عطية زاهدة
attiyah_zahdeh@hotmail.com
Blog Contributor since:
04 October 2013

كاتب من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
عمرو خالد مدجلاً عن أهل الكهف - ج1

"عمرو خالد" مدجلاً عن أهل الكهف - ج1

 

  جاءَ الوَحْيُ بِسُوَرٍ مِنَ القرآنِ وَسُوَرٍ، وإذْ لَمْ يُؤْمِنْ بِها إلّا قليلٌ فقدْ كادتِ الحَسَراتُ أَنْ تَتَّخِذَ في نفسِ محمدٍ، عليهِ السلامُ، أعشاشاً وأعشاشاً.

 وقدْ تَفَتَّقَ مَكْرُ قُرَيْشٍ عَنِ استيرادِ أسئلةٍ مِنْ أحبارِ يثربَ؛ فَلَعَلَّ الرسولَ يَعْجِزُ عَنْ إجاباتِها، أوْ لعلَّهُ يُجيبُها على خطأٍ، فإذا هوَ خاسِرٌ بالضربةِ القاضيةِ؛ فَمِنْ فَمِهِ يُدينونَهُ، وبِشهادةِ أهلِ الكتابِ يُكَذِّبونَهُ، فَيَخرَسَ منهُ اللِّسانُ، ويَدْرَسَ القرآنُ. ولكنْ، هَيْهاتَ هَيْهاتَ!.. فكُلَّما خطَّطوا خُطَّةً أبطلَها الرحمنُ سبحانَهُ.

 أحضرَ القُرَشِيّونَ ثلاثةَ أسئلةٍ: عَنِ الروحِ؛ وعَنْ رجلٍ طوَّافٍ بلغَ مشارقَ الأرضِ ومغاربَها؛ وَعَنْ فتيةٍ خَرَجوا في الزمنِ الأولِ، ولهم حديثٌ عَجَبٌ. وقد حَسِبَ الرسولُ الكريمُ أنَّ إجاباتِ الأسئلةِ المذكورةِ سَتُمَثِّلُ الصفقةَ الهاديةَ. وانطلاقاً مِنْ حِسْبانِهِ فقدْ ضربَ لَهم الغدَ موعداً. وَما كانَ الوحيُ أبداً لِيَجيءَ في موعدٍ يُسَمّيهِ الرسولُ، عليهِ السلامُ؛ فَهُوَ إنَّما يَتَنَزَّلُ بأمرِ اللهِ سبحانَهُ.

 وانتظرَ الرسولُ، عليه السلام، صابراً على الإشاعاتِ، والهَمْزِ واللَّمْزِ، عشرَ ليالٍ وخمساً، ثُمَّ جاءَهُ مَدَدُ السماءِ بسورةِ الكهفِ تُحَدِّثُهُ أنَّ الفتيةَ الكرامَ هُمْ: "أصحابُ الكهفِ والرقيمِ"، وأنَّ الذي بلغَ المشارقَ والمغاربَ إِنْ هوَ إلَّا الحاكمُ الصالحُ: "ذو القَرْنَيْنِ". وقدْ ثبَتَ بالبراهينِ أنَّهُ: "قورشُ الفارسيُّ"، منَ القرنِ السادسِ قبلَ الميلادِ. 

ومنذُ نزولِ السورةِ الكريمةِ، والمسلمونَ في شوقٍ إلى الكهفِ عظيمٍ، تَحْدوهُمُ الآياتُ، وَتُمْطِرُهُمْ آمالَ صِدْقٍ في العثورِ على الرَّقيمِ. فَمِنْهُمْ مَنْ أخذَ يُقَلِّبُ الأَسْفارَ لَعَلَّ أَوْراقَها تُجِيبُ فَيَظْفَرَ بِضالَّتِهِ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ أخذَ يجوبُ الأقْطارَ، يُسائِلُ آفاقَها عَنْ فتيةٍ جُثَثٍ، ونقودٍ فِضَّةٍ، والكهفِ المَرْقَدِ، والبُنْيانِ الذي عليهِم، والمسجدِ.

   أجلْ، قرَأَ في الأسفارِ مَنْ قرأَ، فدارتِ الأقوالُ بالفتيةِ مِنْ أهلِ التوراةِ إلى أهلِ الإنجيلِ. وضربَ في الأرضِ مَنْ ضربَ، فسافرتِ الآراءُ بالكهفِ في أقطارٍ مِنَ العالَمِ وأقطارٍ، فصارَ في حقيبتِهِ تذاكرُ سفرٍ، وتذاكرُ ارتحالٍ، وامتلأَ جوازُ سفرِهِ بأختامِ الحدودِ، وتواقيعِ الجنـودِ، حتى جازَ أنْ نُسَمِّيَهُ: الكهفَ الطيّارَ، الكهفَ الجوّالَ، الكهفَ الطوّافَ، الكهفَ الرّحّالَ، والكهفَ السندبادَ. وقد يكونُ من المناسبِ أنْ نطْلِـقَ عليــهِ أيـضاً: "فندقَ القرونِ"، وكذلكَ: "فندقَ الرشادِ".

وخلالَ القرونِ رحلَ قومٌ بكهفِ الفتيةِ مِنَ اليمنِ إلى الموصلِ، قربَ نينَوى بالعراقِ، ومِنْ ثَمَّ إلى جبلِ قاسْيونَ في ظاهرِ دَمَشْقَ بالشامِ. ونقلَهُ أُناسٌ إلى الأَنْدَلُسِ، وفي الأندلسِ حملَهُ فريقٌ مِنْ لوشةَ إلى طُلَيْطِلَةَ، ومِنْ طليطلةَ إلى جنانِ الوردِ. وسافرَ بِهِ آخَرونَ في رحلةٍ داخليةٍ بِتُرْكِيّا مِنْ أفِسُوسَ إلى عَربِسُوسَ. وَحَرَّكَهُ نفرٌ مِنْ نَخْجَوَانَ بالقَفْقَازِ، إلى بريطانيا مُحْتارينَ بِهِ بينَ الكنائسِ لعلَّهُ يتأَنجلزُ!.. ورافقتْهُ جماعةٌ مِنْ إسكندنافيا – حيثُ الدِنِمارْكُ والسِّويدُ – إلى روما في جِوارِ بابا الفاتيكانِ حيثُ سراديبُ وكهوفُ "الكيتا كومز". وقدْ منحهُ البعضُ جنسيَّةَ الباكستانِ. وعادَ بِهِ حزبٌ إلى "سحابَ"، قربَ عمَّانَ عاصمةِ الأُرْدُنِّ. وما هذا بعودٍ محمودٍ؛ فهؤلاءِ إنَّما حَمَلوا كهفَهم على سحابِ صيفٍ ملتهبٍ، حَسِبوهُ جبلاً راسياً فَإِذا بِهِ هاوٍ هارٍ.

 

"عمرو خالد" متمرغاً في كهف الرجيب في دجل عجيب!

 

وقبل أيام صادفت في الشبكة العنكبوتية أن "عمرو خالد" كان قد قام بزيارة إلى الأردن قبل بضع سنين، في أواخر تموز من عام 2008 م. وقد حاول أن يقوم بتسويق الزعم بأن كهف أهل الكهف موجود بجوار عمّان، في منطقة سحاب. والحقيقة أنني أربأ بنفسي عن تناول تفاهاته وسفاهاته؛ لأنني قد أدركت من أول ما سمعت له حديثاً لبضع دقائق، قبل سنين عدداً، أدركت أنه ساقط متهاو من غير هزٍّ ولا رزٍّ. ولهذا فإنني ما تابعت له جهداً مكتفياً بخسارة تلك الدقائق. ولكنني هنا وددت أن أبين أن محاولته في الترويج لكهف الرجيب ما هي إلا نفخ في رماد، ولكن ليس من خلال نقد ما جاء به هو، بل من خلال نقض موضوع القول بكهف الرجيب كهفاً لأهل الكهف، نقضاً من أساسه، أي من خلال إبطال ذلك القول اعتماداً على الكتاب المُورد له.

 

بطلانُ كهفِ الرجيبِ

 

 

ما للرجيب والكهف؟

 

نظراً إلى ما لَقِيَهُ القولُ بالرجيبِ، موضعاً لكهفِ أهل الكهف، مِنَ الاهتمامِ والترويجِ الإعلاميِّ في الثلثِ الأخيرِ من القرنِ العشرين، وأوائل القرن الواحد والعشرين، فإنَّهُ لا بدَّ منَ التذكيرِ بِبُطْلانِهِ، ولهذا الغرض جاء هذا المقال. ولا ريْبَ أنَّ الكتابَ الذي يحاولُ تمريرَ ذلكَ الرأيِ، يُوَفِّرُ المصدرَ الأفضلَ لاستخراجِ أدِلَّةِ الدَّحْضِ والتفنيدِ.

لقدْ تناقلتِ بعضُ التفاسيرِ، ربَّما مِنْ عهدِ الخلفاءِ الراشدينَ، أنَّ في "الرجيبِ" - قربَ عمّانَ عاصمةِ الأردن - غاراً ظَنَّهُ بعضُ المسلمينَ كهفَ "أهلِ الكهفِ". و بَدْءاً مِنْ عامِ 1953 م، قامَ المرحومُ الأُستاذُ "محمد تيسير ظبيان"، بإحياءِ هذا الرأيِ متَوَّهِماً، أَوْ موهِماً الناسَ، كأنَّهُ أولُ مَنْ قالَ بِهِ، وأنَّهُ صاحبُ أهمِّ اكتشافٍ أثريٍّ وتاريخيٍّ في القرنِ العشرينَ. وذلكَ كما جاءَ على غلافِ كتابٍ ألَّفَهُ معنوناً لهُ بهذا العنوانِ الفخيم: "مَوقِعُ أصْحابِ الكهفِ وظهورُ المعجزةِ القرآنيّةِ الكُبرى". وقدْ نشرتْهُ له دارُ الاعتصامِ في العامِ 1978م.

حقّاً، لم يكنْ ما جاءَ بِه المرحومُ ظُبيانُ اكتشافاً، فقد دلّه عليه الرعيان. وإنَّ كتابَهُ نفسَهُ كافٍ تماماً ليثبتَ أن "الرجيبَ"، ليستْ موضعَ كهفِ أهلِ الكهفِ بتاتاً. وأكتفي تالياً بعددٍ مِنَ التذكيراتِ ندْحَضُ بِها ما حسبَهُ البعضُ مِنْ صحةٍ في قولِ المرحومِ ظِبيانَ، وهو سوري الأصل أقام في عمان وعمل في التدريس، وبخاصة في مدارس الجمعية العلمية الإسلامية.

 

من الرقيم إلى الرجيب

 

ظنَّ المرحومُ "ظبيانُ" أنَّ "الرقيمَ" هي أصلُ "الرجيبِ"، أيْ: إنَّ القافَ انقلبت إلى جيمٍ، وأنَّ الميمَ انقلبت إلى باءٍ. ومِنَ العجيبِ أنَّ ظنَّ ظبيانَ بِهذيْنِ الانقلابيْنِ ما هوَ إلاّ ظنٌّ قدِ استوردَهُ مِنْ عندِ المستشرقِ الفرنسيِّ "كليرمونت جانو" الذي زارَ الرجيبَ عامَ 1868م، وأشارَ إلى أنَّ فيها كهفاً ظَنَّهُ المسلمونَ كهفَ أهلِ الكهفِ (ص50).

 

فأينَ "الرجيبُ" مِنَ "الرقيمِ"؟!

 

إنَّ الرجيبَ مِنْ رَجَبَ، وأما الرقيمُ فَمِنْ رَقَمَ، والرجيبُ، أوِ المرجوبُ، هو المُعَظَّمُ المَهيبُ؛ في حِينِ إنَّ الرقيمَ أو المرقومَ هوَ: المخطوطُ. ويظهرُ لي أنَّ هذا الاسمَ: "الرجيبَ"، بمعنى: المعظَّمِ المهيبِ، قدْ أُطْلِقَ على ذلكَ الموضعِ بعدَ الزعمِ بأنَّ كهفَ أهلِ الكهفِ موجودٌ فيهِ.

وعلى كلِّ حالٍ، فإنَّ القولَ بالرقيمِ، اسماً لموضعِ الكهفِ، في الأقوالِ التي تتعرّضُ لتفسيرِ معنى الرقيم، هوَ: أضعفُ الأقوالِ. وَلَمْ يقتصرِ اعتبارُ الرقيمِ اسماً لموضعِ الكهفِ على رجيبِ الأردنِّ، بل إنَّهُ شملَ أيضاً موضعَ كهفِ لوشةَ بالأندلسِ. ويظهرُ لي أنَّ مَنْ كانَ يظنُّ بكهفٍ مِنَ الكهوفِ كهفاً للفتيةِ، يذهبُ إلى تسميةِ موضعِهِ باسمِ الرقيمِ، ثم ينتشرُ الاسمُ في الناسِ.

 

جعلَ الوَرِقَ نحاساً

 

أوردَ المرحوم ظبيانُ أنَّهُ تمَّ العثورُ في الكهفِ على عملةٍ نحاسيّةٍ رومانيّةٍ مِنْ عهدِ تَراجان: "98م-117م" (ص35)، وعلى عملةٍ نحاسيّةٍ أخرى مِنْ عهدِ جستنيوس: "518م-527م" (ص 34، ص61). ويرى "ظبيان" أنَّهُ في عهدِ جستنيوس نفسِهِ تَمَّ بناءُ صومعةٍ، أوْ معبدٍ فوق الكهفِ (ص28).

لقدْ نسيَ ظبيانُ أنَّ جميعَ المفسرينَ، وأهلِ اللغةِ كابنِ منظور صاحب لسان العرب، قدْ أجمَعوا على أنَّ عِمْلةَ أهلِ الكهفِ كانت نقوداً فضيّةً، بلْ إنَّهم يعتبرونَ أنَّ "الوَرِقَ" هي اسمٌ للفضةِ. وأما الزعمُ بالعثورِ على عملتيْنِ بينهما فترةٌ تُساوي مدةَ نومِ أهلِ الكهفِ فلمْ يكنْ ترتيباً موفقاً (ص35)، لأنَّ ظبيانَ يعتبرُ أنَّ مُدَّةَ نومِهم هيَ: 309 سنينَ، بينَما نجدُ أنَّ الزمنَ الفاصلَ بينَ نِهايةِ حكمِ تراجان، وبينَ بدايةِ حكمِ جستنيوس، هُو: أربعُمائةِ سنةٍ وسنةٌ (518-117=401).

والغريبُ أنَّ المرحومَ ظبيانَ يذهبُ في مواضعَ أخرى إلى أنَّ بعثَ الفتيةِ قدْ تَمَّ في عهدِ ثيودوسيوس الثاني: "408-450م" (ص35)، وبالتحديدِ في العامِ 446م (ص194 )، وما ذلكَ إلاّ للوصولِ إلى فترةٍ منْ 300 سنةٍ، أو 309 سنواتٍ، وينسى أنه لم يُعْثَرْ في الرجيبِ على أيِّ عملةٍ مِنْ عهدِهِ.

 

جماجم الصبيان

 

ذكرَ ظبيانُ أنه وُجِدَ في الكهفِ ثماني جماجمَ (ص63). وفي موضعٍ آخرَ يذكرُ أنها سبعٌ مِنَ الجماجمِ (ص131). ويظهرُ أنَّ ظبيانَ لم يكن يريدُ أنْ يفرِّقَ بينَ رَقَمِ ٧ ورَقَمِ ٨، وهوَ: غيرُ ملومٍ في ذلك؛ لأنَّ أحدَ هذيْنِ الرقميْنِ - في رسمِنا نحن العربَ للأرقامِ - هوَ: مقلوبُ الآخر، فلو أَخذَ أيٌّ منهما يدورُ في دائرةٍ فَسَيَظْهَرُ الرقمُ ٧ كأنَّه ٨، وسيظهرُ الرقمُ ٨ كأنَّه ٧، فالدورانُ يُظْهِرُ السبعةَ ٧ ثمانيةً ٨، ويُظْهِرُ الثمانيةَ ٨ سبعةً ٧!

يبدو أن ظبيانَ ومَنْ ساعدَه قد أحضروا الجماجمَ مِنْ مقبرةٍ للأطفالِ، ويبدو أنَّهم اختاروها حديثةَ الدفنِ، زيادةً في التمويهِ. ومِمَّا لا ريْبَ فيه أنَّ عَمَلَهُمْ هذا هوَ: عملٌ غيرُ صالحٍ. ونسيَ ظبيانُ أنَّ الفتى هو الشابُّ، بلْ حتَّى هوَ الرجلُ الجزلُ المكتملُ رُجولةً.

ويزعمُ ظبيانُ أنَّهُ قد عُثِرَ في الكهفِ على قطعةٍ عظميّةٍ لحيوانِ، وقد ذهب إلى أنَّها عظمةُ كلبٍ، أو جمجمةُ كلبٍ (ص129)، وفي موضعٍ آخرَ ينفي ذلك (ص 134). والعجيبُ أنَّ كتابَهُ يتحدّثُ عنْ عظامٍ كثيرةٍ للحيواناتِ، وأنَّها وجدتْ في الكهفِ.

 

النواويـــــــــــــــــس

 

الناووسُ هوَ: صندوقٌ حجريٌّ للدَّفنِ.

ويظهرُ أنَّ المرحومَ ظبيانَ اتخذَ له رأياً مِنْ رأيِ ابنِ عباسٍ في أنَّ عِدَّةَ الفتيةِ هيَ: سبعةٌ، أو ثمانيةٌ (تفسير ابن كثير)؛ ولذلكَ حاولَ الزعمَ بالعثورِ على سبعةٍ مِنَ النواويسِ، أو ثمانيةٍ. ونوردُ تالياً عدداً مِنَ النصوصِ المتعلقةِ بالنواويسِ.

يقولُ ظبيانُ نقلاً عَنْ عالمِ الآثارِ الأستاذِ رفيقٍ الدجانيِّ: "وبعدَ تنظيفِ النواويسِ مِنَ الجهةِ الشرقيّةِ، تَبَيَّنَ أنَّ عددَها أربعةٌ، وقدْ عثرْنا على كثيرٍ مِنَ الهياكلِ البشريّةِ داخلَها، وعلى كثيرٍ مِنْ قِطَعِ النقودِ. كما عثرْنا داخلَها على ثمانِي جماجمَ بشريّةٍ قد تكونُ مِنْ دفنٍ حديثٍ" (ص63).

وفي الصفحةِ 59 نَقَلَ المرحوم ظبيانُ عَنِ الدجانيِّ قولَهُ: "والنواويسُ الحجريّةُ الستةُ لم يكنْ ظاهراً منها سوى أربعةٍ، وهي مليئةٌ بالعظامِ البشريّةِ، كما كانَ بينَ كلٍّ مِنَ الناووسَيْنِ مدفنٌ آخرُ بُنِيَتْ واجهتُه مِنَ الحجارةِ. وفي الساحةِ الشماليّةِ مِنَ الكهفِ عثرْنا على عِدَّةِ قبورٍ، وكانَ داخلُ الكهفِ مليئاً بالمدافنِ الحديثةِ والقديمةِ" (ص63 ).

ماذا نلاحظُ مِنَ النصوصِ السابقةِ؟

أ - مرّةً تُحَدِّثُنا عَنْ جماجمَ، ومرّةً عَنْ هياكلَ، ومرَّةً عَنْ عظامٍ.

ب - تارَةً تُحَدِّثُنا عَنْ ثماني جماجمَ، وهوَ: عددٌ محدودٌ؛ وكَرَّةً عَنْ عِدَّةِ قبورٍ؛ ومرةً عَنْ كثيرٍ مِنَ الهياكلِ.

ج - تُظْهِرُ النصوصُ أنَّ بقايا الأمواتِ غيرُ معروفةٍ أهِيَ مِنَ الزمنِ الحديثِ، أمِ الزمنِ القديمِ.

د - تتكلمُ النصوصُ عَنِ العثورِ على كثيرٍ مِنْ قِطَعِ النقودِ في النواويسِ، ولكنّها لَمْ تُحَدِّدْ تواريخَها، أوْ عددَها.

ومِنَ الغريبِ أنَّ ظبيانَ هو الذي يذكرُ هذا القولَ: "النواويسُ كأنَّها سبعةٌ، أوْ ثمانيةٌ" (ص143). وهوَ يوردُ أيضاً: "إنكَ ترى قبورَهم فتحتارُ أهي ستةٌ، أم سبعةٌ، أم ثمانيةٌ؛ وهذه آيةٌ إلهيّةٌ وهيَ أنَّهُ لا يعلمُ عددَهم إلاّ قليلٌ" (ص162). ألا يجوزُ مِنْ كلامِ كهذا أنْ نُسَمِّيَ طريقةَ "ظبيانَ" في التفسيرِ: طريقةَ التفسيرِ بالتحييرِ. فهل عجائــبُ الدنيا: ستٌّ، أمْ سبعٌ، أمْ ثمانٍ؟..

ويذكرُ أيضاً أنَّهُ قد وُجِدَ فوقَ الكهفِ سبعةُ أعمدةٍ، ولقدْ حسِبَها تُشيرُ إلى عددِ فتيةِ الكهفِ (ص65)، ونسيَ ما أكَّدَهُ في الصفحةِ السابقةِ مِنَ العُثورِ على أربعةِ قبورٍ في الجهةِ الشرقيّةِ، وأربعةٍ أُخْرى في الجهةِ الغربيّةِ.

هذا، ولوْ زرتَ الكهفَ فلن ترى غيرَ ستةٍ من النواويس.

 

"النَّمِرُ" شاهـــــــداً

 

وأغربُ ما في أمرِ ظبيانَ، هوَ ما يُورِدُهُ مِنْ شهادةِ المؤرخِ الأستاذ: "إحسان النمر".

ولقدْ أحسنَ إلينا "إحسانٌ" إحساناً، وأساءَ لصاحبِهِ، إذْ يقولُ: "ومِنْ مظاهرِ هذا الكهفِ أنَّني وجدتُ فيه غرفتيْنِ، عَنْ يمينِ ويسارِ الداخلِ فيهِ، في كلٍّ منهما ناووسانِ مِنَ الحجرِ، المجموعُ أربعةٌ "(ص154). ولكنَّ " النَّمِرَ" يَروغُ مِنْ ذكرِ الصدقِ، ويُراوِغُ موهِماً المسلمينَ بالعثورِ على اثنيْنِ في كلِّ ناووسٍ؛ إذْ يقولُ: "المجموعُ أربعةٌ ففي كلِّ ناووسٍ اثنانِ"، ثُمَّ يُكْمِلُ مُخادَعَتَهُ:" وَثمَّ ناووسٌ خارجَ بابِ الكهفِ، مُلاصِقٌ للبابِ فهوَ للكلبِ، على الأرجحِ، ويظهرُ أنَّهم لَمْ يَرَوْا إبقاءَ الكلبِ في الكهفِ".

وكمْ وَدِدْتُ لوْ أنَّ ظبيانَ قدْ عَلِمَ للنواويسِ عدداً وحُسْباناً.

ولا يُحَدِّثُنا ظبيانُ عَنْ نواويسَ مِنْ نوعٍ واحدٍ، أوْ عَنْ أنَّها مِنْ تاريخٍ مُعَيَّنٍ، وإنما يَرْجُمُ أنَّها مِنَ القرنِ الثالثِ الميلاديِّ (ص66).

حقّاً، إنَّ ما يذهبُ إليهِ مِنْ بعثِ أهلِ الكهفِ في القرنِ الخامسِ، لا يتوافقُ معَ القرنِ الثالثِ؛ فمِنَ المفروضِ أنْ يعودَ تاريخُ النواويسِ – لو أنَّها كانتْ مدافنَ لهم، وعلى فرضِ القبولِ ببعثِهم كما يراهُ – إلى القرنِ الخامسِ.

ويذكرُ ظبيانُ أنَّ أحدَ النواويسِ يحملُ نجمةً ثُمانِيَّةً، وحولَها كتابةٌ باليونانيّةِ القديمةِ، وكأنَّهُ يريدُ إيهامَنا بصحةِ عثورهِ على ثمانيةِ قبورٍ، أو ثماني جماجمَ.

ومعَ أنَّ ذكرَ الكتابةِ اليونانيّةِ قدْ تكررَ، إلاّ أنَّ ظبيانَ لَمْ يُبَيِّنْ عَنْ أيِّ شَيْءٍ تتحدثُ، وينسى أنَّها تخصُّ عصراً قبلَ الميلادِ، وهوَ نفسُهُ يوردُ أنَّها بخطٍّ يونانيٍّ قديمٍ، وفينيقيٍّ قديمٍ (ص66)، بلْ وبخطٍّ مِنْ عهدِ ثمودَ (ص144).

وإنَّ منطقةَ الرجيبِ ذاتُ زُروعٍ ومَراعٍ، وهيَ مطروقةٌ معمورةٌ بالناسِ من آلاف السنين قبلَ الرومان؛ مِمَّا لا يُؤَهِّلُها أنْ تكونَ موضعاً لكهفٍ يأوي إليهِ مَنْ يعتزلُ قومَهُ، هارباً منهُم، قاصداً أنْ لا يَصِلوا إليهِ.

 

كهف ظبيان وكهف القرآن

 

يحكم ظبيانُ وشهودُهُ (ص166) أنَّ أوصافَ الكهفِ، المذكورةَ في القرآنِ الكريمِ، تنطبقُ على أوصافِ كهفِ الرجيبِ، بلْ وعليه دونَ غيرِهِ مِنْ كهوفِ الأرضِ جميعاً (ص55، ص67، ص93، ص160، ص161 ).

إنَّ ما حكمَ به ظبيانُ وشهودُهُ، هو: مَحْضُ اعتباطٍ؛ فكهفُهم مفتوحٌ بِبابٍ إلى الجنوبِ، ولا تدخلُ أشعةُ الشمسِ إلاّ إلى قصيرٍ مِنَ المسافةِ في مدخلِهِ (ص 94). وهو بذلكَ معتم حتى في سُطوعِ الشمسِ (ص52).

فعلاً، فكهفُ الرجيبِ لا إلى الشرقِ مفتوحٌ، ولا مِنَ الغربِ تَدْخُلُهُ ريحٌ، وهذا للقرآنِ المجيدِ مُخالِفٌ صريحٌ. ومِنَ العجيبِ أنْ يوردَ ظبيانُ – في معرضِ الاستدلالِ على تصديقِ كهفِهِ - قولاً لابنِ كثيرٍ يدلُّ على انفتاحِ كهفِ الفتيةِ إلى الشرقِ، وإلى الغربِ (ص94).

وتَحَدَّثَ ظبيانُ عَنْ وجودِ بقايا معبدٍ فوقَ الكهفِ، ولكنَّه نسيَ أنَّ المعبدَ الذي اتَّخَذَهُ العاثرونَ على فتيةِ الكهفِ، لم يكنْ فوقَ الكهفِ. وبناءُ المعبدِ - عندَهُ - مرةً يعودُ إلى زمنِ "ثيودوسيوس الثاني": ( 408 -450م) {ص97}، وتارةً إلى عهدِ "أنطاسيوس" في سنةِ 497م {ص128}، وكَرَّةً إلى عصرِ "جستنيوس الأول": (517-527م ) {ص28، ص62}.

 

يستوردُ الفتــــــــاوى

 

وقام الأستاذُ المرحومُ ظبيانُ بالاتصالِ بِقَساوِسةٍ ورجالٍ مِنْ أهلِ الكتابِ، وهو اتصالٌ مِنْ أجْلِ الحصولِ على تفسيرٍ لقصةِ ال







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز