كهوفِها. فَالأَوْيَ الأويَ إلى سِفْرِ: "حَبَقُّوقَ"، فَإِنَّهُ مأمولٌ أَنْ يَرْقُمَ لنا مِنْ أمرِنا هذا رَشَداً، وأنْ يُظْهِرَنا على البرهانِ الفيصلِ مِنْ أقصرِ طريقٍ.

 حسناً، إنَّ لِقصةِ "أصحابِ الكهفِ والرقيمِ" محوراً تدورُ عليهِ. وما هذا المحورُ إلَّا اعتزالُ نَفَرٍ مِنَ الشبابِ لِقومِهم إذِ ارتدوا عَنِ التوحيدِ إلى الوثنيّةِ. وقد حدثَ الاعتزالُ استجابةً لإرشادٍ خوطِبوا بِهِ مِنْ أجلِ النجاةِ بِمِلَّتِهم، وبأنفسِهم.

فَفيما يتعلقُ بهذا المحورِ، نجدُ أنَّ مكتشفاتِ قمرانَ تُتْحِفُنا وتسعفُنا بأنَّ "الأسينِيّينَ"، همْ أوْلى الناسِ وأحقُّهم في أنْ يكونوا "أصحابَ الكهفِ والرقيمِ"؛ فالأسينِيّونَ كانوا طائفةً منَ الشبابِ اتَّخَذوا اللهَ ربّاً لا إلهَ غيرُهُ، واعتزلوا قومَهم المرتدّينَ؛ حفاظاً على ملتِهم، وحفظاً لأنفسِهم، وهمْ – عندَ المؤرخينَ الأوائلِ - أعجبُ خلقِ اللهِ طائفةً وسيرةً.

 وأمَّا جوهرُ قصةِ "أصحابِ الكهفِ والرقيمِ"، فكانَ إنامةَ اللهِ لهم ما يزيدُ على ثلاثةِ قرونٍ بتسعٍ ليعلَموا - بعدَ بعثِهم والإعثارِ عليهم - أنَّ وعدَ اللهِ حقٌّ، وأنَّ الساعةَ لا ريْبَ فيها.

وإذا ما ثبتَ أنَّ نَوْماً مِنْ قرونٍ قدْ حدثَ في قمرانَ، فإنَّ ذلكَ يُمَثِّلُ سيدَ الأدلةِ، وفيصلَ البراهينِ، على أنَّ "أصحابَ الكهفِ والرقيمِ"، همْ مِنْ طائفةِ: "الأسينِيّينَ"؛ وبذلكَ نمتلكُ ما يُصَدِّقُ رأينَا بيقينٍ، بأنَّ الكهفَ موجودٌ جنوبَ أريحا، عندَ الزاويةِ الشماليّةِ الغربيّةِ للبحرِ الميتِ، حيثُ القَفْرُ الجُرُزُ المهجورُ، والبحرُ الجُرُزُ المسجورُ.

 فهلْ تُبَيِّـنُ مكتشفاتُ "قمرانَ" أنَّ شباباً قد ناموا قروناً ثُمَّ استيقَظوا لِيجدُوا أنَّ وعدَ اللهِ حقٌّ، وأنَّ يومَ القيامةِ لا ريبَ فيهِ؟..

 نعمْ، بِهذا تحدِّثُنا المخطوطاتُ، وعليهِ تشهدُ المكتشفاتُ مِنْ قمرانَ. فَمِنْ ذلكَ الحديثِ، وتلكَ الشهادةِ، نعلمُ أنَّ القرآنَ المجيدَ قد قصَّ عليْنا نبأَ فتيةٍ مِنَ الأسينِيّينَ قصّاً حقّاً.

 

نوّامُ قرونٍ في شرحِ حَبَقُوّقَ

"حبّقُّوقُ" اسمٌ منْ أسماءِ أنبياءِ بني إسرائيلَ، وهمْ كُثْرٌ؛ إذْ يظهرُ كما يمكن أن نستدلَّ من قصة يوسفَ، عليْهِ السلامُ، أنَّ كلَّ أحدَ عشرَ منهم يحتاجونَ، كيْ يصلحوا، بعدَ سنينَ عدداً، إلى نبيٍّ شائبٍ، ونبيٍّ في فتُّوةٍ وشبابٍ. ويوجدُ في العهدِ القديمِ، سفرٌ باسمِ: سفرِ "حبقُّوقَ"، وقدْ كانَ الأسينيّونَ يُعْنَوْنَ بهِ كثيراً، ولا ريْبَ أنَّ في شروح الأسينيّين له تبشيراً بالرسول محمد عليه السلام، تبشيراً مستمدّاً من التوراةِ الأصليّةِ غير المحرّفة.

بَيَّنَ مخطوطُ "شرحِ حَبَقّوقَ" أنَّ "معلمَ الحقِّ"، مُرْشِدَ الأسينِيّينَ، أستاذهم، قدِ اعتزلَ مَعَ نَفَرٍ مِنْ أصحابِهِ الشبابِ إلى قمرانَ، بعدَ أنْ تعرَّضوا لاضطهادِ قومِهم. ويظهرُ مِنَ المخطوطِ أنَّ الذهابَ إلى الـبرِّيَّةِ قدْ جاءَ بعدَ الاضطهادِ، وأنَّ القصدَ مِنْهُ كانَ لدراسةِ الشريعةِ: "قوموا في القفر سبيلاً لله".

 وهذا بالفعلِ يماثلُ ما يحدِّثُنا بِهِ القرآنُ المجيدُ؛ فقدْ ذهبَ الفتيةُ بعدَ الاضطهاد منْ قبَلِ قومِهم، إلى كهفٍ فيهِ الرقيمُ. والرقيمُ عندَ المفسرينَ الثقاتِ، هوَ: كتابٌ مِنَ شرعِ الفتيةِ. وبذلكَ يكونُ الكهفُ مكاناً لدراسةِ الشريعةِ؛ منْ أجلِ الرشادِ.

 وأشارَ "شرحُ حبقّوقَ"، وهو من كتابة الأسينيّين أنفسهم، أشار إلى أنَّ "معلمَ الحقِّ" Teacher   of Righteousness ، "أستاذ الرشاد"، "دليل الهداية"، هو ومَنْ في صُحْبَتِهِ مِنَ الشبابِ، سيظهرونَ بعدَ الانبعاثِ (sprouting) منْ نومةٍ مديدةٍ طويلةٍ، من ثلاثمائة وتسعين سنة، أربعمائة سنة إلا عشراً؛ ليجدوا أنَّ يومَ القيامةِ قريبٌ؛ وأنَّ ما وعدَ اللهُ بِهِ الرسلَ حقٌّ.

[توسَّعْ في هذا الأمرِ في:

1-Bruce, F.F. , Second Thoughts On The Dead Sea Scrolls ,1964 , p. 93.

2-Burrows , M. , The Dead Sea Scrolls , 14th edition , 1961, p.196.[

 ويعتقدُ الباحثوَن أنَّ الكلمةَ التي تصفُ أصحابَ "معلمِ الحقِّ" بالشبابِ، جاءتْ مِنْ أصلٍ عربيٍّ يـدلُّ على الشبابِ(Burrows’s , p. 216 ). وأرى أنَّ هذهِ الكلمةَ العربيّةَ لا بُدَّ أنْ تكونَ كلمةَ: "الفتية". أمَّا كيفَ ارتبطتْ تلكَ الكلمةُ بالأصلِ العربيِّ، فَإِنَّـما هوَ لَغْزٌ مُحَيِّــرٌ. أَلَيسَتْ قصةُ نومِ أصحابِ الكهفِ قصةَ فتيةٍ، وفيهِم مَنْ  يُرْشِدُهم، قد رَقَدوا سنينَ عدداًً، ليعلموا أنَّ وعدَ اللهِ تعالى حقُّ، وأنَّ الساعةَ لا ريبَ فيها؟.. بَلـى. 

  ويُبَيِّـنُ شرحُ "حَبَقّوقَ" أنَّ نهايةَ العالمِ في طريقِ الإعدادِ، ولكنَّ اقترابَها عاجلٌ. ومِنَ الواضحِ فيهِ أنَّ عودةَ مجموعةِ الفتيةِ الشبابِ المعتزلينَ، لا بدَّ أنْ تَتِّمَ قبلَ يومِ القيامةِ، ممّا يقطعُ أنَّ غيابَ أل"390" سنةً، كانَ في نومٍ؛ وممَّا يعني أنَّ البعثَ المقصودَ، هوَ بعثٌ محصورٌ فيهم، وليسَ البعثَ الشاملَ والجامعَ لكلِّ الناسِ. أَلَمْ يُحَدِّثْنا القرآنُ العظيمُ أنَّ "أصحابَ الكهفِ والرقيمِ"، همْ فتيةٌ اعتزَلوا قومَهم مَعَ مَنْ أرشدَهم إلى ذلكَ الاعتزالِ؟.. بلى.

 أَلَمْ يُبَيِّـنِ القرآنُ الكريمُ أنَّ اللهَ تعالى أنامَهم ثُمَّ بعثَهم وأعْثَرَ عليهِم: "لِيعلَموا أنَّ وعدَ اللهِ حقٌّ، وأنَّ الساعةَ لا ريبَ فيها"؟.. بلى.

 أَلَمْ يَقُصَّ علينا القرآنُ المجيدُ أنَّ الاضطهادَ كانَ يطاردُ الفتيةَ؟.. بلى.

 ويوجدُ في مخطوطاتٍ قمرانِيّةٍ أخرى، نصوصٌ تدلُّ أيضاً على نومٍ طويلٍ خارقٍ للعادةِ. ولا تستبعدْ أبداً أنْ تكونَ كلمةُ "الأسينِيّينَ" تحملُ معنى: النُّوَّامِ.

وعلى كلِّ حالٍ، فإنَّهُ مِنْ قبلي، من قبل العام 1974م، لم يذكرْ مسلمٌ، ولا حتَّى كافرٌ، أنَّ الفتيةَ كانوا منَ الأسينِيّينَ. ولمْ ينتبهْ أيٌّ آخرُ إلى ارتباطِ قصةِ القرآنِ الكريمِ بقمرانَ ومكتشفاتِها. 

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز