بركات محي الدين
barakatmr@yahoo.com
Blog Contributor since:
14 February 2011



Arab Times Blogs
الشيعة وإعادة اكتشاف المذهب

ظاهر الأمر إن الشيعة يتعرضون الآن إلى هجمات مركزة وعلى مستويات متعددة مختلفة الأهداف والوسائل ، وإنهم يكافحون ضدها بصورة جيدة أحيانا وبشكل بدائي أحيانا أخرى ، ولكي نصنف تلك الجهود المناهضة لمقررات المذهب التقليدية بصورة واقعية قد نضطر إلى تصنيف القائمين بها إلى صنفين رئيسين 

 الأول هو التيار السلفي المتشدد في الإسلام وهم قديما أهل الحديث والأثر وبصورة خاصة الحنابلة ، وحديثا الوهابية.. ويضع الشيعة هؤلاء تحت مصطلح النواصب وهو مصطلح رحب قد يضم أحيانا حركات ومذاهب سياسية وفكرية لا علاقة لها بالتصنيف الديني والمذهبي كالعلمانيين والقوميين والبعثيين أخيرا ، وهذا ليس موضوع بحثنا الآن 

  الثاني : وهو تيار داخلي يمثل حركة الوعي المتنامي التي نشأت تحت إلحاح المشكلات المزمنة التي تعاني منها النظرية الشيعية أصلا ، ومن المهم أن نعرف إننا إذا ما أردنا أن نصنف المسلمين تصنيفا أوليا عموديا نجد إن الشيعة في الأصل ينتمون إلى تيار أهل الحديث السلفي المتشدد والمناهض بصورة قد تصل إلى حد التكفير لتيار الرأي والقياس الذي ظهر بشكل واضح في الكوفة على يد الإمام أبي حنيفة النعمان في النصف الأول من القرن الهجري الثاني ، ينقل الشيعة عن أئمتهم نهيهم القاطع عن القياس والرأي في استنباط الأحكام، واشتهر بينهم قول الإمام الصادق ( إن أول من قاس الدين برأيه هو إبليس ) في مناظرة مشهورة بينه وبين أبي حنيفة ، ولم ينفرد الشيعة وحدهم بهذا العداء الذي يعتبرونه مقدسا لدور العقل في صياغة الشريعة أو تبرير أحكامها ، فقد كان الحنابلة والمالكية يحملون تلك الروح أيضا ، روي عن الإمام مالك انه بكى في أواخر حياته وود لو انه يضرب سوطا مقابل كل مسألة أفتى فيها برأيه 

 وأبدى داود بن علي الظاهري (صاحب المذهب الظاهري )الحماسة نفسها في محاربة الرأي وإعمال العقل في القضية الفقهية ، هؤلاء جميعا يعتبرون إن براءة الحكم وشرعيته ومعقوليته نابعة من وروده في النص المقدس المتمثل بنصوص الكتاب والسنة النبوية عند أهل السنة و ما يُضاف إليهما من سنّة الأئمة عند الشيعة ، ويقولون إن ما من واقعة إلا ولها حكم في الكتاب والسنة ( ما فرطنا في الكتاب من شيء ) وان عدم اصطياد ذلك الحكم والظفر به يرجع إلى قصورنا أو تقصيرنا في البحث عنه والعثور عليه ، وكان يمكن لهذه الحيلة المغلفة بالحرص الديني والحذر من الابتداع أن تستمر لو أن أمور المسلمين بقيت على حالها أو أن حياتهم توقفت عند مواصفات القرن الأول الهجري ، لكن انفتاح المسلمين المذهل على عوالم جديدة من الوفرة الفكرية والمادية والحضارية إبان الفتوحات الإسلامية الكبرى جعلهم يزهدون بتلك الرؤية الساذجة التي لا تليق إلا بحياتهم الأولى في مضارب جزيرة العرب ، بدأ التحسس الفكري الواضح لهذه القضية عند السنّة في وقت مبكر لدى المعتزلة الذين طرحوا مسألة الحسن والقبح الذاتيين للأشياء للنقاش الشعبي على نطاق واسع فوضعوا بذلك البذرة الأولى لعلم الكلام الإسلامي المستمد من الفلسفة الإغريقية والجدل اليهودي واللاهوت المسيحي 

 ومن علم الكلام المشتغل بقضايا العقيدة انبثق علم جديد هدفه تمكين الفقيه من أدوات الفتيا واستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية وهو علم أصول الفقه ، لقد كانا علمَين سنيَيْن بجدارة ، وليس الشيعة بدعا من الناس أو بمنأى عن سنن الوجود فقد ركبوا موجة التجديد أخيرا ، وما أخرهم عن ركوبها أول الأمر إلا التزامهم الطوعي بمنهج تعليمي محافظ لم يصمد أمام قوة الموجة ، يقول الشيعة إنهم ضد الرأي والقياس والاستحسان والمصالح المرسلة وإنهم مع الاجتهاد فهل يعني الاجتهاد غير هذه الأشياء؟ وهل يعني الاجتهاد غير قيام العقل بعزل المتوافقات والمختلفات ثم تنحية البعيد المخالف واستجلاب القريب المؤالف ثم الإعلان عن الظن المطمئن على شكل فتوى ، أليس هذا هو القياس بعينه ؟!!

كان الفقيه الشيعي القديم أبن الجنيد الاسكافي المتوفى 381 هجـ أول من استخدم الرأي والقياس بصورة صريحة في استنباط الأحكام الشرعية مما عرضه إلى انتقادات واسعة من بعض الفقهاء الذين أتوا من بعده وجعلهم يعرضون عن مؤلفاته ، ولكنهم اضطروا إلى احتذاء خطته في تفريع الفروع على الأصول الفقهية التي تحتويها كتبهم الفقهية التي كانت عبارة عن مرويات وأحاديث فقط ، وأول من قام بهذا العمل من الشيعة هو شيخ الطائفة الطوسي المتوفى 460 هجـ ، هو نفسه يتحدث عن ذلك قائلا (( وكنت على قديم الوقت وحديثه متشوّق النفس إلى عمل كتاب يشتمل على ذلك – يعني الفروع – تتوق إليه نفسي فتقطعني عن ذلك القواطع وتضعف نيتي فيه أيضا قلة رغبة هذه الطائفة فيه وترك عنايتهم به لأنهم ألفوا الأخبار وما رووه من صريح الألفاظ حتى إن مسألة لو غُير لفظها وعُبِّر عن معناها بغير اللفظ المعتاد لهم لعجبوا منها وقصر فهمهم عنها )) وبقي الشيعة متهيبين عن تحديث ما قام به الطوسي لأكثر من قرن من الزمان حتى أتى الفقيه اللامع أبن إدريس الحلي المتوفى 598 هجـ فكسر هيبة جده العلمية وألف كتابه الشهير السرائر الذي تميز بحرية الرأي .. وقبلهما كان الفقيه القديم أبن أبي عقيل العماني المتوفى 369 هجـ أول من قام بإصدار الأحاديث المتضمنة للفتاوى بلا أسانيد ، وكانت أول مصنفات الشيعة في علم أصول الفقه عبارة عن رسالة صغيرة للشيخ المفيد المتوفى 413 هجـ بعنوان ( التذكرة بأصول الفقه ) بعد أن قطع العلماء المسلمون السنة شوطا كبيرا فيه إذ ألف الجصاص المتوفى 370 كتابه الكبير والمهم ( الفصول في الأصول ) .. ولم تكن الأمور تسير دائما بهذه السلاسة في التطور والترقي لدى الشيعة 

 فقد ظهرت في القرن الحادي عشر الهجري من جديد نزعة قوية ترفض تدخل العقل في استنباط الأحكام الشرعية وكان أول الداعين لها الميرزا محمد أمين الاسترابادي الذي كان يعيش في المدينة المنورة وألف فيها كتابه ( الفوائد المدنية ) فأسس بذلك لما يعرف بالتيار الإخباري وتبعه على نهجه علماء كثيرون منهم السيد نعمة الله الجزائري والشيخ يوسف البحراني والملا محسن الفيض الكاشاني والحر ألعاملي ، واستمرت هذه الموجة حتى القرن الثالث عشر حيث انحسرت مع مجيء محمد باقر البهبهاني، ومع كل هذا فأن مساعي الإصلاح والتجديد بقيت ضئيلة التأثير في التوجه العام للطائفة لان الذين قاموا بها كانوا من أعضاء المؤسسة الدينية المحافظة ولان الحاجة التي دعت إليها كانت حاجة تعليمية وإجرائية بحته بعيدة عن دواعي الإصلاح الديني والاجتماعي ولأنها لم تقترب من حافات البناء الفكري والعقائدي الراسخ والمقدس لديهم 

  تفكيك الشيعة : اعترف بأن التوازن مطلب صعب المنال على الباحث الذي يبغي الخوض في تفكيك البنية الشيعية ، ففي هذه البنية المعقدة تتداخل دوائر البنى بصورة مربكة تظهر فيها بعض الدوائر الصغيرة في بعض الأزمان والأماكن والظروف وكأنها هي الدائرة الأم ويظهر ماعداها كتوابع ثانوية ، وما أن ينتهي دور تلك الدائرة بحسبان الحاجة إليها تبدأ بالتنحي لحساب دائرة أخرى ، فلا يوجد شيء فائض أو قليل الأهمية في البناء الفكري والعقيدي الشيعي وذلك راجع إلى طول الفترة التي استغرقها ذلك البناء وكثرة عمليات الترميم الجيد لتصدعاته , قد تكون الإمامة معادلا ميثولوجيا مقبولا نوعا ما للخلافة ألا إن المواصفات والشروط الشيعية التي أضفت عليها العصمة والولاية التكوينية الخارقة جعلتها تستبطن اعتراضا جوهريا وصارخا ضد مبدأ ختم النبوة ، هذه الورطة جعلت الشيعة يبحثون عن مخرج معقول منها ، وبما إن عملية الاتفاق أو التواطؤ على عدد غير متناه من الأئمة منذ موت الرسول (ص) والى قيام الساعة هي أمر غير ممكن وغير قابل للضبط عمليا تم اختراع صيغة الغيبة للإمام الثاني عشر ، صيغتان في آن واحد ، الغيبة وضبط العدد 

 هذه دوائر وصيغ متداخلة أحداها تسند الأخرى وربما تلتهمها أيضا !! في بداية ما يسمى بزمن الحيرة بعد موت الإمام الحسن العسكري 260 هجـ ظهرت صيغة الغيبة الصغرى فكان الوكلاء الأربعة المعروفون الذين واجهوا صراعات مريرة مع غرمائهم العشرين للفوز بهذا المنصب المقدس، ومع موت آخرهم ظهرت الحاجة إلى صيغة جديدة وهي الغيبة الكبرى وتم إسنادها بحديث مرسل هو عبارة عن توقيع من الناحية المقدسة يقول ( وأما الحوادث الواقعة فأرجعوا فيها إلى رواة حديثنا فأنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليهم ) أو الحديث الضعيف الآخر الذي يقول ( فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا لهواه مطيعا لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه ) ، هذان الحديثان الخطيران ادخلا الطائفة في دائرة جديدة هي دائرة التقليد الكبرى وهي دائرة تستبطن منح الفقيه مزايا ومناصب لا تقل عن مزايا المعصوم ، الأمر الذي جعل مهمة أو ( صيغة ) ولاية الفقيه التي ابتدعها الخميني مهيأة لان تُقبل وقمينةً بان تُتبع من لدن نسبة كبيرة من الشيعة لان صيغا رئيسية أخرى قد مهدت لذلك .. هذا البناء الفكري المترابط الذي يسند بعضه بعضا يجعل حاضر الشيعة شبيها بتاريخهم ويجعل التنبؤ بمستقبلهم أمرا ميسورا ما لم تدخل عوامل حاسمة على خطوط الحاضر

وقد تكون مطالب الجمهور اليومية غير المتحققة ، أو المكاسب المادية المجتناة أيضا من أهم العوامل المؤثرة في تفكك البنية الشيعية أو تعيين اتجاهات جديدة لها غير الاتجاهات التقليدية ، ولقد حدث ذلك كثيرا ، ففي أول تجربة حكم ( يصر الشيعة على إنها تجربة شيعية ) فشل الإمام علي عليه السلام في إقامة أي مجد عام مع ما كان يتمتع به من مواهب انقطع نظيرها في غيره لمّا كان حريصا على الاحتفاظ بصورته المثالية الفريدة ( إني لأعلم ما يصلحكم ولكن لا أفسد نفسي بصلاحكم ) ففي عهده توقف المسلمون كليا عن أعمال الفتح والبناء والتقدم وكادت الدولة القوية الناشئة التي أسسها الخليفة الثاني أن تذهب أدراج الرياح ، ولم يكن ذلك راجعا إلى الأعمال المناهضة التي قام بها معاوية فقط و إنما هو راجع إلى طبيعة أنصاره المتبرمين الذين أتعبتهم الحروب مما أنتج شعبا ضجرا كسولا وقائدا محبطا كثير الشكاية يقول علي ( لقد أصبحت الأمم تشكو ظلم رعاتها وأصبحت أشكو ظلم رعيتي ) وشبيه ذلك من لواعج اليأس والكآبة المبثوثة في نهج البلاغة وغيره 

  لقد شعر علي بصراحة انه قد خِين من قبل شعبه فراح يتمنى مصارفة رعيته برعية عدوه صرف الدينار بالدرهم ، يجب أن نذكر إن الخوارج ينتمون إلى معسكر علي أصلا لا إلى معسكر أعدائه ، الآن يحدث لدى الشيعة شيء من هذا القبيل ولكن ليس على مستوى القادة وإنما على مستوى الشعب ، ومرة أخرى يكون البناء ألعقيدي لدى الشيعة هو المسؤول عن تضخم الشعور بالإحباط لدى الشعب وتهيئة النفوس للبحث عن الخلل ، فقد تنجح الأزمات الاقتصادية والخدمية والأمنية التي تعصف بالمجتمع العراقي ، والفضائح السياسية والمالية والأخلاقية التي يرتكبها رجال الدين أو وكلاؤهم السياسيون في إثارة البلبلة الفكرية لدى الشيعة أكثر مما تنجح محاولات الإصلاح الفكري والعقيدي والمعرفي التي يبذلها بعض المفكرين ، ولان العقيدة الشيعية تقوم أساسا على مبدأ الشخصنة التي تجعل من سيرة الرجال دالة أولى للحق , فقد افتقد الشيعة للمنظومة الفكرية المعيارية التي توزن بها أفعال الناس ، وأصبح الحق عندهم ما فعله أناس بعينهم والباطل ما لم يفعلوه 

 وعلى هذا فأن استسلام الإمام الحسن بن علي وتهاونه لا يقل بطولة وصوابا وعصمة عن راديكالية واندفاع أخيه الحسين ، وان الانخراط بسعادةٍ ونشوةٍ كلية في المشروع الأمريكي لإسقاط العراق والهيمنة على المنطقة في مكان يسيطر عليه أو يؤثر فيه الفقيه لا يقل إخلاصا ونزاهة عن معاداتها وعدها شيطانا اكبر في مكان يسيطر عليه فقيه آخر ينتمي إلى نفس المحيط المذهبي ، تلك الشخصنة قد تجعل المعصوم خارج دائرة النقد لديهم لكنها لن تفلح في تأمين من هم دونه ( الفقهاء ) من سهامه ، الخطير في الأمر إن تصدع وتداعي صورة الفقيه المشخصَن سوف ينسحب إلى أبعاد نظرية وفكرية مرتبطة بالعقل الجمعي الذي منحه تلك الصورة أصلا ، أي إن الفقيه عندما يسقط فأنه لن يسقط وحيدا وإنما ستسقط وتنهار معه بعض العصي والدواليب التي صعدت به إلى تلك المنزلة السامية ونعني بها بعض متطلبات المذهب الفكرية ... بصورة معلنة وقوية بدأت محاولات الإصلاح الفكري لدى الشيعة في العصر الحديث على يد مفكر كبير هو الدكتور علي شريعتي الذي ولد في إيران 1933 م واغتيل 1977 م كان هدف شريعتي هو إقامة ما يسميه بانسجام شبكة العلاقات الاجتماعية في المجتمع الإسلامي ذاهبا إلى إن الدين الحقيقي هو مجموعة من العلاقات الاجتماعية المتوازنة المقننة و المكفولة بالوعي السياسي النامي لدى الفرد قبل أن يكون ارتباطا روحيا أو شعائرا مؤداة ، ويستخدم شريعتي أمثالا وعبارات رشيقة و مباغتة لتوصيل وجباته الفكرية 

 فلنستمع إليه وهو يقول: (عندما يشب حريق في بيت ، و يدعوك أحدهم للصلاة و التضرع إلى الله – أنظر كم هي مقدسة هذه الدعوة ، لكن ما أبشع ما تؤدي أليه - ينبغي عليك أن تعلم أنها دعوة خائن، فكيف إلى عمل آخر...) ، تحت تهمة الاستحمار الديني الذي يمارسه الفقهاء مع العامة أقامهم للمحاكمة الفكرية والأخلاقية ، وعندما كتب ( التشيع ألصفوي والتشيع العلوي ) قدم أجمل الإحالات العلمية للأصول الاجتماعية والفلكلورية للشعوب المختلفة المساهمة في إخراج الشعائر الحسينية بشكلها النهائي المخالف لقواعد الدين الفطري والذوق البشري البريء

نجح دكتور شريعتي في التأسيس لموجة جديدة من كتابات المنهج والمطارحة أنتجت قريبا من زمنه باحثين شيعيين مهمين هما عادل رؤوف واحمد الكاتب ، ولكنه للأسف فشل في الحد من ضراوة سلوك القطيع الذي امتازت به جموع الشيعة إثناء تأديتها للشعائر الدينية وخاصة الحسينية منها ، ولم تكن أسباب ذلك الفشل متعلقة بإنتاج الرجل الفكري وحججه الدامغة وإنما كانت متعلقة بعوامل ثيوسياسية شغالّة في منطقة انتشار الشيعة ، كان في وصول الشيعة إلى الحكم في إيران ولاحقا في العراق عامل دعم مهم في ازدهار تلك الشعائر مع تبنيها من قبل الدولة وتخصيص قطاعات كبيرة من الجهد والمال العام لإدامتها إضافة إلى الثراء الذي نعمت به المؤسسة الدينية والمتحلقين حولها والذي استثمر لتشغيل تلك الشعائر كوسيلة من وسائل التحصين أو التبشير الطائفي ، وقد استفادت المؤسسة الدينية كثيرا من الإعلام الفضائي والتقنية الرقمية في عولمة تلك الشعائر ، فبعد أن كانت تلك الشعائر والطقوس تمارس على نطاق محلي في يوم أو يومين من السنة صارت تدخل كل بيت على مدار الساعة والسنة ، ساعد في الإقبال عليها الهيجان الديني والطائفي للشيعة والذي أعقب عقودا من الكبت والحرمان والذي يشبه إلى حد ما التشنجات التي تعتري الخارج للتو من خيمة الغاز والتي ما تلبث أن تزول مع نشقات الهواء النقي ، لكن العامل الحاسم في بقاء وازدهار تلك الشعائر هو ما يتعلق بالبنية الدينية التي نجح الخطباء والمبشرون في إقامتها لها كثمن متيسر للفوز برضا الرب ونيل الجنة ، وهو أمر يشبه كثيرا ما قام به بطرس الناسك وباباوات أوربا أثناء الحروب الصليبية من إغراء للناس على الحج إلى بيت المقدس ومن ثم تحريره كعمل مقدس يوصل إلى مرضاة الرب ، وعلى مدى قرنين كانت جموع الحجاج والمحاربين الأوربيين تزداد مع زيادة المتطلعين إلى الغفران من أبشع الرذائل وكانت جموع المجرمين والغوغاء تردد في كل البقاع (( الرب يريد ذلك )) ... إلى الآن لم أجد إن أحدا ما كتب عن الأذى الاقتصادي الذي تلحقه الممارسة الوطنية الواسعة النطاق لتلك الشعائر بالمجتمع خصوصا في العراق 

 في هذا البلد ينخرط الناس في زيارتين راجلتين كبيرتين إلى كربلاء تستغرق كل واحدة منهما ما يقارب الأسبوعين من الزمن هما الزيارة الشعبانية وزيارة الأربعين ، وفيهما يتعطل النشاط الاقتصادي القومي بشكل شبه تام ويقتصر على النشاط الاستهلاكي الباهظ التكلفة المتمثل بأعداد وجبات الطعام وتوفير وسائط النقل والسكن إضافة إلى انشغال الدولة بتوفير الحماية لهذه الجموع الحاشدة ففي إحدى الزيارات بلغ عديد القوات الأمنية المكلفة بحمايتها أكثر من 150 ألف عنصر ، ويكاد مجموع أيام السنة التي تمارس فيها الشعائر وتتوقف فيها الحياة أن يبلغ نسبة الربع ، وفي العراق الآن تهدر مليارات الدنانير على استيراد ملايين الأمتار من القماش الإيراني المنقوش بصور الأئمة والشعارات الطائفية 

  أطلب من أية دولة أن تقوم بذلك ستجد إن جواب شعبها يأتيك سريعا :- انك تعلن الحرب علينا .. **** اتخذ المفكر عادل رؤوف من نقد وبحث المنظومة الابستمولوجية ( المعرفية ) لدى الشيعة عملا استراتيجيا له وانفق في ذلك وقتا وجهدا كبيرين ، وكانت أبحاثه العلمية الرصينة بمثابة هزة عنيفة في الجسد المعرفي الشيعي ، وقد وصلت زوبعة البلبلة وإعادة النظر إلى الخطوط الأولى في المؤسسة الدينية ناهيك عن القطاع المثقف في الوسط الشيعي ، ففي رسالة طويلة بعثها الخطيب الحسيني الشهير السيد حسن الكشميري إلى رؤوف نشرها الأخير في كتابه عراق بلا قيادة يتبين مدى قوة تأثير كتاباته ، وهنا نورد شيئا بسيطا من تلك الرسالة ((بسم الله الرحمن الرحيم.. أخي المهذب الكاتب القدير الأستاذ عادل رؤوف سلم برعاية المولى السلام عليكم .. قرأت كتابكم (محمد باقر الصدر بين دكتاتوريتين ) كما قرأت لكم من قبله كتبا أخرى لكن هذا الكتاب شدني إليه جرأة القلم وشجاعتكم في الأطروحة ولا أبالغ إن صارحتك باني قرأته أكثر من مرة وقد القاني الكتاب في أتون اللوعة والحزن وضراوة المأساة لطائفتي التي ابتلاها الله بما ابتلاها به وعدت من جديد إلى محنة هذه الطائفة التي وقعت بها منذ مئات السنين في اعقد حالات الابتزاز والغش شانها شان من يأكل من مطعم حليلة عمره دون أن يعلم بان طعامه من لحوم الكلاب والقطط أو من يراجع طبيبا لأوجاعه كل حياته وآخر المطاف يكشف إن الطبيب وهمي ومزيف

وسمعت من السيد محمد الروحاني وهو يتحدث في مجلس خاص قال : نحن لا يوجد لدينا دليل واحد حاكم على علاقة المرجع بالحقوق الشرعية والأخماس فالتقليد شيء ودفع الحقوق شئ آخر )) وفيما انهمك عادل رؤوف في نقد وتحليل البناء الفكري الذي قامت عليه مؤسسة التقليد الكبرى والمعتمد على الإلهاء والتجهيل المتعمد للعوام ، اختار الباحث احمد الكاتب العقيدة الشيعية موضوعا لبحوثه ، فبحث بجرأة غير مسبوقة في الإمامة والمهدي والصراع الهاشمي الأموي من جوانب تاريخية ورجالية على الأغلب ومن جوانب فكرية بصورة اقل ثم تطور جهده إلى آفاق أرحب من الآفاق الطائفية ليتبنى بإخلاص بعث نظرية الشورى من جديد وجعلها معادلا إسلاميا حضاريا للديمقراطية الغربية مما أهله لان يكون في مصاف المفكرين الإسلاميين الجادين المقبولين في العالم الإسلامي عموما 

  ***** يمتلك الشيعة منظومة أخلاقية وسياسية نظرية تنتمي إلى أحقاب ما قبل السلطة قاموا باستلالها من سيرة أئمتهم أو من فهمهم الخاص لهذه السيرة ، لكن تجريبا بسيطا وقصير المدى للطائفة أثناء استلامها للسلطة اثبت إن منظومات سياسية وأخلاقية أخرى تتصف بالبراغماتية والذرائعية كالمنظومة الأموية والعباسية أو الحجّاجية حتى هي المفضلة لديهم ، وأن حكامهم وسياسييهم من آل الحكيم والصدر والدعوة لا يقلون خسة ونذالة عن أي حاكم جائر وسفاح مجرم . على أية حال فأن عجلة النقد الذاتي ومحاولات إعادة اكتشاف المذهب بقيت مستمرة فقد ظهرت في الفترة الأخيرة وخاصة على صفحات المواقع الرقمية ( الالكترونية ) كتابات متزاحمة لكتّاب شيعة إذا ما تساهلنا قليلا في عملية اختراع المصطلح جاز لنا إن نسميها بـ ( الصحوة الشيعية ) الصاخبة ومما يسجل في مراقبة وتقييم هذه الكتابات ما يلي :

1. من لا يضمن أن لقبه ينبئ عن انتمائه الطائفي فأنه يحرص على تذييل مقالته بأيمان مغلظة انه شيعي ولا يزال وفيا للتشيع ، وكأنه يقول إن كتابات الذين هم من خارج الطائفة غير جديرة بالاحترام أو القبول لديها

  2. تحددت في تلك الكتابات معالم ثلاثة مستويات من الكتابة هي :

  أولا : مقالات بسيطة يمكن أن نسميها ( مقالات آلميني- فكرة ) أو ( مقالات الصدمة ) وهي تدور في الفلك الشخصاني الشيعي الذي يتعاطى مع الأشخاص كقيمة أساسية في بناء المذهب ، وهذه المقالات تستخدم أحيانا التشويه والتنابز بالألقاب والأفعال وتستحضر أمورا شخصية تافهة في حياة المراجع وحياة أفراد عوائلهم كما إنها تستحضر أيضا بعض الفضائح الحقيقية ، وهي على العموم مفيدة في كسر الطوق النفسي المتهيب من تناول تلك الشخصيات . وفيها برز كتاب متخصصون بأدب المثالب فمنهم من تخصص بآل الحكيم ، وآخر بآل الصدر ، وثالث بآل السيستاني ...الخ

  ثانيا : مستوى المقالات التسجيلية ( الوثائقية ) وهي المتعلقة بتاريخ الأحزاب الدينية والحوزات العلمية ومعظم هذه المقالات يكتبها نادمون عاشوا في إيران منفيين أو مهاجرين واطلعوا عن كثب على استخدام إيران للتشيع كمطية لبلوغ مصالح وتطلعات قومية بعدما كانوا يظنون أن إيران واحة التشيع ، وهذه المقالات أكثر من سابقتها تأثيرا وإثارة للسخط كونها ابعد عن أجواء العداء والتشهير الشخصي .

  ثالثا : مستوى مقالات الهدف المقصود والفكرة الكاملة وهي تتعاطى مع أمور جوهرية كأسس المذهب العقائدية والفكرية والخطة السياسية والتكنيك المرحلي ، ولا تتحرج من رأيها الصريح بكل ذلك ، وتصلح هذه المقالات لقياس مستوى القلق والأرق الفكري الذي يعتور الشخصية الشيعية المثقفة ، ومما يؤشر على هذا الصنف من المقالات هو حدوث الانقلاب الحاد لدى بعض كتابها بما يشبه الطفرة الوراثية المفاجئة ، كما إن بعضها كتبت بصورة مريحة تدل على الاستقرار الفكري والنفسي لكاتبها وقدرته الجيدة على التحرك والمناورة . ومما يسجل هنا إن الكاتب الواحد قد يقوم بالكتابة في عدة مستويات حسب مزاجه الفكري والنفسي وحسب مجريات الواقع العراقي ، كل هذه المستويات تتعاضد مع ما أسلفنا لتعين الشيعي أو تحفزه على إعادة اكتشاف المذهب في رحلة مريرة استمرت لقرون ولا أظن إنها ستُختم عن قريب







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز