عطية زاهدة
attiyah_zahdeh@hotmail.com
Blog Contributor since:
04 October 2013

كاتب من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
مع الرأي الصحيح في هم النبي الصبيح ج2

التهديدات المتبادلة بعد استعصام يوسف

 

  ومع أن العائب هائبٌ بالطبع، إلّا أن أسلوبَ التهديدِ بفضحِ البريءِ بالصراخِ المصطنعِ، وما إلى ذلكَ، هوَ حيلةٌ تلجأُ إليْها النسوانُ لاضطرارِ مَنْ يراودْنَهُ محصوراً، مغلّقةً عليه الأبواب، لاضطراره إلى تلبيةِ ما يُرِدْنَ في محاولة أخيرة ترمي فيها إحداهنّ  بآخر سهم في جعبِتِها، فإنْ لمْ يكنِ الذي يراودنَه يقتربُ رَغَباً في الجنسِ والسفاحِ، فربّما ينجذبُ قسراً، رَهَباً منَ الحبْسِ والانفضاحِ. ولكنَّ يوسُفَ لم يكن لِيأبَهَ لكلامِ امرأة العزيز بوعيده وتهديده، ولا يخضعُ لها، بلْ كان يُشعرُها، ردّاً عليْها، متهدّداً بأنَّهُ هوَ الذي سيفضحُها للعزيزِ، ويقصُّ عليْهِ حقيقةَ ما حدثَ.   أجلْ، انتهتِ المراودةُ، ووصلَ الحالُ بيوسُفَ إلى الاستعصامِ، وهنا أخذَ كلٌّ منهما يهمُّ بالآخرِ مُنذراً بالانتقامِ، أيْ يتهدَّدُهُ ويتوعَّدُهُ وهوَ مَغيظٌ، إضماراً لأشياءَ، وإظهاراً لأشياءَ، من خلال التهديد بالسبقِ إلى العزيزِ حينَ قدومِهِ، والوشايةِ بهِ، وفضحِهِ عندَهُ.

وكما نقولُ في العاميّةِ: هيَ قدْ "تحلَّفتْ لهُ"، أيْ تهدّدتْهُ وتوعّدتْه أنْ تسبقَهُ إلى العزيزِ للوشاية به أنه قد أرادها بالسوء والفحشاء، يظنّها بغيّاً.

  وهوَ قدْ "تحلَّفَ لها"، أيْ تَهدَّدَها وتوعّدها بالسبقِ إلى العزيزِ، وأنْ يقولَ لهُ: إنها قد راودته عن نفسه تريده أن يقضيَ لها وطراً جنسيّاً.

 ومنْ هنا أدخلَ كلٌّ منهما في نفسِهِ وجوبَ سبقِ الآخرِ، مهدِّداً لهُ أنْ يشيَ بهِ ويفضَحَهُ، أيْ متوعّداً لهُ بالاتِّهامِ لهُ لدى العزيزِ نفسِهِ.

وكما سبق، فالذهابُ إلى التهديدِ معنىً للهمِّ، يجدُ لهُ مؤيّداتٍ منَ القرآنِ الكريمِ: "وهمَّتْ كلُّ أُمَّةٍ برسولِهم لِيأخذوهُ" (غافر: 5)، توعّدوا وتهدّدوا، جِهاراً وإسراراً، أنْ يأخُذوهُ بالعذابِ أوِ الرجمِ أوِ النفيِ. وما منْ قومٍ إلّا تهدَّدوا الرُّسلَ مُقسمينَ أنْ ُيخرجوهُم منْ بينِهم: "وقالَ الذينَ كفروا لِرُسُلِهم لَنُخْرِجَنَّكُمْ منْ أرضِنا أوْ لَتعودُنَّ في ملّتِنا فأوحى إليْهم ربُّهم لَنُهلِكنَّ الظالِمينَ" (إبراهيم: 13). والنصُّ الكريمُ منَْ "سورةِ غافر" يساعدُنا للتذكيرِ بالوجهِ الثاني الممكنِ أنْ نفهمَ بهِ الهمَّ على أساسِ أنَّهُ يتعلَّقُ بموقفِ ما بعدَ الاستعصامِ، أيْ يمكنُ أنْ نفهمَ: "ولقدْ همّتْ بهِ وهمَّ بها لوْلا أنْ رأى برهانَ ربِّهِ" هكذا: {ولقدْ هددّتْهُ وتوعّدَتْهُ بالسبقِ للوشايةِ بهِ لزوجِها، وفي مقابلِ ذلكَ، فإنَّ يوسفَ نفسَه قدْ تَهدَّدَها وتوعَّدَها أنْ يسبقَها، وأنْ يشيَ بها لسيّدِهِ، ولكنْ كانت هي التي سبقته بالشكاية والوشاية إليه، ولوْلا أنْ رأى يوسُفُ برهانَ ربِّه لَكانَ هو الذي سبقََ بهما إليه}.

وبعبارات أخرى: {ولقدْ هددّتْهُ وتوعّدَتْهُ أن تسبقه إلى العزيز زوجِها حينَ قدومِهِ، لتتهمه عنده بأنه أراد بها السوءَ والفحشاءَ، وهوَ الآخرُ قد ردَّ عليها فتَهدَّدَها وتوعَّدَها أنْ يسبقَها إليه، وأنْ يشيَ بها بأنها راودته عن نفسِهِ. ولكنها هي التي سبقته إلى الاتهام مُمضيةً تهديدَها: "قالتْ: ما جزاءُ مَنْ أرادَ بأهلِكَ سوءاً إلّا أنْ يُسجَنَ أوْ عذابٌ أليمٌ؟!"، ولولا أنَّ يوسف قد رأى برهان ربِّه لَكان هو الأسبقَ منها إلى العزيز بالوشاية والشكاية تنفيذاً لتهديده:"قالَ:هيَ راودتْني عنْ نفسي"}. فكلٌّ منهما قد نفّذَ تهديدَه، ولكنها كانت هيَ الأسبقَ منه في القولِ إلى العزيز، وذلك لسبب أنّ يوسفَ، عليه السلام، كان قد رأى برهانَ ربّه، ممّا جعله يعطيها الفرصةَ لسبقِه بذلك القول.

   لقدْ همّتْ هيَ بيوسُفَ، أيْ أخذتْ تهدِّدُهُ لتسبقَهُ، ولتقولَ للعزيز زوجِها قولَها المتَّهمَ لهُ بالسوءِ، وقد همَّ هوَ الآخرُ بها، أيْ أخذَ يتهدَّدُها ليسبقَها، وليقولَ للعزيزِ سيّده: إنَّها قد راودتْهُ عنْ نفسِهِ.

هي هددته أن تتهمه عند العزيز، لكن بماذا هددته؟

لقد هدّدته بالسجن أو العذاب الأليم، وهو ما طلبته من سيّدها عقوبة له: " قالتْ: ما جزاءُ مَنْ أرادَ بأهلِكَ سوءاً إلّا أنْ يُسجَنَ أوْ عذابٌ أليمٌ"، وهو التهديد نفسه الذي قالته لاحقاً أمام النسوة اللاتي قطعن أيديّهن يومَ المتّكأِ، وعلى مسمع من يوسف نفسِه: "ولئنْ لمْ يفعلْ ما آمُرُهُ لَيُسجَنَنَّ ولَيكوناً منَ الصاغرينَ". ومن الواضح أنها قد هدّدتْه من أجل أن يرضخ لتلبية مجامعتها، وكأنّي بها تقول له: ولئن لم تفعل ما آمرك به من جماعي لأقولّن للعزيز: إنك حاولت اغتصابي فاستعصمتُ، ولأجعلنَّه يسجنك ويعذبك عذاباً أليماً.

وقد يكونُ مفيداً في سياقِ تكريرِ الحديثِ عن الهمِّ، أنْ نستشهدَ ببيتٍ منَ الشعرِ يقولُ فيهِ عُمَيْرُ البرجميُّ، حينَما داسَ في بطنِ الخليفةِ المقتولِ عثمانِ بنِ عفّانَ وكسرَ ضلعَهُ:

همَمْتُ ولمْ أفعلْ وكـِدْتُ، وليْتَني   تركتُ على عثمانَ تبكي حلائلُهُ

 

فمنَ الواضحِ أنَّ هذا الأحمقَ الأثيمَ كانَ قدْ تهدَّدَ بأنْ يقتلَ الخليفةَ الراشدَ عثمانَ بنَ عفّانَ، رضي الله تعالى عنه، وكادَ يقتلُهُ لولا أنَّ غيرَهُ قدْ سبقَهُ إلى تلك الجريمةِ النكراء.

 

    آراء المفسرين في الهمّ

 

1- انطلاقاً منْ تفسيرِ الهمِّ على أنَّهُ منَ العزمِ على الفعلِ دونَ تحقيقِهِ، ذهبَ بعض المفسرين إلى أنَّ امرأة العزيز قدْ نزعتْ ثيابَها وقعدتْ ليوسف، عليه السلام، مستلقيةً مقعدَ الزوجةِ لزوْجِها تقولُ لهُ: "هيْتَ لكَ"، وأنَّهُ هوَ قد أخذَ في الاستجابَةِ، وحلَّ تكّةَ سروالِهِ، وقعد منها مقعدَ الزوجِ لِزوْجتِهِ من أجل المجيء بأطفاله.

2- وأيضاً انطلاقاً منْ تفسيرِ الهمِّ على أنَّهُ منَ العزمِ على الفعلِ دونَ تحقيقِهِ، ذهبَ آخرونَ إلى أنَّها هيَ قدْ همّتْ بهِ لتقتلَهُ، وأنَّهُ هو قدْ همَّ بها ليقتُلَها.

3-  ومن المنطلق السابق أيضاً، فقد فسّرَ بعضُهمُ الهمَّ المذكورَ بأنَّهُ منْ حديثِ النفسِ والخواطرِ التي تخطرُ على البالِ، أوْ منْ ميْلِ الطباعِ البشريّةِ لحبِّ الشهواتِ من النساء.

1)       همُّها هيَ بهِ كانَ عزماً معَ الإصرارِ على فعلِ الفاحشةِ، وهمُّهُ هوَ بها كانَ خاطراً دونَ إصرارٍ.

2)       وفي تفسير الجلاليْن: قصدت إلى جماعه، وقصد إلى جماعها.

3)    مالتْ إليْهِ وطمعتْ فيهِ وهمّتْ بمخالطتِهِ، ومالَ إليْها وطمعَ فيها وهمَّ بمخالطتِها، وذلكَ بمُقتضى الطبيعةِ البشريّةِ والجبِلَّةِ الخلْقيّةِ.

4)       أخذت تجذبُهُ إليْها، وأخذ يدفعُها ويبعدُها عنهُ.

5)       أخذت تضربُ، وأخذ يهرب.

6)       شرعَ في الهربِ منها يريدُ الخُروجَ من البابِ، فقامتْ هيَ تجري لِلْإمساكِ بهِ منَ الثيابِ.

7)       المقصودُ منَ الهمِّ في حقِّ يوسُفَ ليسَ حصولَ فعلِ الهمِّ منهُ، بلْ مقاربتُهُ.

8)       تمنته عشيقاً، وتمنّاها زوجة.

9)   وذهبَ عددٌ منَ المفسرينَ إلى عدمِ وقوعِ أيِّ همٍّ منْ يوسُفَ البتّةَ، معتبرين أنَّ هناكَ تقديماً وتأخيراً وحُذوفاً، أيْ إنَّ هؤلاءِ النفرَ قدْ فهموا قولَ اللهِ تعالى: "ولقدْ همّتْ بهِ وهمَّ بها لولا أنْ رأى برهانَ ربِّهِ كذلكَ لنصرفَ عنهُ السوءَ والفحشاءَ" - فهموهُ - هكذا: (ولقدْ همّتْ بهِ ولوْلا أنْ رأى برهانَ ربِّهِ لَهَـمَّ بها كذلكَ لنصرفَ عنهُ السوءَ والفحشاءَ)؛ وقدْ لجأوا إلى هذا انطلاقاً منَ اعتبارِ أنَّ "لوْلا" هيَ حرفُ امتناعٍ للوُجودِ، أيْ أنَّ الهمَّ منْ يوسُفَ قدِ امتنعَ لوجودِ البرهانِ.

 

رأيٌ ليس للاعتماد

 

ولوْ أنّني كنت أعتبرُ أنَّ الهمَّ مرتبط بجولة ما قبل الاستعصام، وكنت لا آخذ بالسياق والقرائن، فإنني كنتُ سأضيف إلى هذه القائمة رأياً جديداً متّكئاً على معنى من معاني الهمِّ غفل عنه المفسرون. فما هو ذلك المعنى؟

هو أن الهمَّ في لغتنا العربية يأتي بمعنى: التسييل، أو الإسالة. وإن لم تكن لي في هذا من المصدّقين، فاستشر ابن منظور، أو من شئتَ من المعجميّين.

ويجب أن نتذكّر أن يوسف، عليه السلام، لم يكن يوم المراودة نبيّاً، أي كان حينَئذٍ بشراً غيرَ معصوم. ومن هنا، فإنه نتيجة المراودة والإغراءات والإثارات، ربما تأثّر قليلاً فسال مذيُه، أي إنه قد سيّلَ، أو أمذى بسببِها؛ إذ ليس مستبعَداً أنها ربما فاجأته عاريةً مبْرِزة قد تعطّرت وأخذتْ زينتَها كأنها العروس ليلة زفافها. وأمّا هي، امرأة العزيز، فقد كانت ثائرةً فائرةً جنسيّاً فحصل عندها تسييل من قبلِه، أي قد أمذتْ بسببه، وربّما بمجرّد التفكير فيه. وانطلاقُ المذْيِ من الرجل أمام المغريات الجنسيّةِ هو أمرٌ جِبِلّيٌ، هو فعل انعكاسيٌّ، وهو في الغالب انطلاقٌ غيرُ إراديّ. وأمّا القولُ: إن الحال قد وصل به إلى حلِّ التكِّةِ، وقعد منها مقعد الرجل من زوجته، فما هو بقول رشيد. وعلى كلِّ حالٍ، فلئن كان يوسف في منظر جمالِه كأنه ملَكٌ، إلّا أنه كان جسداً يرى النساء: "وإنْ لم تصرفْ عنّي كيْدَهنَّ أصبُ إليْهنَّ وأكنْ منَ الجاهلينَ"، فما كان يوسف حجراً، ولكن كان بشراً. ولقد قال الله تعالى في حقِّ النبيِّ محمدٍ، عليه السلام : "لا يحِلُّ لكَ النساءُ من بعدُ ولا أنْ تبدَّلَ بهنَّ من أزواجٍ ولوْ أعجبَكَ حُسْنُهنَّ"(الأحزاب: 52).

والذهاب إلى التسييل معنىً للهمِّ، يؤيّده اللسان العربيُّ. ويسمّي العرب المطر اللين الدقيق، الرقيق القطرات، باسم: الهميمة. ولا ريْبَ أنَّ المذْيَ هو سائلٌ ليّن القطرات، بل هو قطرات مليّنة.

ومن الممكن أن نعتبر أن الباء في: "ولقدْ همّت به" زائدة، وكذلك في: "وهمَّ بها"، فيكون كلٌّ منهما قد أسال من الآخر ما أسالَ. وفي هذه الحالة من الممكن أن نفهمَ قول الله تعالى: "ولقدْ همّتْ بهِ وهمَّ بها لوْلا أنْ رأى برهانَ ربِّهِ كذلكَ لنصرفَ عنهُ السوءَ والفحشاءَ" على هذا النحوِ: ("ولقدْ أسالتهْ وأسالها، ولوْلا أن اللهَ تعالى أراهُ البرهانَ استجابةً لاستعاذته به، لَأََجابها إلى دعوتِها في قولها: "هيْتَ لك"، وبهذا الإيراء فقد صرفْ الله تعالى عنه مقدّمات الزنا جميعَها، والزنا نفسَه).

 وفوق هذا كلّه، فإن انطلاقَ المذْيِ من يوسف، عليه السلام،  لو أنه قد حصل، لا يعني حدوثَ أيِّ عزمٍ منه على الاستجابة لها جنسيّاً، ولا يعني أيضاً حدوثَ أيّ خاطرٍ في باله لتلك الاستجابة خضوعاً للميول الجبلّيّةِ في اشتهاء النساء؛ لأن الإمذاءَ نفسَه فعلٌ انعكاسيٌّ. فإن كان قد حصل منه بوادرُ استجابةٍ، فهي بوادر أوليّةٌ انعكاسيّة عن غير إرادة، وعن غير نيّة. وعلى كلِّ حالٍ، فالمذْيُ لا يعني بالضرورة أنه مرتبط بالعزم على أيّة ممارسة جنسيّةٍ، أو إرادة ما هو من مقدّماتها، أو من الانخراط فيها، أو مباشرة ما هو أدنى من ذلك، من اللمس أو التقبيل أو ما شابه.

 

وبعدَ اليومِ: لا همَّ منَ "الهمِّ"!

 

 لا ريْبَ عندي في أنّ الهمّيْنِ، أو الهمّتيْنِ، همَّ امرأةِ العزيزِ بيوسُفَ، وهمَّ يوُسفَ بها، هما ممّا يرتبطُ بما بعدَ الاستعصامِ، وهما من نوعٍ واحدٍ، أي لهما المعنى نفسه، وهو التهديد.

وعندما تريدُ امرأةٌ مُختليةٌ جرجرة رجلٍ على أنْ يقضيَ لها رغبةً جنسيّةً، فإنَّها في العادةِ تتبّعُ معهُ حيلةَ المُراودةِ أوّلاً، ثمَّ إذا ما فشلتْ، واغتاظتْ، فإنَّها تلجأُ إلى الحيلةِ الاحتياطيّةِ، تالياً، ألا وهيَ محاولة الاستكراهِ منْ خلالِ التهديدِ بفضحِ أنَّهُ حاولَ اغتصابَها، ثأراً منْ عدمِ الاستجابةِ لندائِها، وتضميداً لجراحِ كبريائِها، أوْ سعياً وراءَ أنْ تورّطَهُ حتّى تحتاطَ أنْ لا يفضحَ هوَ أنَّها قدْ راودَتْهُ عنْ نفسِِهِ، ظنّاً منَ المرأة أنَّها بهذا تُدخلُ في نفسِهِ أنَّهُ قدْ تورّطَ فعلاً، وأنَّ الفضيحةَ قادمةٌ لا محالةَ، وأنَّهُ رهباً منَ الفضيحةِ، إنْ لمْ يكنْ رغباً في الجنسِ، لم يعُدْ أمَامَهُ إلّا أنْ يستجيبَ لها. وما كانَ أمرُ امرأةِ العزيزِ معَ يوسُفَ إلّا منْ مثلِ هذا.

  وفيِ الختامِ، أرجو اللهَ تعالى، حامداً لهُ حمداً كثيراً، أنْ يدرك المسلمونَ: أنَّ الهمَّ الذي همَّ بهِ يوسُفُ، وهمّتْ بهِ مراوِِدتُهُ، قدْ جاءَ بمعنى: التهديد والوعيد، وأنه قد حصل بعد جولة المراودة والمطاردة، وبعد استيئاسها من استجابته بعد أن استنفدت واستفرغت كل محاولات الإغراء موصلةً لها إلى الاستلقاء عارية، والتصريح بطلب الاستعلاء راجية. ولا ريْبَ عندي أنَّ هذا هوَ الحلُّ السليم الذي غفلَ عنهُ المشتغلونَ في تفسيرِ القرآنِ المجيدِ لأربعةَ عشرَ مئةٍ سنينَ والمزيدِ. أجلْ، إنَّها كلمةٌ، ولكنْ!.. ولكن، حانَ اكتشافها، وما هو إلّا اكتشاف من القرآن الكريم نفسه.

ومنْ يعرفُ كمَ صرفَ المفسّرونَ منْ أوقاتٍ وخلافاتٍ في همِّ امرأةِ العزيزِ بيوسُفَ، وهمِّ يوسُفَ بها، فإنَّهُ قدْ يصرفُ عنّي كلَّ لوْمٍ على بعض التطويلِ والتكريرِ، ولوِ استغرقَ ما أرى منَ الآراءِ مجلَّداً، معَ أنه ممكنُ التلخيصِ في سطرٍ، بلْ في كلمتيْنِ. 

وبهذا الفضل من الله تعالى، آمل أن أُريحَ المسلمينَ مِنْ هُمومِ هذا الاختلافِ الذي تجرجرَ مجرجراً لهمُ أزماناً وحُقُباً حتّى كفّرَ بعضُهم بعضاً، أوْ قد همَّ بعضُهم بتكفيرِ بعضٍ إن لم يرجع عن رأيه. وما مِنْ مسلمٍ قرأَ قصَّةَ يوسُفَ إلّا وتلهَّفَ إلى فكِّ لغزِ "الهمِّ"، وحلِّ سرِِّ "البرهانِ"، والخلاصِ منْ همِّهِما. وكلُّ لغزٍ وإنْ طالَ انستارُهُ لا بدَّ يوماً أنْ ينكشفَ.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز