عطية زاهدة
attiyah_zahdeh@hotmail.com
Blog Contributor since:
04 October 2013

كاتب من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
مع الرأي الصحيح في همِّ النبيّ الصبيح
 
مع الرأي الصحيح في "همِّ" النبيّ الصبيح
********
"همُّ يوسفَ"، عليه السلامُ، قد كان تهديداً!
عطية زاهدة 
 
توطئة:
  يا أيُّها الطيّبُ الكريمُ، إنك لَتعلم قولَ الله تعالى في قصة يوسف، عليه السلام: "ولقدْ همَّتْ بهِ وهمَّ بها لَوْلا أنْ رأى بُرهانَ ربِّهِ كذلكَ لِنصرفَ عنهُ السوءَ والفحشاءَ إنَّهُ مِن عبادِنا المُخْلَصينَ"،  ولنْ تجدَ لكَ أبداً دليلاً على أنَّ المفسِّرينَ قدْ تجادلوا جدالاً حامياً في شيءٍ منَ القرآنِ الكريمِ يفوقُ مُجادَلَتَهم الحاميةَ في أمرِ الهمِّ المذكورِ في الآيةِ عاليةِ الذكرِ؛ فالاختلافات بين المفسرين في شِأنه تشكل "أمَّ المعارك" في ميدان التفسير، حتّى كادَ بعضُهم بسببها يأخُذُ بعضاً أخذاً وَبيلاً: تكفيراً، أوْ تفسيقاً، أو تجهيلاً، أو ترذيلاً.
وإنّكَ لَتعلمُ أيضاً أنَّ المفسِّرينَ طُرّاً قدِ احتاروا في "الهمِّ"، وفي "البرهانِ" أيضاً. وقدْ جاءَ هذا البحث، والفضل لله تعالى وحده، آملاً أن يوقفَ الحيْرة، ليسَ باختيارِ قولٍ ممّا قالوا في "الهمِّ"، وانتقاءِ رأيٍ ممّا رأوْا في "البُرهان"، بلْ منَ استخراجِ الحلِّ السديدِ لكلٍّ منهما، من خلال تفكُّرٍ عميقٍ، وتدبُّرٍ دقيقٍ. 
 
المنطلَقات والممهِّدات
 
أولاً - المنطلَقات:
1)     لقد حصلَ صرْفان عن يوسف متعلّقان بالسوء والفحشاء، وهما:
أ‌-  صرفٌ للسوء والفحشاء نفسيْهما، أي صرفه الله تعالى عن مقدّمات الزنا، وعن الزنا نفسه؛ إذ استعاذ به فأعاذه.
ب‌-  وصرفٌ للتهمــــــــــــــة بإرادة السوء والفحشاء، أي صرف الله تعالى عنه الاتهام الذي اتهمته به امرأة العزيز بأنه أراد بها السوء والفحشاء.
2)     يوجد في حدث امرأة العزيز مع يوسف، عليه السلام، ثلاثة مواقف، وهي:
أ‌-  موقف ما قبل الاستعصام، أي موقف المراودة وانتهائها باستعصام يوسف، عليه السلام: "وراودته التي هو في بيتِها عن نفسِه وغلّقتِ الأبوابَ وقالتْ هيْتَ لكَ قالَ معاذَ اللهِ إنّه ربّي أحسنَ مثوايَ إنه لا يفلحُ الظالمونَ".
 وأسمّي هذا الموقف: موقف التقاوم.
ب‌-  موقف بين ما بعد الاستعصام، وبين بدء استباق الباب لفتحه للعزيز: "ولقدْ همَّتْ بهِ وهمَّ بها لولا أنْ رأى بُرهانَ ربِّهِ كذلكَ لِنصرفَ عنهُ السوءَ والفحشاءَ إنَّهُ مِنْ عبادِنا المُخْلَصينَ".
وأسمّي هذا الموقفَ: موقف التَّهامُم.
ت‌-  موقف ما بعد فتح الباب للعزيز:  "واستبقا البابَ وقدَّتْ قميصَهُ منْ دُبُرٍ وألفيا سيّدَها لدى البابِ قالتْ: ما جزاءُ مَنْ أرادَ بأهلِكَ سوءاً إلّا أنْ يُسجَنَ أوْ عذابٌ أليمٌ؟.. قالَ: هيَ راودْتني عنْ نفسي. وشهدَ شاهدٌ منْ أهلِها إنْ كانَ قميصُهُ قُدَّ منْ قُبُلٍ فصدقتْ وهوَ منَ الكاذبينَ وإنْ كانَ قميصُهُ قُدَّ منْ دُبُرٍٍ فكذبتْ وهوَ منَ الصادقينَ. فلمّا رأى قميصَهُ قُدَّ منْ دُبُرٍ قالَ: إنَّهُ مِنْ كيْدِكنُّ إنَّ كيدَكُنَّ عظيمٌ. يوسُفُ، أعرضْ عن هذا واستغفري لذنبِكِ؛ إنَّكِ كنتِ منَ الخاطئينَ".
 وأسمّي هذا الموقف: موقف التخاصم.
3)  يجب التركيز والتأكيد على أن قولَ الله تعالى: "ولقد همّتْ به وهمَّ بها"، يتعلّّقُ بالموقف الثاني،أي موقف بين ما بعد الاستعصام، وبين بدء استباق الباب لفتحه للعزيز، ولا يتعلّقُ بما قبل الاستعصام. وإن لم نأخذ بهذا الاعتبار، فسيظلُّ "الهمَّان"، أو "الهمَّتان"، في قصة يوسف، عليه السلام، مهموماً بهما المفسرون إلى يوم الدين.
 
ثانياً- الممهِّدات:
1- قد حدثنا القرآن المجيد أن السوء والفحشاء، بمعنى: مقدمات الزنا من لمس وتقبيل وما إلى ذلك، والمواقعة الجنسيّة نفسها، كانا قد صُرِفا عن يوسف، عليه السلام؛ إذ استعصم مستعيذاً بالله تعالى: "وراودتْه التي هوَ في بيتِها عن نفسِهِ وغلّقتِ الأبوابَ وقالتْ: هيْتَ لكَ قالَ: معاذَ اللهِ؛ إنّهُ ربّي أحسنَ مثوايَ؛ إنّهُ لا يفلحُ الظالمونَ".  فهذا هو الموقف الأول، أو الجولة الأولى.
وبهذا فقد تقرر صرف السوء والفحشاء عنه، فما لمس، ولا لامَس، ولا لابَس. وما دام يوسف قد استعصم مستعيذاً بالله تعالى، فليس هناك لِما همَّ به، أيْ من بعدِ الاستعصام، أيُّ ارتباط بأيِّ أمرٍ يمكن أن يكون فيه مساس بعرضه، عليه السلام؛ إذ إن هذا الهمَّ قد جاء بعد استعاذته بالله تعالى. ولا ريْبَ أن الله تعالى قد أعاذه، وعصمه يومئذٍ منها، وحالت رحمته بينه وبين وساوس الشيطان.
2- إذاً، فما الذي صُرِفَ عنه في قول الله تعالى: "كذلكَ لنصرفَ عنهُ السوءَ والفحشاءَ إنّهُ مِن عبادِنا المُخلَصينَ"؟
الذي صُرفَ عنه هنا هو التهمــــــــــــــة بإرادة السوء والفحشاء بامرأة العزيز، هذه التهمة هي التي صرفها الله عنه بأن رأى برهان ربّهِ، وهي التهمة التي قد جاءت في قول امرأة العزيز: "ما جزاءُ مَنْ أرادَ بأهلِكَ سوءاً إلّا أنْ يُسجنَ أوْ عذابٌ أليمٌ"؛ إذ إن قولَها هذا هو تلك التهمة. فالصرف المراد في :"لنصرفَ عنه السوءَ والفحشاءَ"، هو الصرف لما همّتْ به، هو صرف لما هددته به من السبق إلى العزيز لاتهامه عنده بالسوء والفحشاء.
3- ومن حقّنا أن نأخذ الواو في "ولقد" من قول الله تعالى: "ولقد همّت به وهمَّ بها"، أن نأخذها بأنها تفيد الترتيب. وهذا الوجه يجب أن لا نهمله.
4-  ومن خلال أنَّ هذه الواو العاطفة في "ولقد"، هي واوٌ مفيدةٌ للترتيب، فإن الهمَّ يكون تابعاً أو مشكّلاً لموقف جديدٍ حاصلٍ من بعد موقف مراودة امرأة العزيز ليوسف، ومن بعد الاستعصام الذي حصل منه، عليه السلام. 
5-  وماذا حصل من بعد أن أفلت يوسف، عليه السلام، من الوقوع في السوء والفحشاء، أي بعد أن استعصمَ؟.. حصل موقف جديد، هو موقف التهديد، تهديد له من امرأة العزيز مبادأةً، وتهديد منه لها مجاوبةً.
6-   فهل في القرآن المجيد ما يفيد أن "الهمَّ" هو التهديد؟..
نعم، ومن أجل أن نبيّن أن معنى "همّت به" هو: هدّدته وتوعّدتْه، وأن "همَّ بها" معناه أيضاً: هدّدها وتوعّدها، يجب أن نستعرض ما جاء من هذا الفعل ومشتقاته في القرآن المجيد، وهو آتٍ ضمن اللزوم، بعد سطور معدوداتٍ.
  وباختصارٍ، كانَ حدثُ امرأةِ العزيزِ معَ يوسُفَ منْ ثلاث جولات، أو ثلاثة مواقف. 
لقد كانَ هناكَ موقف المراودةِ، وكانَ هناكَ موقفٌ ثانٍ بعدَ انتهائِها من خلال استعصامِ يوسفَ، وموقف ثالثٌ حين وصل العزيز وألْفياه لدى الباب. إذاً، فالقرآنُ الكريمُ يتحدّثُ عنْ موقفٍ قبلَ الاستعصامِ، وموقفٍ بعدَ الاستعصامِ من قبل مجيء العزيز، وموقف حين وصل العزيز. ومن هنا، فالهمُّ في ترجيحي، بلْ في اقتناعي، يتعلّقُ بموقفِ ما بعدَ الاستعصامِ، أي بما قبل استباق الباب لفتحه للعزيز، ولا يتعلّقُ بالموقف قبل الاستعصام.
  وبعدَ أنِ استعصمَ يوسُفُ همّتْ بهِ امرأةُ العزيزِ لتسبقَهُ إلى سيّدِها حينَما يجيءُ، ولتفضحَهُ عندَهُ، ولتشيَ بهِ أنَّهُ أرادَ أنْ يجعلَها مُكْحُلةً لمِرْوَدِهِ، وقفلاً لمفتاحِهِ. وهمَّ يوسُفُ بها ليسبقَها إلى العزيزِ في لحظةِ وصولِهِ، ليخبرَهُ أنَّها قد راودتْهُ عنْ نفسِهِ.
وحصولُ الاستباقِ "واستبقا البابَ" هوَ نفسُهُ دليلُ أنَّهُ قدْ سبَقَهُ تهديدٌ بالسبقِ، فهو استباق للباب جاء تنفيذاً لما هدّدَ به كلٌّ منهما الآخرَ، أيْ أنَّ كلَّ واحدٍ منهما كانَ قدْ تهدَّدَ الآخرَ أنْ يسبقَهُ إلى العزيزِ عندَ وصولِهِ البيتَ ليتهمَه لديْه، وأنه قد أخذ أهبتَه ليسارع إلى الباب حينما يقدم العزيز من دوامه الرسميّ، فيكون هو البادئَ بالوشاية والشكاية.
 
الهـــمُّ في سُطورٍ وسطورٍ!
 
قالَ اللهُ تعالى: "ولقدْ همّتْ بهِ وهمَّ بها لوْلا أنْ رأى برهانَ ربِّهِ". وفي تفسيرِ هذا الهمِّ ثارتِ اختلافاتٌ بينَ المفسّرينَ، وصلتْ ببعضِهم أنِ كفّرً بعضاً آخرين لآرائِهم في همِّ يوسُفَ، بما ادَّعوهُ عليهِ منْ أنَّهُ قدْ حلَّ تِكّةَ السروالِ بعدَ أنِ استلقتِ امرأةُ العزيزِ على سريرِها، وقعدَ منها مقعدَ مَنْ يريدُ جعلَ المِرْوَدِ في المُكْحُلةِ. وقدْ تعجبُ عجباً كُبّاراً إذا ما علمتَ أنَّ القولَ بحلِّ التكّةِ، في بعض أمهات التفاسير، منسوبٌ لابنِ عبّاسٍ، وعلماءَ كبارٍ مثلِ مجاهدٍ، وسعيدِ بنِ جُبيْرٍ. وكلٌّ – عندي – في ذلكَ ممن لم يحالفِ الصوابُ رأيَه.
ولمْ يقفْ ولا أيُّ مفسِّرٍ، منْ قبلِ هذا البحث، على جليّةِ ذلك الهمِّ؛ إذْ إنهم جميعاً قد ربطوه بالمراودةِ، أيْ بما قبلَ الاستعصامِ، وكانَ هذا الربطُ هوَ سببَ الابتعادِ بهمْ عنِ الصحيحِ الصحيحِ؛ إذ إنه قد جعلهم يدورون في حلقةٍ مفرغةٍ، كالباسط كفّيْه إلى الماء ليبلغَ فاه، أو كالذي يطارد إوزاً برّيّاً، مثَلهم في ذلك كمثَلِ امرأة العزيز راودت يوسف عن نفسه، وإنَّ يوسفَ لَحصنٌ حصينٌ لو كانت من الراشدين. وما الصحيحُ الصحيحُ إلّا أنَّ ذلكَ الهمَّ مرتبطٌ بما بعدَ الاستعصامِ، أيْ هوَ يخصُّ موقفاً تالياً للاستعصامِ، وأنَّ هذا الهمَّ يحملُ معنى التهديدِ والوعيدِ. فهل في القرآن الكريم ما يؤيّد أن التهديد والوعيد من معاني الهمِّ؟ نعم، فإليك ذلك:
1-  "وهمّتْ كلُّ أمّةٍ برسولِهم ليأخذوهُ" (غافر- 5)؛ فما مِنْ قومٍ إلّا قدْ قالوا للرُّسُلِ مهدِّدينَ لهم: "لَنُخرِجَنَّكم منْ أرضِنا أوْ لتعودُنَّ في ملّتِنا" (إبراهيم - 13)؛ إذ إن همَّهم بهم لم يكن وساوس نفسٍ أو أحاديثها، بل كان قولاً صريحاً يهدّدهم على رؤوس الأشهاد.
2-   وقد هدّدَ أهلُ مدينَ أخاهم شعيباً إذ: "قالَ الملأُ الذينَ استكبروا من قومِهِ: لَنُخرجنَّكَ يا شعيبُ والذين آمنوا معكَ من قريتِنا أو لتعودُنَّ في ملتِنا، قالَ: أوَلوْ كنّا كارهينَ؟!" (الأعراف:88)، فهذا التهديدُ هوَ الهمُّ الذي همَّه قومُ شعيب بشعيب، وبالذين آمنوا معه.
3-   ولقدْ قصَّ عليْنا القرآنُ الكريمُ كيفَ أنَّ المنافقينَ في عهدِ الرسولِ، عليهِ السلامُ، وعلى رأسِهم عبدُ اللهِ بنُ أبي سلول، قدْ كانوا: "يحلفونَ باللهِ ما قالوا، ولقد قالوا كلمةَ الكفرِ بعدَ إسلامِهم وهمّوا بما لم ينالوا.." (التوبة - 74)؛ فالأمرُ المقصودُ بالهمِّ هنا ليسَ من خواطر النفسِ بل هوَ قولٌ صرّحوا بهِ وأسمعوهُ لغيرِهم، أيْ أنّهم قد همّوا بإخراجِ الرسولِ، أيْ تهدّدوا وتوعّدوا بإخراجِ الرسول منَ المدينة في قولٍ صريحٍ، وهو: "يقولونَ: لَئنْ رجعْنا إلى المدينةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ" (المنافقون – 8). وما من ريْبٍ أن هذا تهديد صريح مشفوع بالقسم.
4-   وقدْ سبقَ أنْ هدّدتْ قريشٌ الرسولَ، عليْهِ السلامُ، بالإخراجِ من مكّةَ قبلَ الهجرةِ: "وإذْ يمكرُ بكَ الذينَ كفروا ليثبتوكَ أو يقتلوكَ أو يخرجوكَ، ويمكرونَ ويمكرُ اللهُ، واللهُ خيرُ الماكرينَ" (الأنفال: 30)؛:"ألا تقاتلونَ قوماً نكثوا أيْمانَهم وهمّوا بإخراجِ الرسولِ وهمْ بدأوكم أوّلَ مرّة... " (سورة التوبة: 13)، فقد هدّدَت قريشٌ أن تُخرجَ الرسولَ من مكةَ لو جاءَ منَ المدينةِ وحاول دخولَها للحجِّ أو العمرةِ؛ إذ لم يكن ذلك حديثاً في النفس، بل كان وعيداً وتهديداً، جهاراً نهاراً. وقدْ بيّنَ الرسولُ، عليْهِ السلامُ، قبلَ الهجرةِ، أنَّ قومَهُ لا بدَّ مُخرجونَهُ منْها كما أخرجَ كلُّ قومٍ رسولَهم، وهذا ما يدلُّ على أنَّ الهمَّ الذي همّتْ بها كلُّ أمّةٍ برسولِها ليسَ خواطرَ نفسٍ، بلْ إنّه تهديدٌ صريحٌ، وتوعُّدٌ شديدٌ، وربَّما معَ قَسَمٍ في تعقيدٍ وتأكيدٍ: "لَنُخْرِجنَّكم". ولا ريْبَ أنَّ قولهم: "لَنُخْرِجنَّكم"، هو تهديدٌ مشدّدٌ، ووعيدٌ مؤكّدٌّ.
 
وماذا في المعاجم عن الهمِّ؟
 
قد بات واضحاً أن القرآن الكريم يؤيّد أن التهديد هوَ واحدٌ من معاني الهمَّ. فهل في لسان العرب ما يُحمّلُ الهمَّ "تهديداً"؟ هل في المعاجم ما يعزّزُ أن أحد معاني الهمِّ هو التهديد؟
قال ابن منظور في "لسان العرب": همَّ بالشيءِ يهُمُّ همّاً: نواه وأرادَه وعزمَ عليه.
فالهمُّ هو العزم على الشيءِ، أي عقد النيّةِ على فعلٍ، أو وضعُ أمرٍ في البالِ على إرادةِ فعلِه. فهل التهديد هو عزمٌ على شيءٍ؟ هل التهديد هو وضع أمرٍ في البالِ على إرادة فعله؟
نعم، إن التهديدَ هو عزمٌ على فعل شيءٍ، بل هو الإعلان أو التفوّه عن إرادة شيءٍ، مع العزم عليه على سبيل الوعيد والتخويف. ومن هنا، فالتهديد بهذا، هو معنىً من معاني الهمِّ.
وحتّى في اللغة الدارجة نجد أن الهمَّ يأتي بمعنى التهديد؛ وذلك كما هو في قول أحدِنا: سمعتُ فلاناً يتهمّمُ على فلان، أي يتهدّد عليه ويتوعّده. ومن ذلك أيضاً: تركت فلاناً يتهمّمُ بفلان، أو: تركت كلَّ واحدٍ وهو يتهمّمُ بالآخر. ونقول، مثلاً، عن حال أناس بينهم شجار وتبادل تهديدات: سمعناهم يتهاممون.
وعلاوة على ما سبق، فإن الهمَّ في استعمال العرب يحمل معنى التصويت، أي إطلاق الصوت على زمجرة، أو كأن فيه دويّاً. ومن هنا، فإن "ولقد همّت به وهمَّ بها"، هو أنها قد صوّتّت به، صوّتـتْ فيه، صرّختْ عليه، وإنَّ "همَّ بها" هو أيضاً أنّ يوسفَ، عليه السلام، قد صوّتّ بها، صوّت فيها، صرّخَ عليها. والهديد في العربية هو الصوت، وهو الوعيد أيضاً. ومن هنا، فإن التهديد هو التصويت، أو إطلاق الوعيد، أي التصويت بالوعيد. وعلى هذا، فمن الممكن اعتبار أنَّ الهمَّ قد يأتي في بعض الاستعمالات مرادفاً للتهديد؛ إذ كلاهما يحمل معنى التصويت، وكلاهما يُستعمل في حقِّ الرعد تعبيراً عن دَويِّه.
ولا ريْبَ أنَّ التصويت المتبادل، أو التصريخ المتبادلَ، وبخاصّةٍ في حالة الشجار، هو في المألوف تهديدٌ ووعيد. وليس بعيداً أن يكون ذلك هو ما أجاءَ بالعزيز في غير موعده الرتيب؛ إذ ربما سمع حارسُ القصر بالهمهمةِ؛ إذ كانت الأبواب والنوافذ مغلّقةً، فسارع إلى سيّده، وربما كان مكتب الأخير غيرَ بعيد، فسارع إليه يخبره بحدوث أصواتٍ غير عاديّةٍ داخل بيته، فجاء ولمّا تنته التهديداتُ، فهمهم في نفسها ما همهمَ، وقرع  البابَ فقرع سمعَه كلامٌ كذّابٌ: "ما جزاءُ مَنْ أرادَ بأهلِكِ سوءاً"؟!.
 
التهديدات المتبادلة بعد استعصام يوسف
 
  ومع أن العائب هائبٌ بالطبع، إلّا أن أسلوبَ التهديدِ بفضحِ البريءِ بالصراخِ المصطنعِ، وما إلى ذلكَ، هوَ حيلةٌ تلجأُ إليْها النسوانُ لاضطرارِ مَنْ يراودْنَهُ محصوراً، مغلّقةً عليه الأبواب، لاضطراره إلى تلبيةِ ما يُرِدْنَ في محاولة أخيرة ترمي فيها إحداهنّ  بآخر سهم في جعبِتِها، فإنْ لمْ يكنِ الذي يراودنَه يقتربُ رَغَباً في الجنسِ والسفاحِ، فربّما ينجذبُ قسراً، رَهَباً منَ الحبْسِ والانفضاحِ. ولكنَّ يوسُفَ لم يكن لِيأبَهَ لكلامِ امرأة العزيز بوعيده وتهديده، ولا يخضعُ لها، بلْ كان يُشعرُها، ردّاً عليْها، متهدّداً بأنَّهُ هوَ الذي سيفضحُها للعزيزِ، ويقصُّ عليْهِ حقيقةَ ما حدثَ.   أجلْ، انتهتِ المراودةُ، ووصلَ الحالُ بيوسُفَ إلى الاستعصامِ، وهنا أخذَ كلٌّ منهما يهمُّ بالآخرِ مُنذراً بالانتقامِ، أيْ يتهدَّدُهُ ويتوعَّدُهُ وهوَ مَغيظٌ، إضماراً لأشياءَ، وإظهاراً لأشياءَ، من خلال التهديد بالسبقِ إلى العزيزِ حينَ قدومِهِ، والوشايةِ بهِ، وفضحِهِ عندَهُ.
وكما نقولُ في العاميّةِ: هيَ قدْ "تحلَّفتْ لهُ"، أيْ تهدّدتْهُ وتوعّدتْه أنْ تسبقَهُ إلى العزيزِ للوشاية به أنه قد أرادها بالسوء والفحشاء، يظنّها بغيّاً.
  وهوَ قدْ "تحلَّفَ لها"، أيْ تَهدَّدَها وتوعّدها بالسبقِ إلى العزيزِ، وأنْ يقولَ لهُ: إنها قد راودته عن نفسه تريده أن يقض






تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز