حمدي السعيد سالم
h.s.saliem@gmail.com
Blog Contributor since:
04 September 2010

كاتب عربي من مصر
صحفى بجريدة الخبر العربية

 More articles 


Arab Times Blogs
نظرية الدومينو السياسية تعكس مخاوف اوردوغان من العسكر

نظرية الدومينو (Domino theory) هي نظرية ظهرت في الخمسينات في الولايات المتحدة و تقول بأنه : إذا كانت دولة في منطقة معينة تحت نفوذ الشيوعية فإن الدول المحيطة بها ستخضع لنفس النفوذ عبر تأثير الدومينو...و قد طرح الرئيس الأميركي الأسبق دوايت أيزنهاور نظرية الدومينو في خطاب شهير ألقاه في عام ‬1954.....تأثير نظرية الدومينو هو تفاعل تسلسلي يحدث عندما يسبب تغيير صغير تغييرا مماثلا بجواره والذي بدوره سيحدث تغييرا مماثلا وهكذا دواليك في تسلسل خطي.... يمكن لهذا المصطلح أن يستعمل حرفيا للتعبير عن سلسلسة من الاصطدامات أو مجازيا في السياسة وفي المالية العالمية....نظرية الدومينو من النظريات السياسية المعروفة في علم السياسة ... وهي مستوحاة من تصفيف قطع الدومنة المصفوفة الواحدة بعد الاخرى فأذا سقطت أحدى هذة القطع ستحدث تفاعلات تؤدي الى سقوط باقي القطع ..... أي ان سقوط نظام سياسي معين في منطقة ما من العالم يمكن أن يؤدي الى حدوث تحولات سياسية عميقة في بقية دول المنطقة وربما بالتالي الى تغير خارطة المنطقة برمتها سياسيآ ....و لعل ماحدث في دول المعسكر الشرقي في عام 1991 من القرن الماضي يمثل خير دليل على تطبيقات هذة النظرية في السياسة حيث أدت التحولات في الاتحاد السوفيتي الى زوال ماكان يعرف بالمعسكر الاشتراكي في فترة وجيزة من عمر الزمان

 وانطلاقا من نظرية الدومينو السياسية أقلق السيناريو المصري بعد عزل محمد مرسى أنقرة الاوردوغانية .... خصوصا وأن حكومة العدالة والتنمية التي تتولى مقاليد السلطة منذ عشر سنوات والمؤسسة العسكرية التركية لم يتوصلا بعد إلى ما يمكن وصفه ب"كيمياء التعايش" بينهما ناهيك عن أن التيار العلماني التركى لم يقتنع بعد بتصور الحزب الحاكم لمستقبل البلاد ولاسيما على الصعيد الداخلي....القصد أنه إذا كان مشهد العزل للرئيس المصري يبدو مستبعداً في تركيا الأردغاونية التي قطعت شوطاً على صعيد الرفاهية الاقتصادية، إلا أن ثمة قلق لا تخطئه عين الحزب الحاكم في تركيا من دلالات الأزمة المصرية وإمكانية انعكاسها سلبيا على أنقرة....صحيح أن زمن الانقلابات العسكرية المباشرة في تركيا ولى إلى غير رجعة، إلا أن الجانب العسكري-العلماني مازال يحمل نظرة سلبية راسخة تجاه حزب العدالة والتنمية لم تبددها نجاحات أردوغان الاقتصادية !!...حيث لم يتوقع حزب العدالة والتنمية فى تركيا أن تكون هذه هي النهاية التراجيدية لأبناء عمومتهم فى القاهرة، كما أن أيا منهم لم يكن يتوقع دخول الجيش المصرى على خط الأزمة....والواقع أن الطريقة الدراماتيكية التى عُزل بها الرئيس مرسى، خلفت ارتباكاً وتوتراً لدى الحكومة التركية، التي كانت تظن أن جماعة الإخوان نجحت في تفصيل المشهد على مقاس طموحاتها السياسية، وأمسكت دون شريك بمفاصل الدولة المصرية

 فبعد فشل كل المحاولات لإقناع قادة الإخوان المسلمين بفض الاعتصام في ميداني رابعة العدوية والنهضة بالقاهرة، والاعتصامات في بقية المدن المصرية، أقدم الجيش المصري بالتعاون مع رجال الشرطة، على فض هذه الاعتصامات بالقوة .... وكشفت الأحداث الأخيرة، عن حيازة المعتصمين للأسلحة، بما فيها البنادق و”الآربي جي”، والقنابل اليدوية، بما يكشف زيف ادعاء قيادات الإخوان، بأنهم باعتصاماتهم يمارسون حق التظاهر السلمي، الذي تكفله قوانين البلاد ...وقد بدا موقف الإخوان المسلمين عدمياً، منذ بداية الاعتصام .... حيث اشترطوا ، لكي يفضوا اعتصامهم، إعادة الرئيس المعزول محمد مرسي لسدة الحكم !!.... فمن وجهة نظر الإخوان، فإن ما حدث بعد الثلاثين من يونيو من إزاحة مرسي عن الرئاسة، وما عرف بخطة الطريق، هو انقلاب على الشرعية ...... بينما يرى المؤيدون لعزل مرسي، أن الإخوان المسلمين لم يتمكنوا من تنفيذ ما وعدوا به من حل المشكلات الاقتصادية التي يواجهها الشعب المصري، وأن الأزمات تفاقمت وازدادت سوءاً ... ويستدلون على ذلك بنقصان المواد الغذائية وارتفاع الأسعار، وإغلاق محطات الوقود .... ومن وجهة نظرهم، فإن الرئيس المعزول لم يتصرف كرئيس لكل المصريين، بل عمل على أخونة الدولة، وتعيين أفراد الجماعة السياسية التي ينتمي إليها في أهم مفاصل الدولة، وبذلك خان القسم الذي أداه باعتباره رئيساً لمصر، ومحافظاً على مصالح كل المصريين . والحديث عن أخونة الدولة طويل ومتشعب، وقد تعرضنا لبعض مظاهر الأخونة في مقالات سابقة ..... تعتبر جماعة الإخوان المسلمين، أن ما حدث مؤخراً في مصر هو انقلاب على الشرعية، وحجتهم في ذلك، أن الرئيس مرسي هو أول رئيسي مدني ينتخبه المصريون، عبر صناديق الاقتراع، وفي انتخابات نزيهة شهد لها العالم بأسره

الغريب أن الأسباب التي يطرحها كلا الفريقين، على وجاهتها، لا تفصح عن الأسباب الحقيقية للأزمة . فالذين خرجوا ضد مرسي، كان بإمكانهم التريث ومنحه مزيداً من الوقت، والتعاطي معه بإيجابية لحل المشكلات والأزمات التي تتعرض لها مصر، لو اعتقدوا أنه الحاكم الفعلي لمصر !!... لقد أفصحت الهتافات بسقوط حكم المرشد، التي طغت على كل الشعارات في ميدان التحرير، ومختلف الميادين المصرية، عن يقين بأن مرسي ليس سوى واجهة لجماعة لم يعرف عنها في السابق أي انتماء وطني، وذريعتها في ذلك أن رسالتها عالمية، وقد عبر المرشد العام للإخوان المسلمين، في إحدى المناسبات، عن هذا الموقف بوضوح في تعبير غير لائق عندما قال مهدى عاكف (طز فى مصر ).....لكن حجج وذرائع الإخوان بشرعية حكم مرسي، وتوصيف ما حدث مؤخراً بالانقلاب على الشرعية، تنقلنا إلى موضوعين رئيسيين تتعلل بهما جماعة الإخوان المسلمين، هما صناديق الاقتراع والديمقراطية ....فيما يتعلق بصناديق الاقتراع، يعلم المتابعون لتطورات الأحداث في مصر، أن الانتخابات الرئاسية شهدت مرحلتين 

 في المرحلة الأولى دخل عدد من المرشحين، وكان الأكثر حظوظاً في الانتخابات ثلاثة: مرسي حصد 5764952 صوتاً، وشفيق حصد أكثر من 5505327 صوتا وصباحي حصد 4820273 صوتاً ... في المرحلة الثانية كسب مرسي الجولة الانتخابية بفارق ضئيل ضد منافسه شفيق .... معنى ذلك، أن نصيب مرسي الحقيقي من الأصوات هو ما حصده بالمرحلة الأولى، أما ما حصده في المرحلة الثانية، والتي تنافس فيها مع شفيق، فهو رقم قريب جداً لمنافسه، الذي يفترض أن انتفاضة 25 يناير كانت موجهة ضد النظام السياسى الذى ينتمي إليه منافسه .... الآخرون الذين منحوا مرسي أصواتهم، لم يكونوا يقبلون به، ولكنهم وضعوا بين خيارين أحلاهما مر ...... وقد وصف الكاتب الصحافى عبدالحليم قنديل موقف المصريين في حينه بأنه اختيار بين العار والفشل، وأنهم فضلوا اختيار الفشل على العار . وهو تعبير رغم عدم دقته، فإنه يعكس ما افتعل بنفوس المصريين من احتقان وغضب وحيرة، وأيضا من اختلافات وصراعات ومواقف مرتبكة .....اللافت للنظر أن نسبة الأصوات التي حصدها مرسي لا تساوي شيئاً، أمام تعداد الجموع التي خرجت إلى الميادين، مطالبة بعزله، والتي قالت وكالات أنباء محايدة أنها تجاوزت الثلاثة والثلاثين مليوناً، تجعل من المتعذر قبول ذريعة صناديق الاقتراع، لتأكيد شرعية الرئيس المعزول

أما الديمقراطية، فإنها كانت دائماً، بالنسبة للإخوان المسلمين، بدعة غربية ..... وقد وقفوا طيلة تاريخهم الطويل ضدها . وكان التزام حزب الوفد بها في الثلاثينات من القرن الماضي، مبرر لهجوم جماعة الإخوان المسلمين عليه، واغتيال بعض قياداته من قبل الجهاز السري التابع لهم .....ففي تسعينيات القرن المنصرم، جاهر الدكتور عباس مدني، زعيم الجبهة الإسلامية للإنقاذ الجزائرية، بأن جبهته ستعمل على الوصول إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع، لكنها ستقيم بعدها حكم الخلافة وستلغي الاحتكام لصناديق الاقتراع .... أو بمعنى آخر، أن شعار الديمقراطية، هو وسيلة للوصول إلى السلطة، فقط ..... وأن الأمر بعد ذلك سيكون مختلفاً ..... وكان هذا الموقف هو من الأسباب الرئيسة لاندلاع الأزمة الدامية، في الجزائر بين المؤسسة العسكرية الحاكمة، وبين جبهة الإنقاذ ..... وقد ذهب ضحيتها أكثر من مائة ألف قتيل، في حرب هي أقرب إلى الحروب الأهلية، وكان شعب الجزائر هو الخاسر الوحيد من موقف الجبهة !... وكذلك ارادوا لمصر !!... على الرغم من السيطرة شبه الكاملة لحكومة حزب العدالة والتنمية على أغلب مؤسسات الدولة، ومن ضمنها المؤسسة العسكرية، فإن اضطلاع الجيش المصري بدور أساسي في عزل الرئيس المعزول محمد مرسي، نتيجة انحيازه للإرادة الشعبية، قد أعاد طرح تساؤلات تتعلق بأنماط العلاقات بين الجيش والحكومة المدنية بتركيا، لا سيما بعد إقدام الجمعية الوطنية المسيطر عليها من قبل حزب العدالة والتنمية على تغيير قانون الخدمة الداخلية، والمعروف باسم القانون 35 لعام 1961، والذي أناط بالجيش مسئولية حماية الدولة في مواجهة أعدائها الداخليين والخارجيين على حدا سواء

وقد أفضى ذلك إلى تأكيد أن مهام الجيش أضحت تتعلق فحسب بحماية الجمهورية التركية من التهديدات والمخاطر الخارجية، والقيام بالمهام التي يحددها البرلمان، وذلك في انعكاس واضح لطبيعة المخاوف التركية مما سماه وزير الخارجية التركي "الدومينو السلبي". وقد تم هذا التعديل بدعم من أحزاب المعارضة باستثناء حزب العمل القومي، الذي رأى أن التعديل من شأنه أن يعيق مهمة الجيش في مكافحة "التمرد التركي"....لايختلف اثنان أن المؤسسة العسكرية التركية أدت أدوارا أساسية في الحياة السياسية التركية على مدى العقود الثمانية الماضية، سواء من خلال اضطلاعها بالدور الرئيس في تأسيس الجمهورية التركية المعاصرة عام 1923، بمقتضى اتفاقية لوزان، أو عبر قيامها بأربعة انقلابات على الحكومات السياسية، جاءت في لحظات مفصلية، حيث بدا من وجهة نظرها أن الدولة يتهدد أمنها بسبب عدم الاستقرار السياسي جراء الائتلافات الحكومية الهشة، أو بسبب ما رأته بمثابة انتهاك صارخ لمبادئ الجمهورية الأتاتوركية الستة، والتي يأتي على رأسها علمانية الدولة....لاشك أن تدخل الجيش في الحياة السياسية مثل إحدى أهم إشكاليات الاستقرار السياسي، وإحدى أكبر نواقص العملية الديمقراطية في تركيا، على النحو الذي كانت له تداعيات سلبية عديدة، سواء على الأحزاب، أوقياداتها الحاكمة التي كان يحظر عليها ممارسة السياسة، فإن المؤسسة العسكرية كانت المؤسسة الوحيدة الكفيلة بمواجهة النزاعات الاستبدادية من قبل الحكام المدينين

 وقد أثبت الجيش التركي التزامه بالدستور والقانون، من خلال اعتبار أن التدخل العسكري يمثل الملاذ الأخير للحفاظ على سلامة البلاد، كما أنه التزم بتسليم مقاليد الحكم بعد ذلك إلى السلطة السياسية المنتخبة... انطلاقا من تعرض رجب طيب أردوغان لعقوبة السجن، جراء إلقائه قصيدة للشعر رآها القضاء التركي تمثل تهديدا للسلم الاجتماعي في تركيا، إضافة إلى قيام الجيش والقضاء بلعب دور أساس في حظر العديد من الأحزاب ذات التوجهات الإسلامية، فإنه قد رأى، حينما بلغ سدة السلطة عام 2002، أن التحدي الأساسي الذي يواجهه يتمثل في تفكيك كافة البنى التقليدية التي تسيطر على السلطة فيما يطلق عليها "الدولة العميقة"، واستغل في ذلك الرغبة الجامحة من قبل مؤسسات الدولة، وقطاعات شعبية واسعة للالتحاق بالاتحاد الأوروبي، فأخذ على عاتقه إجراء الإصلاحات القانونية والدستورية لتقليم "أظافر العسكر"، ولتأكيد أن النخب العسكرية ليست بديلا عن النخب السياسية....وربط ذلك بمجموعات أو حزم الإصلاحات القانونية التي تصدت لها الجمعية الوطنية التركية على مدى العامين 2003 و2004، والتي أسهمت في الحد من سلطات الجيش، بعد تحويل مجلس الأمن القومي من الصبغة العسكرية إلى الصيغة المدنية، أي تحويل "مجموعة عمل الغرب" إلى "مجموعة عمل الجمهورية"...... كما تم تعيين أول مدني أمينا عاما للمجلس في أغسطس 2004، وهو الدبلوماسي محمد يغيت، وقد تم إخضاع بعض بنود نفقات الجيش لتدقيق "ديوان المحاسبة".....وعلى الرغم من ذلك، فقد مثل عام 2007 العام المفصلي في طبيعة العلاقة بين الجيش والحكومة التركية، وذلك لسببين

 أولاهما : ارتبط بقدرة الحزب على تعزيز شعبيته، ونجاحه في امتحان المواجهة الذي اندلع في العام ذاته، حينما حاول الجيش توجيه إنذار للحكومة، أفشلته انتخابات يوليو 2007، التي عززت شعبيته من 43 % إلى 47 %

ثانيهما : تمثل في إقدام رئيس الأركان وقادة الأفرع الرئيسة للقوات المسلحة التركية على الاستقالة في 29 يوليو 2007، وذلك بعد اعتقال نحو 250 من القادة العسكريين المتقاعدين، بمن في ذلك العشرات من الجنرالات والأدميرالات، فضلا عن اتهام عدد كبير من الجنود رفيعي المستوى، وذلك نتيجة اتهامهم بالتورط فيما سمى "تنظيم أرغنيكون"، أو "المطرقة الحديدية"، والذي استهدف الانقلاب على حزب العدالة والتنمية..... ولم تنقطع سلسلة الملاحقات على مدى السنوات الست الماضية، ليصبح بالنهاية واحد من كل خمسة جنرالات معتقلا داخل السجون التركية، هذا بالإضافة إلى استقالة المئات من القادة والضباط جراء سياسة الاعتقال الممنهج التي اتبعتها الحكومة حيال الجيش التركي.....وقد أفضى ذلك، على جانب آخر، إلى خلل هيكلي داخل صفوف المؤسسة العسكرية، حيث باتت تعاني غياب الجسم الصلب للعديد من الرتب العسكرية، على النحو الذي جعل القوات البحرية التركية، على سبيل المثال، تعاني عدم توافر قيادة مناسبة تستطيع تولي المسئولية عنها، بعد استقالة الأدميرال نصرت غونر، الذي كان يعد الرجل الثاني في القوات البحرية، وذلك بعد استقالة قائد هذه القوات في أغسطس 2012..... وقد تفاعلت هذه القضية، ولا تزال، ليستغلها حزب العدالة للقضاء على كل خصومه داخل الجيش.... ففي سبتمبر الماضي، أصدر القضاء التركي أحكاما قاسية بحق نحو 300 ضابط في أول حكم ضمن سلسلة محاكمات مثيرة للجدل، انتقدتها المعارضة، ورأتها اضطهادا سياسيا، وحكمت محكمة سيليفري (50 كم غرب اسطنبول) بالسجن عشرين عاما على القائد السابق، جتين دوغان، العقل المدبر لـ"تنظيم المطرقة"، وإبراهيم فرتينا، القائد السابق لسلاح الجو، وأوزدن أورنيك، القائد السابق لسلاح البحرية

كما حكم على 78 ضابطا بالسجن 18 سنة، و246 آخرين بالسجن 16 عاما، فيما خفف حكم 28 منهم إلى 12 سنة لحسن سيرتهم، وقد أدينوا جميعا على مستويات مختلفة بمحاولة استخدام القوة لتعطيل عمل الحكومة، وهى جريمة يعاقب عليها بالسجن "مدى الحياة"، غير أن المحكمة أعلنت تخفيف الحكم، لأن الجريمة لم ترتكب، بالرغم من إرادة المتهمين، ليسيطر بذلك تماما على القوات المسلحة التركية، لا سيما بعد أن كان الحزب قد قام في 12 سبتمبر من عام 2010 بإجراء تعديلات دستورية تستهدف إخضاع الجيش للمحاكمة أمام المحاكم المدنية، حتى ولو كان في الخدمة الفعلية، كما تتيح محاكمة قادة انقلاب 1980.... على صعيد أخر وبالرغم من سيطرة أردوغان على كل مقاليد السلطة في تركيا، وارتفاع شعبيته، فإنه لا يمكنه إغفال الدور السياسي لجنرالات تركيا، خصوصا بعد اندلاع موجة المظاهرات الأخيرة في المدن التركية المختلفة ضد سياسات حزب العدالة والتنمية، وتبلور ما يمكن أن نطلق عليه حركات احتجاجية شبابية جديدة، تعترض على نزعة أردوغان السلطوية، وممارساته الأبوية، هذا بالإضافة إلى تحول ساحة تقسيم باسطنبول إلى رمز للاحتجاج ومعارضة السلطة الحاكمة، وذلك على غرار ميدان التحرير في مصر.... وعلى الرغم من نجاح الحكومة التركية في مواجهة حركة التظاهر، والتقليل من شدتها، وتحجيم نطاقها، فإن المتظاهرين بدورهم باتوا يطورون أشكالا جديدة للاحتجاج كالتظاهر الصامت على مقربة من ساحة تقسيم دون الدخول إلى الساحة ذاتها لتجنب المواجهة مع قوات الأمن، والتظاهر بالتزامن مع بعض الأحداث العامة، كالتظاهرات التي رفعت الأعلام التركية أمام مقر رئاسة الأركان التركية للمرة الأولى في تاريخ تركيا، احتجاجا على عدم تدخله في الأمور الجارية في البلاد... ويأتي في هذا النطاق أيضا التظاهر بالتزامن مع موعد بدء الجلسة الأولى لمحكمة التمييز في يوليو 2013، في "قضية المطرقة" التي صدرت فيها أحكام بحق الجنود والجنرالات المتهمين

هذه التطورات، سواء على الساحة المحلية في أنقرة، أو الإقليمية، خصوصا في القاهرة، تجعل القيادة السياسية تخشى من تكرار تجربة 30 يونيو في مصر.... فالرئيس المصري المعزول كان قد عين الفريق أول عبد الفتاح السياسي، بعد إقالة المشير محمد حسين طنطاوي، وهو الأمر الذي تكرر في تركيا، وأفضى إلي قيام أردوغان في يوليو بتعيين الجنرال نجدت أوزال رئيسا للأركان، خلفا للجنرال إيلكر باشبوغ الذي أجبر على الأستقالة....كل هذه المعطيات دفعت إلى قيام حزب العدالة والتنمية، وخوفا من مواجهة مصير حزب الحرية والعدالة في مصر، بالتصعيد وتعبئة المناصرين ضد قيام الجيش المصري بعزل مرسي، وتأكيد رفض التعامل مع القيادات المصرية الجديدة، كونها قيادات غير منتخبة، أو "قيادات انقلابية"، وهى رسائل بقدر ما تعكس القلق التركي من تطورات منطقة الشرق الأوسط، وتأثيراتها على المعادلة السياسية السائدة، فإنها تكشف، على جانب آخر، عن أن حزب العدالة بات يقلق، ولا يضمن ولاء الجيش، حال تفاقم الوضع السياسي، وساد الاضطراب الاجتماعي، واتسعت حركة التظاهر مرة أخرى في ميادين تركيا المختلفة.... لقد مثل إزاحة جماعة الإخوان المسلمين عن صدارة المشهد فى مصر صدمة قاسية للأتراك تصل الى درجة الزلزال السياسى ، إذ أن تركيا راهنت على الجماعة فى اختراق المنطقة العربية ومن ورائها القارة السمراء

لذلك كان الارتباك والقلق هما العنوان الأبرز للموقف التركى، فبينما أرسل رئيس الدولة عبدالله جول بخطاب تهنئة للرئيس المصرى المؤقت عدلى منصور، نهج أردوغان وحكومته موقف المواجهه مع ثورة 30 يونيو !!.. وبدت تلك المواجهة فى السير قدماً فى سلسلة من الإجراءات الغير محسوبة أولها ذهاب طيب أردوغان رئيس وزراء تركيا والحليف الأقرب لجماعة "الإخوان" فى مصر إلى أبعد مدى فى دعم الرئيس مرسى، واصفاً في تصريح له عزله بـ "الانقلاب العسكرى"، وأضاف "فى هذا الوقت أن رئيسى فى مصر هو مرسى لأنه منتخب من الشعب".... حكومة أنقرة تعتبر أن خلع مرسى عملية غير قانونية ولا أخلاقية لذلك دعت لتظاهرات حاشدة في الميادين التركية لتأييد مرسى، وأنحت باللائمة على التيارات المدنية وفلول النظام السابق وبعض وسائل الإعلام التي تأمرت مع جهات خارجية لإقصاء من جاءت بهم الصناديق....وعلى صعيد أخر قامت تركيا بليل أو من وراء ستار، وعبر ترسانتها الإعلامية أو نخبها السياسية بتشويه الصورة النمطية للجيش المصرى فى الوعى الجمعى العالمى عبر مقارنته بالدور المشبوه الذى لعبه عسكر تركيا قبل عقدين ضد عمليات التحول الديمقراطي بدءاً بإعدام عدنان مندريس في سبعينيات القرن الماضى ومروراً بأحداث 84 وقفز العسكر على السلطة وانتهاء بالالتفاف وعزل حكومة حزب الرفاه الإسلامي بزعامة نجم الدين أربكان في العام 1997.... الى جانب تجميد أنقرة بعض الاتفاقيات وبروتوكولات التعاون مع مصر في مجالات مختلفة منها المواصلات والتعليم والصحة والبالغ عددها 27 اتفاقية وقعت أثناء زيارة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان إلى مصر العام الماضى

كما شملت الإجراءات التي اتخذتها أنقرة ضد القاهرة إيقاف صفقة بيع عشر طائرات تجسس دون طيار من طراز "انكا" أو "العنقاء" إضافة إلى تجميد كافة المناورات العسكرية بين البلدين وعدم مغادرة السفير الجديد أحمد يلدز إلى القاهرة رغم صدور مرسومه الحكومى سفيرا للقاهرة فى الرابع من يوليو الماضى....لذلك لم يكن غريباً أن تستضيف اسطنبول فى 15 يوليو الماضى اجتماعاً للتنظيم الدولى للإخوان المسلمين للبحث فى سيناريوهات الأزمة المصرية، وخطط التحرك لمواجهة الانقلاب الذي أطاح بالرئيس مرسى، إضافة إلى البحث فى إمكان الرد على حملات "التشويه" التى تتعرض لها الجماعة الأم عبر منابر إعلامية عربية وعالمية.... لايختلف اثنان أن تركيا تدرك دون أن تفصح أنه لا عودة لعقارب الساعة للوراء، وأن مرسى صفحة تم طيها، لاسيما وأن ثمة قطاعات شعبية واسعة تساند المؤسسة العسكرية، وأن محاولات التشويه والحرب النفسية ضد الجيش المصرى منذ تصاعد وتيرة الأحداث باتت أقرب إلى مباراة صفرية ستخرج تركيا منها خالية الوفاض ....الى جانب أن التفهم الواسع في الموقف الدولي للسياقات السياسية والمجتمعية التي تشهدها الساحة المصرية، وإبداء قدر أكبر من المرونة مع المرحلة الانتقالية الثانية، وهو الأمر الذي مثل صدمة لأنقرة ولاوردوغان الذى جن جنونه

لذلك وافق البرلمان التركى الذى يحظى فيه العدالة والتنمية بالأغلبية العددية على عجل على تغيير المادة 35 من قانون الخدمة الداخلية للقوات المسلحة التركية، والتي كانت تضفى شرعية على كل الانقلابات التي قام بها الجيش ضد الحكومات المنتخبة...والأرجح أن إسراع أردوغان بهذا التعديل يعود بالأساس إلى يقينه بالتشابه الكبير بين قيم وتقاليد العقيدتين العسكريتين المصرية والتركية، وهو ما قد يغذى طموحات الجيش التركي الذي يتسع الرتق بينه وبين حكومة أردوغان باتجاه استدعاء ثقافة الانقلابات أو على الأقل دخوله مجدداً كأحد أطراف المعادلة السياسية....لكى تعلموا مدى خوف اردوغان ومقدار قلقه على مستقبله السياسى ومستقبل حزبه يجب ان تعلموا أن المادة الـ35 من قانون المؤسسة العسكرية الذي صدر في أعقاب انقلاب 1960 تنص على "أن وظيفة القوات المسلحة التركية هي حماية الوطن التركي ومبادئ الجمهورية التركية كما هى محددة فى الدستور"....وبعد إدخال التعديل على تلك المادة أصبحت الصيغة الجديدة التي جرى التصويت عليها بأغلبية كبيرة في 13 يوليو الجاري هي : "مهمة القوات المسلحة تتمثّل في الدفاع عن الوطن والجمهورية التركية تجاه التهديدات والأخطار الخارجية، والسعي إلى الحفاظ على القوة العسكرية وتعزيزها، بحيث تشكل قوة رادعة للأعداء، والقيام بالمهمات الخارجية التي تسند إليها من قبل البرلمان التركى، والمساعدة على تأمين السلام العالمي"....حكومة أردوغان أكدت أن تعديل المادة 35 هو خطوة على طريق انتصار الثقافة الديمقراطية على الغرائز الاستبدادية الراسخة بعمق بين أوساط القوات المسلحة، والموالين لها إضافة إلى كونها خطوة تاريخية تصب في خانة الديمقراطية، إلا أنها كشفت عن عمق المخاوف التي تقلق نخبة الحكم التركية من مؤسساتها العسكرية

 لايختلف اثنان أن هذا التعديل سخن الجراح التى لم تلتئم بعد بين المؤسسة العسكرية التركية وحكومة العدالة والتنمية، وكان بارزاً، هنا، التقدم باستقالات بالجملة فى صفوف القوات البحرية وسلاح الجو، وهو الأمر الذى أحدث فراغاً ضخماً فى مناصب مهمة، أوكل سدها إلى ضباط ذوى رتب صغيرة، مما أشاع انطباعاً بأن الجيش قد فقد أهم خبراته ورجاله ويقوده الآن ضباط يفتقرون إلى الخبرة الكافية....التعديل في قانون الجيش التركي لم يكن الأول من نوعه، فقد سبقته سلسلة طويلة من التعديلات الدستورية التي هدفت إلى أقلمة أظافر المؤسسة العسكرية جنباً إلى جنب الإطاحة بعدد من كبار قادة الجيش التركي فيما عرف إعلاميا بعملية المطرقة.... لكن ما لايعرفه اوردوغان وحكومته أن الجيش التركى لا يزال يحظى بصورة رائقة فى الوعى الجمعى التركى، لذلك لم تفلح محاولات اتهام بعض ضباطه بالخروج عن الانضباط، أو الإسراف فى شرب الخمر ولعب القمار أو تسريب معلومات سرية إلى وسائل الإعلام، فى سحب البساط من تحت أقدامه....القصد أنه إذا كان مشهد العزل للرئيس المصري يبدو مستبعداً في تركيا الأوردغاونية التي قطعت شوطاً على صعيد الرفاهية الاقتصادية، إلا أن ثمة قلق لا تخطئه عين وخاصة عين الحزب الحاكم في تركيا من دلالات الأزمة المصرية وإمكانية انعكاسها سلبيا على أنقرة







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز