د.سلمان محمد سلمان
salman@planet.edu
Blog Contributor since:
05 June 2010

أستاذ الفيزياء النووية والطاقة العالية – قلقيلية – فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
الثورة المصرية الثالثة: معادلة معقدة ج1\2

ثلاث ثورات

تمت ثورة 23 يوليو عام 1952 عن طريق الجيش وتم تعيين محمد نجيب قائدا أوليا لها. ووافق الجميع على تسميتها ثورة بعد توفر دعم جماهيري كبير وظهور زعيمها الحقيقي ناصر وتبنيها سياسات اقتصادية واجتماعية ثورية. وبدأ موقف الإخوان داعما واستقبلتها الولايات المتحدة برضى. ولم تمض سنتان حتى اصطدم الجيش مع الإخوان وبريطانيا وفرنسا وتبع ذلك العدوان الثلاثي الذي استطاعت الولايات المتحدة استثماره لخلع بريطانيا والاعتقاد بتسلم مصر الجديدة. لم تمض فترة طويلة حتى اكتشفت أميركا صعوبة ترويض ناصر وتحولت مصر للشرق وحققت إنجازات كبيرة عالمية من خلال تشكيل عدم الانحياز حلف الدول المتحررة من الاستعمار والتي كانت تميل إلى المعسكر الشرقي. استغرق الأمر حتى عام 1967 عندما نزلت هزيمة صاعقة بجيش مصر وبقيادة ناصر.

 

صمد ناصر وحاول تجاوز الصدمة لكن الزمن لم يمهله وترك مصر في عز محبتها له وبعدما أعاد بناء الجيش لخوض معركة يمكنه النصر بها.

 

كانت ثورة 1952 تعبيرا عن إرادة الشعب الذي مل الملكية وسمحت له أميركا بذلك من خلال تحرك الجيش وناصر الذي اعتقدت ولاءه من خلال نفوذها العالمي. واستخدمت العصا والجزرة معه مما دفعه لحلف مع روسيا تحقق بسبب استعداد السوفييت الكبير واستعرار الحرب الباردة في ذلك الوقت. وقد أثبت ناصر على مدى 17 عاما قدرة كبيرة على إرباك مشاريع الغرب.

 

تحول السادات عن سياسة عبد الناصر المصادمة للغرب واعتقد بترحيب الغرب به. واستطاع تحقيق نصر جزئي في حرب أكتوبر 1973 واتهمه الكثيرون باستخدام نتائجها العسكرية الايجابية لتحريك حل سياسي هزيل انتهى بكامب ديفيد التي ربطت مصر بقيود أخرجتها وأرضها ومياهها من معادلة الصراع العربي مع إسرائيل وحجمت دور مصر الإقليمي والعالمي.  وساعدت مقاطعة العرب في ترسيخ انفصال مصر عن محيطها العربي.  ولم يكن هناك بد من تغيير الخيول فقتل السادات على يد من سمنهم. واستلم مبارك الحكم وتميز بموقف لا لون ولا طعم وسياسة بيروقراطية حتى نهاية الثمانينات عندما بدأ سقوط الكتلة الشرقية ومعركة إسقاط العراق وفرض دور إقليمي كامل الولاء للغرب.

 

وبحكم الدور الجديد تحولت مصر قائدة العرب إلى قوة فعالة في إسقاط مراكز الحضارة. فتمت معركة الخليج التي حجمت العراق ومن ثم حرب احتلاله عام 2003. واستمرت مصر في عهد مبارك في الغرق ضمن النفوذ الأميركي واستجداء الدعم الإسرائيلي. بل زاد الأمر إلى أن أصبحت مصر مبارك ترسم سياستها الداخلية والخارجية من خلال قبول إسرائيلي يدعمها لتحقيق القبول الأميركي.

 

وصل الأمر بمصر أن فقدت أي دور خارج الدور الإسرائيلي مما أحرج وحصر خيارات أميركا في رسم دور إقليمي مهم لمصر خارج النسق الإسرائيلي. ومثل هذه النتيجة لا تمثل خبرا سارا للكثيرين من مخططي الاستراتيجية الأميركية وخاصة الجيش مع أن التيار الصهيوني كان سعيدا بذلك.

 

تورطت الولايات المتحدة في حربين كبيرتين فاشلتين بدأهما بوش الابن بشعار الحرب على الإرهاب واستخدمه للقضاء على الإسلام من خلال منظور صراع الحضارات. وقد نتج عن مرحلة بوش الصدامية تدهور العلاقة التاريخية بين الغرب والإسلام السياسي أو هكذا ظهر الأمر على الأقل تجاه بعض قوى الإسلام السياسي التي اكتسبت سمعة دولية طيبة كقوى تقارع الاستعمار والغرب وخاصة حماس الفلسطينية. وبدلا من استسلام الإسلام أمام الغرب ظهر أن معركة خلعه من قلوب الجماهير ستفشل حتما. وكان لا بد هذه المرة من تغيير الخيول الأميركية وغيرها.

 

بدأ التغيير بنجاح أوباما ذا الأصل الأسود الإفريقي المسلم. وبخلفية من هذا النوع نتوقع لإفريقيا دورا هاما. وقد بدأ أوباما متقربا للإسلام السياسي. وأنهى الحرب على الإرهاب من خلال مقتل بن لادن. وبدأت مرحلة جديدة من إعادة جسور التحالف مع أكبر قوى الإسلام السياسي في المنطقة وهم الإخوان المسلمون. بذلت بريطانيا جهودا عظيمة نحو إعادة ما تقطع خلال العقدين السابقين وساعد وجود ساركوزي برأس السلطة في فرنسا على تكون موقف غربي صلب يدعم حلفا جديا مع الإخوان نحو رسم الشرق الأوسط الجديد. وبدلا من الاعتماد على انكسار الإسلام كما أراد بوش تبين أن الإخوان ربما يحققون ما فشل بوش في تحقيقه.

 

وطبعا تطلب الأمر تغيير الكثير من الخيول (أو ربما الحمير) العربية بطريقة تحظى بدعم حقيقي من الجماهير. كانت البداية والتجربة الأسهل في تونس ومن ثم مصر بحكم كراهية الشعوب لتلك الأنظمة وإيمانها بتبعيتها للاستعمار. لم تشك الغالبية أن القوى البديلة يمكن أن تكون حليفة جديدة للغرب.

 

تبلورت خطة التفاهم الاستراتيجي من خلال تسهيل استلام الإخوان زمام الثورات والحصول على الشرعية الانتخابية في كل من مصر وتونس مقابل المساعدة في إسقاط الأنظمة المتبقية وأهمها اليمن وليبيا وسوريا والجزائر ومن ثم التوسع في تنفيذ مشاريع تغيير الشرق. وتم البدء بليبيا بحكم ضعف نظامها ومساحتها الكبيرة وثروتها النفطية المغرية. وارتكبت روسيا خطأ قاتلا في تمرير مقررات مجلس الأمن التي مهدت لسقوط ليبيا ومن ثم فتح أبواب جهنم ضد سوريا. نجح المشروع في ليبيا بشكل كبير وسقطت اليمن دون جهد جوهري.

 

طرقت معركة سوريا الكبرى الأبواب بثقة وعزيمة جديدة من الإخوان والغرب لكنها اصطدمت بصخرة صمود أسطوري. ولا تبدو شواهد في الأفق لنجاح مهم إلا بمعجزات أو خدع كبرى جديدة.

 

مثلت ثورة 25 يناير 2011 تعبيرا حقيقيا عن إرادة الشعب الذي مل الحاكم وسمحت أميركا بذلك من خلال دعم الجيش. وتحقق تسليم الحكم للإخوان بالانتخابات بطريقة مدروسة ومرهقة للشعب المصري حين تم حصر خياراته عمليا بين فلول مبارك أو الإخوان. ولم يتوفر الوقت للقوى الثورية لتنظيم نفسها والوقوف بديلا رغم وضوح ذلك شعبيا.  حاول المجلس العسكري تقييد صلاحيات الحكم الجديد لكن القيادة القديمة كبيرة السن والنفوذ الأميركي منعا تحقيق ذلك وانتصر الإخوان في استلام الحكم وتغيير قيادة الجيش وبدأت أخونة الدولة على قدم وساق.

 

ولو ترك الأمر دون ثورة جديدة لتمكن الإخوان من مفاصل النظام والدولة المصرية بما يمنع أي ثورة أخرى لفترة تطول. وكان الرهان كبيرا على أن وزن مصر الكبير والملتزم بإسقاط النظام في سوريا سيضمن التمكين للإخوان على مدى الرقعة العربية.  بذل مرسي جهودا جبارة لإسقاط سوريا بكل الوسائل ووصل الأمر به في نهاية عهدة حد إعلان الجهاد على سوريا وطلب من الجيش المصري المشاركة مما أوصل الأمر في مصر لحافة الهاوية.

 

فشل المشروع الأمريكي والغربي في تغيير سوريا واصطدم بالموقف الروسي الذي وضعت خطوطه الحمراء في اجتماع مجموعة الثماني وتبين للغرب استحالة الاستمرار بالمسار. وكان لا بد من تغيير الخيول مرة أخرى وفي هذه المرة في منتصف المعركة.

 

فشل الإخوان في تحقيق مكسب حقيقي لمشروع الشرق الجديد. فقد سقطوا في انتخابات ليبيا وفشلوا في سوريا وبالتالي فقدوا مبرر استلامهم الحكم في مصر وتونس اللتان كانتا ضمن نفوذ الغرب أصلا.

 

ظهر توجه قوي ضمن الغرب يطرح إمكانية سحب الأوراق من الإخوان دون إضعاف فرص واحتمالات استمرار معركة سوريا وبما يضمن حكما مواليا للغرب في مصر ودون إسقاط تام لورقة الإخوان لأن ذلك يصطدم مع تركيا وتونس وامتداد حركة الإخوان في بقية الدول العربية. خيارات الغرب أصبحت صعبة فإسقاط الإخوان على المكشوف ربما يهدم كل ما تم بناؤه لكن الرهان عليهم فقط يثمر مزيدا من الفشل. وقد وجد الغرب في السعودية وغالبية الخليج قوة رئيسة شجعته على تبني خيار استبدال الإخوان بما يحقق الشروط المطلوبة.

 

وتبين أو هكذا اعتقد حكام الخليج أن للإخوان أطماعا بتغيير أنظمتهم أيضا مما أنتج ضغطا نحو تحجيم الإخوان. وبالطبع لا يقبل الغرب دورا شاملا لهم مهما بذلوا ونجحوا واثبتوا حسن النوايا. وبعد إضافة فشلهم في تحقيق الجزء الرئيس من معادلة التغيير في سوريا واستعداد السعودية قيادة معركة تغيير سوريا تم طرح السيناريو الجديد الذي يسمح بتغيير مضبوط في مصر يزيح الإخوان دون سحقهم ويضمن بقاء النفوذ الغربي.  

 

هل يمكن للسعودية وراثة دور الإخوان والنجاح في سوريا وهل من المحتمل التزام وقبول تركيا والإخوان بالطرح الجديد.

 

كما يبدو فهناك موقفان في الغرب كما كان الحال في السابق:

 

الموقف الغربي الأول ( الخارجية والكونغرس وبريطانيا وفرنسا والصهيونية ودول الخليج جزئيا)

يعتقد بجدوى المحاولة وخاصة بسبب تعثر المشروع الأول. فإن نجحت السعودية كان خيرا كثيرا وإن فشلت عليها دفع الثمن وهذا مطلوب أصلا ولكن بمراحل متأخرة.

 

1.   تقوم الفكرة الجديدة على استغلال نقمة الشعب المصري العارمة لإسقاط الإخوان واستبدالهم بقوى قريبة من الغرب. ومن خلال دعم خليجي وفير يتم ضبط إيقاع التغيير في مصر بما يضمن عدم خروجها من معادلة النفوذ الغربي مع اعتبار قوة إسرائيل المهددة لسيناء والعلاقات القوية بين الجيش المصري والأميركي في توفير هذا الضمان.

 

2.   تتسلم السعودية الملف السوري اللبناني وتصعده بأكبر قوة ممكنة.  ويمكنها استثمار العلاقة الطيبة مع النظام المصري الجديد وتعاون دول الخليج للحفاظ على مظهر قومي مخلص في تبرير استمرار المعركة ضد سوريا دون فقدان القبول الجماهيري العام لها. ومن خلال الضغط على الإخوان للقبول بالدور الجديد يمكن اكتساب زخم مصري يضمن استقرارا للخليج وتعاونا شاملا ضد سوريا.

 

3.   أهم نتيجة مأمولة من مثل هذا السيناريو مقارنة مع مشروع الإخوان اكتساب سمعة جيدة وتوفير مجال مناورة للخليج وسحب أوراق بدأت بالتراكم لصالح سوريا وروسيا.

 

هناك طبعا مخاطر كثيرة ضد نجاح هذا السيناريو

1- فمن يضمن قبول الإخوان بالهزيمة والتحجيم والتزام مصر بالدور المرسوم ومن يضمن ألا تحترق السعودية أكثر في سوريا.

 

لحل مسألة الإخوان والنظام المصري: إذا التزم النظام المصري الجديد بأسس التعامل مع الغرب يتم الضغط على الإخوان بما يلزم لقبول الهزيمة مع تعويضات مناسبة في مواقع مختلفة ولن يستطيعوا الرفض لمحدودية خياراتهم في تلك الحالة. وإذا لم يلتزم النظام المصري وظهرت منه بوادر ثورة حقيقية يتم دعم الإخوان وتيسر مقاومتهم لإيقاع مصر في صراع طويل يؤدي إلى استنزاف الجيش المصري وهذا بذاته إنجاز جوهري وكبير.

 

2- يعطي هذا السيناريو الخليج والسعودية دور بيضة القبان بما لهم من دالة للتأثير على الأحداث. لكن ذلك مرتبط بالنجاح في سوريا ومدى تحمل فشل سعودي هناك. مبدأيا خسارة المعركة في سوريا متوقعة لكن تفاقم ذلك مع فشل في مصر يمكن أن يهدم كل المشروع الغربي من جذوره.

 

الموقف الغربي الآخر(الجيش الأميركي بالأساس والناتو وألمانيا ومعظم أوروبا)  ج2\2







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز