نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
لا خوف على الإسلام السياسي

هناك اعتقاد خاطئ سائد، وهو أن الخطر على ما تسمى بالمجتمعات العربية، يتأتى فقط من جماعات الإسلام السياسي، التي تعمل في كثير من الأحيان بشكل سري وخفي وتحت الأرض، وعلى نطاق واسع، لبناء الإمارات ذات الطابع والهوية الدينية، وذلك من خلال استغلال الدين وتوظيفه خدمة لأغراضها في الوصول إلى السلطة والحكم. لكن هذه المقولة الأخيرة، وعلى صحتها، تفتقر للدقة، وتقول نصف الحقيقة، فقط، لأن نصف الحقيقة الآخر الأكثر إيلاماً ووجعاً هو أن الأنظمة العربية، من "المحيط للخليج" هي "إمارات" دينية قائمة، عملياً، تحكم باسم الدين، وتبدو الأحزاب والجماعات الدينية، أمامها أكثر ضآلة وأقل شأناً ونفوذاً وتأثيراً، وهي التي وظفت وتوظف الدين، وعلى نحو منظم، ورسمي، و"دستوري" وأكثر مؤسساتياً، وتأثيراً للإطباق على الدين خدمة لأغراضها في البقاء في السلطة، وكل ما من شأنه استدامة الوضع القائم الـ Status quo ، وإخماد وتعطيل الثورات المعرفية، وهي الثورات الحقيقية، عملياً، لا ما نشاهده من تهريج "ثوري" أطلسي-تركي-خليجي. فلا أدري لماذا تطالب الجماعات الدينية بإقامة هياكل سلطوية موجودة وقائمة للتو، إلا من باب المزايدة على الأنظمة في تبني الدين والاتجار به؟

 ومن هنا، حقيقة، لا يأتي الخطر أبداً من توظيف بعض الجماعات للدين في أغراض سياسية، بذات القدر والتأثير والشدة والنوع الذي يحدثه توظيف الأنظمة السياسوية العربية والإسلامية للدين. ولا أدري، بذات السياق، ومن هذا الباب، ما هو سر الخلاف بين الدولة الرسمية العربية، وجماعات التدين الإسلاموي السياسي، طالما أن الجانبين يتسابقان على القبض على الدين واحتكاره والظهور بمظهر الحامي له والمتمسك به وحتى المتاجر به؟ ولماذا الخطاب الديني للجماعات السياسو-دينية حرام وممنوع، فيما الخطاب الديني للدولة الرسمية العربية حلال زلال؟ وما الفرق عملياً، وجوهرياً، وبنيوياً، بين الخطابين؟ فالدولة الرسمية العربية تمتلك وزارات رسمية، ومنها سيادية، كالإعلام، والتربية، مثلاً، ووزارات لا تقل أهمية وتأثيراً كوزارة الثقافة، والأوقاف، والعدل، وهذه كلها تعمل وعلى نحو ممنهج، ومبرمج لضخ الخطاب الديني، واحتكار "الدين" وتوزيعه وتسويقه في "أسواقها" (وهي عقول المواطنين)، باعتبارها المالكة الحصرية له. وما من شك، أبداً، في أن معظم ما تسمى بالدول، أو الأنظمة العربية، هي دول دينية، وذات طابع وهوية دينية، ولا ترتقي أي منها إلى مستوى الدولة العلمانية الوطنية الحديثة، المعروفة في العالم اليوم

 لكن، ربما، يمكن القول، ومن باب الإنصاف والواقعية، أن الخطاب الرسمي الديني العربي، وباستثناء منظومة "مشيخات" الخليج الفارسي، قد يكون أقل تطرفاً من خطاب الجماعات الدينية، المعروفة والفاعلة على الساحة، في ما يسمى بالشارع العربي، غير أنه يلتقي، ويشترك معها، في البنية والمضامين والمرتكزات المعرفية والعقائدية للخطاب ذاته، ومن الصعب تماماً، التفريق، والفصل بين الطرفين في هذه الجزئية، ومن هنا يتبين أن الفارق، إن وجد على نحو ما، هو فقط في الدرجة (المزايدة)، وليس في النوع، أبداً، أو في ماهية "البضاعة" التي يتاجر بها، ويسوقها الطرفان، ومن هنا، ستكون المخارج التربوية، والنفسية، والشخصية والوظيفية للخطابين متماثلة، ومتقاربة، إن لم تكن متطابقة تماماً، وهذا ما يفسر لنا هذه الحالة "الرعاعية" الرثة والسلوكية المبتذلة الشاملة التي تسود وتجتاح ما يسمى بالشارع العربي، رغم الغياب الظاهري، على الأقل، للجماعات الدينية عن الشارع وعدم قدرتها على الوصول إليه، أو التأثير في القرار السياسي الذي تحتكره الأنظمة، وتتحكم من خلاله بالمكونات المجتمعية. ولو كانت الجماعات الدينية "المتطرفة" هي التي تحكم في القصور الرئاسية والملكية والسلطانية والمشيخية، لما تولدت هذه الحالة الدينية الوجدانية القوية الموجودة الآن في معظم ما تسمى بالدول العربية

 بمعنى أن خطر الأنظمة الرسمية العربية، من حيث تبني الخيار والدساتير والثقافة والخطاب والدعاية والإعلام الديني، هو بنفس درجة خطورة الجماعات الدينية المتطرفة و"الإرهابية"، ويتساوى الخطران ولا يختلفان عن بعض أبداً، وفوق ذلك كله، يأخذ خطاب وممارسات الأنظمة الرسمية العربية "الدينية" الطابع الشرعي، والرسمي "المــُمـَأسس، والوطني، والقومي، و"الثوري"، وحتى "المقاوم" أحياناً

 ومن هنا، ومن باب "التطمين"، فقط، وللجميع، لا خوف، البتة على ما يسمى بالإسلام السياسي، ومتفرعاته، طالما بقيت الدولة الرسمية العربية، في حال من الجفاء، والعداء، مع العلمانية، وليس هناك نية، أو مطرح أو اعتبار واحترام للدساتير العلمانية فيها، ويشق علينا في كثير من الأحيان، التفريق بين المؤسسة الدينية الكهنوتية والمؤسسة السياسية الحاكمة، وما زالت هذه المنظومة، برمتها، تخجل من إعلان العلمانية أو حتى مجرد "التقرب" والتودد لها، وتتبنى الدين، و"على عينك يا مواطن" كمصدر وحيد للحكم والقوننة والتشريع، وتحافظ على هوية الدولة الدينية، وتحاول الظهور والتشبث بكل طقوس ومظاهر الدروشة، و"التمشيخ"، الذي تظهر فيها دولتهم "الوطنية" المزعومة بشكل أقرب إلى "الإمارة" الدينية، والمشيخة، والحوزة، وحلقات الذكر، أكثر من قربها للدولة المدنية الحديثة والعصرية.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز