عطية زاهدة
attiyah_zahdeh@hotmail.com
Blog Contributor since:
04 October 2013

كاتب من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
أهل الكهف في قمران جنوب أريحا – مقال 2

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  جاءَ الوَحْيُ بِسُوَرٍ مِنَ القرآنِ وَسُوَرٍ، وإذْ لَمْ يُؤْمِنْ بِها إلّا قليلٌ فقدْ كادتِ الحَسَراتُ أَنْ تَتَّخِذَ في نفسِ محمدٍ، عليهِ السلامُ، أعشاشاً وأعشاشاً.

 وقدْ تَفَتَّقَ مَكْرُ قُرَيْشٍ عَنِ استيرادِ أسئلةٍ مِنْ أحبارِ يثربَ باعتبارهم أهل كتب سماوية وأعلم منهم بأمور الأنبياء؛ فمن أراد أن يعقد امتحاناً للمتقدم أن يعمل في وظيفة طبيب، فإنه يختبره بأسئلة يضعها أهل الطب. أرادوا استيرادها َلَعَلَّ الرسولَ يَعْجِزُ عَنْ إجاباتِها، أوْ لعلَّهُ يُجيبُها على خطأٍ، فإذا هوَ خاسِرٌ بالضربةِ القاضيةِ؛ فَمِنْ فَمِهِ يُدينونَهُ، وبِشهادةِ أهلِ الكتابِ يُكَذِّبونَهُ، فَيَخرَسَ منهُ اللِّسانُ، ويَدْرَسَ القرآنُ. ولكنْ، هَيْهاتَ هَيْهاتَ!.. فكُلَّما خطَّطوا خُطَّةً أبطلَها الرحمنُ سبحانَهُ.

 أحضرَ القُرَشِيّونَ ثلاثةَ أسئلةٍ: عَنِ الروحِ؛ وعَنْ رجلٍ طوَّافٍ بلغَ مشارقَ الأرضِ ومغاربَها؛ وَعَنْ فتيةٍ خَرَجوا في الزمنِ الأولِ، ولهم حديثٌ عَجَبٌ. وقد حَسِبَ الرسولُ الكريمُ أنَّ إجاباتِ الأسئلةِ المذكورةِ سَتُمَثِّلُ الصفقةَ الهاديةَ. وانطلاقاً مِنْ حِسْبانِهِ فقدْ ضربَ لَهم الغدَ موعداً. وَما كانَ الوحيُ أبداً لِيَجيءَ في موعدٍ يُسَمّيهِ الرسولُ، عليهِ السلامُ؛ فَهُوَ إنَّما يَتَنَزَّلُ بأمرِ اللهِ سبحانَهُ.

 وانتظرَ الرسولُ صابراً على الإشاعاتِ، والهَمْزِ واللَّمْزِ، عشرَ ليالٍ وخمساً، ثُمَّ جاءَهُ مَدَدُ السماءِ بسورةِ الكهفِ تُحَدِّثُهُ أنَّ الفتيةَ الكرامَ هُمْ: "أصحابُ الكهفِ والرقيمِ"، وأنَّ الذي بلغَ المشارقَ والمغاربَ إِنْ هوَ إلَّا الحاكمُ الصالحُ: "ذو القَرْنَيْنِ". وقدْ أثبَتَ العالم الهندي المسلم "أبو الكلام آزاد" - أثبت بالبراهينِ الساطعة القاطعة أنَّهُ الإمبراطور "قورشُ الفارسيُّ"، منَ القرنِ السادسِ قبلَ الميلادِ. 

  حقّاً، منذُ نزولِ السورةِ، والمسلمونَ في شوقٍ إلى الكهفِ عظيمٍ، تَحْدوهُمُ الآياتُ، وَتُمْطِرُهُمْ آمالَ صِدْقٍ في العثورِ على الرَّقيمِ. فَمِنْهُمْ مَنْ أخذَ يُقَلِّبُ الأَسْفارَ لَعَلَّ أَوْراقَها تُجِيبُ فَيَظْفَرَ بِضالَّتِهِ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ أخذَ يجوبُ الأقْطارَ، يُسائِلُ آفاقَها عَنْ فتيةٍ جُثَثٍ، ونقودٍ فِضَّةٍ، والكهفِ المَرْقَدِ، والبُنْيانِ الذي عليهِم، والمسجدِ.

   أجلْ، قرَأَ في الأسفارِ مَنْ قرأَ، فدارتِ الأقوالُ بالفتيةِ مِنْ أهلِ التوراةِ إلى أهلِ الإنجيلِ. وضربَ في الأرضِ مَنْ ضربَ، فسافرتِ الآراءُ بالكهفِ في أقطارٍ مِنَ العالَمِ وأقطارٍ، فصارَ في حقيبتِهِ تذاكرُ سفرٍ، وتذاكرُ ارتحالٍ، وامتلأَ جوازُ سفرِهِ بأختامِ الحدودِ، وتواقيعِ الجنـودِ، حتى جازَ أنْ نُسَمِّيَهُ: الكهفَ الطيّارَ، الكهفَ الجوّالَ، الكهفَ الطوّافَ، الكهفَ الرّحّالَ، والكهفَ السندبادَ. وأمّا إن كنت تتصورني واقفاً فوق الكهف أقول لهم مع العاثرين عليهم: صح النوم يا شباب! والحمد لله على سلامتكم بعد طول الغياب، فيمكنك أن تسميه: "كهف عطية"!.. أما سمعت أن لي ابناً مفسراً، أما سمعت بالمفسر "ابن عطية" الذي سبقني ظهوراً بقرون. فهل تستغرب من "عطية" أن يقول عن "ابن عطية": إنه ابني!.. فمن يصدق أن الابن قد يكون أكبر عمراً من أبيه، وأن الأب قد يكون أصغر عمراً من بنيه؟!.. أجل،  فهذا المعنى من قصة أهل الكهف نجنيه؛ فقد يكون الإنسان في "زمانٍ نائمٍ" يغيب ثم يأتيه!  وهل إذا نام الزمان يكبر الإنسان؟

 والازديادُ مِنَ الخيرِ خيرٌ، وطبعٌ في النفوسِ مجبولٌ. وكأنَّي بكهفِ الفتيةِ، وقصتهم ذاتُ عجائب وعجائب، كأني به يستزيدُني أسماءً تأتيهِ بالسماءِ شمساً وكواكبَ؛ بِها يكونُ في هذهِ الأرضِ جسماً، ومِنَ السماءِ اسماً. وما الذي نخسرُهُ ما دُمْنا لا ندفعُ رسوماً لاستصدارِ وثائقِ ميلادِهِ!؟

 رُوَيْدَكَ، فإذا صرتَ بهذه المقالات على نيةٍ لزيارةِ الكهفِ، تبتغي أنْ تتعجَّلَ فيهِ، فاعلَمْ أنَّكَ ترتحلُ إلى: "الفندقِ 18 كوكباً"؛ وأمَّا إذا كنتَ ترتجي أنْ يتأخرَ فيهِ لَبْثُكَ والمقامُ، فَارْقُمْ في مُفَكِّرَتِكَ أنَّكَ ظاعنٌ في رحلةٍ إلى: "الفندقِ 390 شمساً". وغيرُ مستبعَدٍ أنْ تتقبلَ منَّا أنْ نطْلِـقَ عليــهِ أيـضاً: "فندقَ القرونِ"، وكذلكَ: "فندقَ الرشادِ". وفي أيِّ هذهِ الفنادِقِ نزلـتَ، فالسِّعرُ واحدٌ محدَّدٌ!

 ومروراً بالقرونِ رحلَ قومٌ بكهفِ الفتيةِ مِنَ اليمنِ إلى الموصلِ، قربَ نينَوى بالعراقِ، ومِنْ ثَمَّ إلى جبلِ قاسْيونَ في ظاهرِ دَمَشْقَ بالشامِ. ونقلَهُ أُناسٌ إلى الأَنْدَلُسِ، وفي الأندلسِ حملَهُ فريقٌ مِنْ لوشةَ إلى طُلَيْطِلَةَ، ومِنْ طليطلةَ نقله غيرُهم إلى جنانِ الوردِ. وسافرَ بِهِ آخَرونَ في رحلةٍ داخليةٍ بِتُرْكِيّا مِنْ أفِسُوسَ إلى عَربِسُوسَ. وَحَرَّكَهُ نفرٌ مِنْ نَخْجَوَانَ بالقَفْقَازِ، إلى بريطانيا مُحْتارينَ بِهِ بينَ الكنائسِ لعلَّهُ يتأَنجلزُ!.. ورافقتْهُ جماعةٌ مِنْ إسكندنافيا – حيثُ الدِنِمارْكُ والسِّويدُ – إلى روما في جِوارِ بابا الفاتيكانِ حيثُ سراديبُ وكهوفُ "الكيتا كومز". وقدْ منحهُ البعضُ جنسيَّةَ الباكستانِ. وعادَ بِهِ حزبٌ إلى "سحابَ"، قربَ عمَّانَ عاصمةِ الأُرْدُنِّ. وما هذا بعودٍ محمودٍ؛ فهؤلاءِ إنَّما حَمَلوا كهفَهم على سحابِ صيفٍ ملتهبٍ، حَسِبوهُ جبلاً راسياً فَإِذا بِهِ هاوٍ هارٍ.

  وأمَّا هذه المقالات فَتقَدِّمُ له التهانِيَ بسلامةِ العودةِ مِنْ هاتيكَ الأسفارِ ومَشاقِّها، إلى مَسقَطِ رأسِـهِ وفَكَّيْهِ؛ فقدْ حقَّ لهُ أنْ ينامَ في "قمران"، جنوب أريحا، أقدم مدينة في التاريخ، على الشاطئ الغربي للبحر الميت، في فلسطين - أن ينامَ - في رقودٍ قريرَ العينِ، وهانئَ البالِ، يسرُّ الزائرين

 

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز