محمد عودة
mohammedodeh@mail.ru
Blog Contributor since:
21 June 2012

 More articles 


Arab Times Blogs
أولمبياد سوتشي: مسمار شركسي على حائط جورجي بمطرقة أمريكية

على مر الزمان و الاوقات، كانت منطقة القوقاز ذات أهمية خاصة للدول الأوروبية الغربية، الذين يرون فيها ممر مهم لتوطيد مصالحهم الجيوالاستراتيجية في القطاعات السياسية والطاقة والنقل. وقد كانت الطريقة الوحيدة دائماً لكسب هذه الامور الحيوية ياتي فقط عن طريق زعزعة استقرار الاوضاع والحض على النزاع بين الشعوب القوقازية، وتشكيل منطقة ما تسمى "الفوضى المسيطر عليها" كالتي يتم استخدامها بنشاط الآن في ليبيا وسوريا ومصر. كما يحدث الأن في القوقاز فعلماء السياسة الإسرائيلية والأمريكية،و بإستخدام مختلف الأحداث التاريخية، يحاولون ضرب الشعوب القوقازية ببعضها البعض, الشركس والأبخاز ،الشركس والكبردينينيين ،الشركس و الداغيستانيين ..الخ ، و ذلك لتحقيق أهداف سياسية قصيرة الأجل و اقتصادية طويلة المدى في منطقة القوقاز. طبعاً و في الوقت نفسه حضروا لعملية ممنهجة لتشويه سمعة موسكو تبدأ في الخارج دخولاً إلى أراضيها. بدأت هذه المرحلة النشطة من الحملة ضد روسيا فور الإعلان عن مكان انعقاد دورة الالعاب الاولمبية الشتوية في سوتشي 2014 ،و بالفعل في عام 2008، اعلنت المؤسسة الأمريكية "جيمس تاون" و لأول مرة أن مكان انعقاد دورة الألعاب الأولمبية في سوتشي هي "منطقة منكوبة كونها قد قتل فيها الكثير من الشراكسة خلال الحرب القوقازية في القرن 19".

ومع ذلك، لم يلاقي هذا الاعلان حينها اي اهتمام او ردة فعل من احد حسب الخطة الموضوعة ،لذلك ادخلت واشنطن جورجيا الى اللعبة و التي كانت خارجة لتوها من الهزيمة في صراع أوسيتيا الجنوبية و الباحثة عن الثأر السياسي من روسيا كون الثأر العسكري منها مستحيل و بعيد المنال. فبدأت الاموال تتدفق على جورجيا من المؤسسة الأمريكية "جيمس تاون " و ايضاً من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية على العاصمة الجورجية لافتتاح "المركز الثقافي الشركسي" في العاصمة تبليسي .طبعاً بدعم كامل و اشراف تام من قبل السلطات المحلية. بدأ المركز و بدعم من نشطاء غربيين يعملون لدى منظمات غير حكومية بنشر فكرة "الإبادة الجماعية الشركسية"، وعدم جواز اقامة دورة الالعاب الاولمبية في سوتشي. و بعقد سلسلة من المؤتمرات الجورجية الأمريكية بشأن القضايا الشركسية، و التي كشفت عن شخصيات شركسية بغيضة من أوروبا وتركيا والأردن همهم الوحيد هو تحقيق اكبر قدر ممكن من المصالح الشخصية و المادية على حساب قضية شعب عادلة، والذين اصبحوا فيما بعد يعملون تحت قيادة المنظر الاستراتيجي الرئيسي للحركة الشركسية العالمية "الحاخام أبراهام شموليفتش". في غضون عامين، اصبح المركز الثقافي الشركسي في تبليسي مركزاً للمنظمات غير الحكومية والجمعيات الشركسية . وينبغي أن اذكر أن الكثير من هذه التنظيمات و الجمعيات أسست ليوم واحد فقط او لفترة قصيرة جداً و كانت تخضع لسيطرة مباشرة من موسسة جيمس تاون، على سبيل المثال، المركز الثقافي و القانوني الشركسي في لاتفيا (محمد تلوبوف)، الحركة الوطنية الشركسية الأردنية (عادل بشقوي)، الاتحاد الأمريكي الشركسي العالمي (اياد يوقخور) و التي تم أنشاءها وفق توصيات الحاخام شموليفتش، و حتى مع افتقادهم للدعم الحقيقي من افراد المجتمعات الشركسية .فوجود هذه المنظمات و قصة إنشاءها لم تكن إلا للتمويه وممارسة التضليل على المجتمع الدولي تحت ذريعة "موقف شركسي مشترك " ومع ذلك، فإن هؤلاء القادة ليسوا سوى دمى صنعتها واشنطن كفزاعات للحقل ...و لكنهم نسوا بان مصيرهم مرهون إما بمناقير الطيور و إما بنسمة هواء او شرارة نار.

 مع هذا العمل المتواصل للأمريكيين والإسرائيليين و لمدة عامين كاملين و بدعم مالي غير محدود كانت النتيجة اعتراف البرلمان الجورجي في 20 مايو 2011 "بالإبادة الجماعية ضد الشعب الشركسي." ،و لكن السلطات الجورجية نسيت او تناست بأن جورجيا سعت وساعدت الإمبراطورية الروسية في تعزيز مواقعها في منطقة القوقاز،فقبل و بعد دخول الجيش العثماني للقوقاز .كان يخدم الألاف من الضباط الجورجيين في صفوف الجيش الروسي، و الذي حارب بدوره ضد الشركس، و كان معظمهم ضمن كتيبة الجنرال 'شاتيلوفا" ، التي شاركت بشكل رئيسي في معركة كراسنايا بوليانا. فالعاصمة الجورجية كانت تحتضن القيادة العامة لأركان القوات الجورجية . و الجدير بالذكر أنه بعد نهاية الحرب القوقازية في عام 1864، اشار زعيم النبلاء الجورجيين، "ديمتري إيفانوفيتش كيبياني" في خطابه للشعب الجورجي على أهمية انتصار الإمبراطورية الروسية، و التي في رأيه، من شأنه أن يعزز قوة دولتهم و تجعلهم يتفادون المزيد من هجمات المقاتلين الشركس على الأراضي الجورجية . في ضوء هذه الحقائق، اعتبر إعتراف البرلمان الجورجي "بالإبادة الجماعية الشركسية" بعيداً كل البعد عن الأحداث التاريخية الحقيقية، لما يتضمنه من سخرية و تزييف للتاريخ . مع هذا و مع ما تنشره دمى المنظمات الشركسية الجورجية والأمريكية من معلومات كاذبة، و التشكيك في فكرة اقامة دورة الالعاب الاولمبية، خلافاً لقرارات اللجنة الأولمبية الدولية على "تشجيع وتعزيز روح التفاهم و المحبة و السلام بين الشعوب".

 و ربما لهذا السبب لا يستجيب المجتمع الدولي إلى الشعارات المناهضة لروسيا و لاولمبياد سوتشي التي ما فتئ نشطاء مؤسسة "جيمس تاون" و جماعة الحاخام شموليفتش الشركسية على إطلاقها. و أريد أن أضيف عن موضوع الإبادة الجماعية. هذا المصطلح يعني "سياسة متعمدة من الدولة لقتل و ابادة الناس على أسس عرقية أو دينية". ومن المعروف أنه في الحرب القوقازية لم تقصر المشاركة فقط على الشركس، فقط ولكن كان هناك أيضاً الداغستانيين، و القباردين و الاستين والكثير من الشعوب القوقازية الأخرى الذين وحدهم الدين .اذاً لماذا لم يذكروا هم أيضاً شيئاً عن موضوع الابادة ؟ فالحديث عن سياسة بعينها اتبعتها الإمبراطورية الروسية في إبادة شعب دون اخر ،استطيع القول بأنه لا يوجد لهذه الاتهامات اي اسس قانونية وتاريخية. ففي عام 1948، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة "اتفاقية منع الابادات الجماعية والمعاقبة عليها"، والتي لا تسمح بتطبيق أحكام القانون بأثر رجعي. السبب المباشر لإدخال هذا النص القانوني لمصطلح "الإبادة الجماعية" هو مذبحة الأرمن زمن الإمبراطورية العثمانية على ايدي قواتها في السنوات ما بين 1915-1920. وايضاً سياسات ألمانيا النازية ضد اليهود إبان الحرب العالمية الثانية. الحقيقة المثيرة للاهتمام هو أنه في عام 2011، أرسلت الولايات المتحدة وغيرها من البلدان والمنظمات غير الحكومية الأرمينية في جورجيا و في أرمينيا رسائل إلى الرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي والبرلمان تحضهم على الإعتراف بالإبادة الجماعية للشعب الأرمني التي ارتكبتها الإمبراطورية العثمانية. و لكن الطلب الارمني قوبل بالرفض القاطع من قبل جورجيا متحججة بعدم رغبة جورجيا بإفساد العلاقات التجارية مع تركيا وأذربيجان حليفتها الإقليمية. مع ان السكان الأرمن في جورجيا و الذين يعيشون منذ قرون على الأراضي الجورجية، قدموا مساهمات هائلة في التنمية الثقافية والعلمية والسياسية للدولة.

 وعلى سبيل المثال، في منطقة "أخالكالاكي" معظم سكانها من الأرمن حيث يشكلون الغالبية العظمى هناك (أكثر من 90 في المئة). وبالإضافة إلى واحدة من اكبر و اهم مناطق العاصمة تبليسي " افلابار" و التي تعتبر مركزاً للتجارة و معقل الطبقة الراسمالية الارمنية . فمن الواضح أن جورجيا لو اعترفت بالإبادة الجماعية الأرمنية ستكون خطوة تاريخية أساسها تحقيق العدالة الإنسانية و ليس المناكفة السياسية و لغة المصالح فقط . و لكن الحكومة الجورجية و خبراءها الإسرائيليين و الامريكيين و من اجل مصالحهم السياسية الخاصة بهم نسوا الماضي ويعيشون الحاضر فقط، فوضعوا شراكسة الشتات في وجه المدفع و يحاولون الان إثارة الصراعات بينهم و بين إخوتهم واقاربهم الذين يعيشون في روسيا. فالعديد من قادة الشركس الحقيقيين في تركيا والأردن وأوروبا و في زيارة قاموا بها موخراً لمدينة سوتشي ضمن وفدٍ ضم شخصيات مهمة من شراكسة الشتات يوافقون على استضافة دورة الالعاب الاولمبية في سوتشي،فمن وجهة نظرهم هذه فرصة نادرة للناس للتركيز على منطقة القوقاز من خلال العمل السلمي و البناء والتعاون، والتي بدورها ستضمن نجاح التنمية في المنطقة ، والتي ستكون بالتأكيد مفيدة للشركس انفسهم . 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز