د. عمر ظاهر
omardhahir@yahoo.dk
Blog Contributor since:
22 October 2011

كاتب واستاذ جامعي من العراق مقيم في اوروبا

 More articles 


Arab Times Blogs
العرب بين روسيا والغرب

لا ينبغي لنا أن نستهين بدروس التاريخ، فلدينا الآن شواهد كثيرة على أن التاريخ يعيد نفسه. قبل ما يقارب القرن من الآن فضحت روسيا البولشفية مخططات الإنجليز، والفرنسيين، لتقاسم المنطقة العربية وفق ما عرف لاحقا بإتفاقات سايكس – بيكو، واليوم تقف روسيا غير البولشفية بقوة بوجه ما صرنا نطلق عليها "سايكس – بيكو الجديدة"، وتساعد على إفشالها. وقبل قرن أيضا كان شريف مكة يتآمر مع الإنجليز ضد المسلمين، وضد العرب. واليوم تنطلق أكبر خيانة للعرب من حيث انطلقت أيام شريف مكة. ربما يكون الفارق أن شريف مكة كان عميل الإنجليز، بينما خادم الحرمين، ورهطه خدم للأمريكان. أهو فرق كبير؟

هؤلاء هم نحن، أمة بين روسيا من جهة والغرب وخدمه، كاولية الجزيرة العربية، من جهة أخرى. ولا بد لنا أن نتوقف عند هذا القدر التاريخي، ونتمعن في خطوطه، وخفاياه، فقد ينفعنا فهمُنا له على التعامل معه، خاصة أننا أخطأنا في موقفنا من الإتحاد السوفيتي، وضيّعنا فرصا ثمينة على طريق الإستقلال، والتقدم، والوحدة. ماذا تريد روسيا منا، وكيف تتعامل معنا؟ وماذا يريد الغرب منا، وكيف يتعامل معنا؟ ومن ينفعنا أكثر من غيره؟ وماذا علينا أن نفعل؟

بلا شك، كلا الروس والغرب (ونعني بالغرب هنا محور الشر أمريكا، وبريطانيا، وفرنسا) لهما مصالح في المنطقة العربية. إنما هناك فارق هام بين تعامل الروس مع مصالحهم، وبين تعامل الغرب مع مصالحه. الفارق هو أن روسيا، ومنذ زمن الإتحاد السوفيتي، تميل إلى تحقيق ما تريد من خلال مبدأ "المصالح المشتركة، أو المتبادلة"، بينما الغرب لا يعرف هذا المبدأ، ولا يعترف به، فهو عنده مصالح، وهذه المصالح مقدسة، ويجب أن تتحقق، ليس فقط بدون مقابل، بل ربما يتطلب تحقيق هذه المصالح تدمير العرب، وقتل الملايين منهم، وتخريب مدنهم، وخلق الحروب بينهم. لا يلزمنا أن نذهب بعيدا، فالحروب من أجل النفط ضد العراق، وضد ليبيا، وما ترتب على تلك الحروب من قتل لملايين الناس، وإعادة البلدين إلى عصر ما قبل الصناعة أدلة دامغة. وكذلك الحرب على سورية، دليل آخر على أن الغرب لا ينظر إلى مصالحه مع العرب على أنها مشتركة، أو متبادلة- رغم أن هناك بالفعل مصالح مشتركة. ولنتذكر أن كل هذه الحروب والإستهتار الأمريكي، أو الغربي، بشكل عام، بمصالح العرب، تحصل بمساعدة تيوس الجزيرة العربية

هناك أمور كثيرة تترتب على الإقرار بمبدأ "المصالح المشتركة" في مقدمتها أن روسيا الحالية، شأنها شأن الإتحاد السوفيتي السابق، تتعامل دائما مع الدول، والحكومات الشرعية، وتعمل على تقوية هذه الدول، وتعزيز أمنها، وإستقرارها، فالمصالح المشتركة لا تتحق إلا من خلال وجود دول قوية، ومستقرة، تتعامل بعضها مع بعض على أساس الإحترام المتبادل. في زمن الإتحاد السوفيتي كانت تلك سياسة عامة لروسيا كلفت النظام الشيوعي الكثير، فنحن نعرف أن السوفييت كانوا على الدوام يضغطون على الأحزاب الشيوعية الموالية لهم كي يجدوا أرضية للتعاون الوطني في بلدانهم، ولهذا فإن الأحزاب الشيوعية تقاعست تحت ذلك الضغط عن الإطاحة بالأنظمة القائمة، ومالت إلى دعمها سلبيا، أو حتى من خلال إقامة تحالفات معها بحجة "إنجاز مهام المرحلة الوطنية الديمقراطية". الحزب الشيوعي العراقي، مثلا، كان بإمكانه عام 1959 إستلام السلطة من عبدالكريم قاسم خلال دقائق، فالقوة الشعبية والعسكرية التي كان يتمتع بها كانت لا تقاوم. السوفييت كانوا يريدون من الحزب الشيوعي دعم الحكم الوطني! وهذا فعلوه في كل مكان 

روسيا اليوم تسير على نفس خطى الإتحاد السوفيتي، بل إن سياستها في سورية اليوم تدل على إصرارها حتى على إقناع الفئات المعارضة للدولة، والتي لا تربطها روابط خاصة بروسيا، المعارضة السورية، للمشاركة في الحفاظ على الدولة السورية. وقد وضعت روسيا سياسة المساعدة للحفاظ على الدولة السورية، ولم تحد عنها رغم أن قطر سابقا، ودولة التيوس السعودية الآن، قدمت، وتقدم إغراءات خيالية لها مقابل تغيير سياستها. إنها لا تفعل، لأنها تتعامل مع الدول، وليس مع العصابات 

على عكس هذه نجد أن محور الشر الأمريكي، البريطاني، الفرنسي، لا يؤمن بمبدأ "الدولة" في هذه المنطقة، بل إنه يعمل على تفتيت دول العرب القائمة، وتمزيقها إلى كيانات طائفية، وعرقية غارقة في الفوضى. وعلى هذه الطريق فإن الساسة في هذا المحور لا يتورعون عن التعامل مع العصابات الإجرامية، بل والتصرف كرجال عصابات. وهنا لا نريد أن نتطرق إلى المسألة الكبيرة، أي وقوف أمريكا وراء تشكيل منظمات إرهابية مثل القاعدة، ونكتفي بالإشارة إلى سلوك المرشح الجمهوري للرئاسة الأمريكية، جون ماكين، الذي لا يتورع عن الدخول إلى دولة مستقلة بدون إذن، والتعامل مع عصابات القتل والسلب في مناطق تسيطر عليها، وكذلك نرى الآن ماكين يتدخل، كرجل مافيا، في شؤون مصر 

ربما يكون الإطار الشرقي المشترك لروسيا والعرب ذا أهمية في كيفية تعامل الروس تجاه العرب، وقد يكون كون الغرب غربا ذا أهمية أيضا في تعامله مع شعوب الشرق. هناك تعالٍ، وإستعلاء غير معقولين في تعامل الغرب مع العرب. ليس هناك في هذا التعامل مكان لغير التآمر، والتجسس، أو إستخدام القوة، أو إستخدام المعونات الإقتصادية للإبتزاز، والإذلال، وسلب الشعوب حريتها، وإستقلالها. إنه لأمر مشروع أن نطرح سؤالا عن سبب إتباع الغرب لكل الوسائل الخسيسة، وإستثنائه وسائل الحوار، والثقافة، وبناء الجسور في التعامل مع العرب 

وحين نتحدث عن الحوار، ومد الجسور، فإن هناك أمرا يحيّر كل عربي يعيش في الغرب. هنا يعيش عشرات الآلاف من المثقفين العرب الذين تشبعوا بقيم الديمقراطية الغربية، ويتوقون إلى رؤية مثل هذه الديمقراطية في بلدانهم. لماذا لا يستفيد الغرب من هؤلاء لإطلاق حوار مع الشعوب العربية، ولإقامة جسور ثقافية معها؟ لماذا يستخدم الغرب فقط سقط المتاع من هؤلاء العرب كوجوه لإستخدامها في العالم العربي؟ والغرب يعرف أن هؤلاء منبوذون في العالم العربي؟ برهان غليون، وهيتو، مثالا 

الجواب عن السؤال أعلاه واضح، فالغرب لا مصلحة له في نشر قيم الديمقراطية الغربية في العالم العربي، ولذلك لا يقدّر أصلا قيمة الكنز الثقافي الذي بين يديه (المغتربون العرب)، بل له مصلحة في نشر الطائفية والفساد، ولهذا ينتقي من بين عشرات الآلاف هؤلاء من ينفذ سياساتها التخريبية هذه 

إن روسيا محرومة من مثل هذه الثروة الإنسانية، ربما لأنها اليوم ليس لديها نفس الديمقراطية الغربية كي يتشبع بها العرب الذين يعيشون في روسيا، ولكن علينا أن نسترجع ذكريات الإتحاد السوفيتي حين كان آلاف الشباب الدارسين في روسيا يعودون لينشروا ثقافة وطنية، وإنسانية جديدة في البلدان العربية، مع أن دولهم، وحكوماتهم كانت تعمل كل شيء للحد من تاثيرهم بحجة منع إنتشار الفكر الشيوعي 

وهناك في نفس المجال الثقافي أمر محيّر آخر، هو أمر من يحملون لقب "خبير" في شؤون الشرق الأوسط، أو الإسلام، أو الإرهاب. هؤلاء يملؤون الجامعات الغربية، ويدلون بدلوهم في كل صغيرة، أو كبيرة. كيف يستفيد الغرب من الخبراء هؤلاء في فهم عقليات، ونفسيات الشعوب العربية؟ هل هؤلاء لهم أي تأثير على العلاقات الغربية - العربية؟ 

على ما يبدو فإن هؤلاء الخبراء مجرد كومبارس في الحفلات السياسية لهذه الدول لأن دورهم هو أن يقولوا لشعوبهم أن حكوماتهم الإستعمارية تتصرف بحكمة، وبعقلانية لأنها تتعامل مع شعوب همجية، وإرهابية 

بصراحة، عندما نرى خبيرا روسيا على شاشة التلفزيون يعطينا (بالعربية) تحليلا لقضية ما في الوضع العربي (أكرر – بالعربية)، فإننا لا نشعر فقط بالإحترام تجاه هذا الخبير الروسي، ونعرف أنه خبير في الشؤون العربية بحق بدليل أنه يتكلم العربية، فهذا يعني أن هذا الخبير (أو الخبيرة) إستثمر بالفعل وقتا في دراسة شؤون العرب، والإختلاط بهم، بل وتعلُم العربية، وهو قادر على قراءة الصحف، والكتب، والمصادر العربية. هؤلاء خبراء حقيقيون، ولا بد أن روسيا تستفيد من علومهم، وخبراتهم 

معذرة، فأنا مضطر إلى إعطاء صورة عن خبراء الغرب من المكان الذي أعيش فيه، الدنمارك، لأني لا أعرف بحالهم في بلدان محور الشر. هنا، وكذلك في النرويج، وفي السويد، عندنا خبراء (على قفا مين يشيل) في الإسلام، والإرهاب، والشرق الأوسط، والغريب في أمر هؤلاء الخبراء هو أنك نادرا ما تجد أحدا منهم يعرف كلمتين باللغة العربية. في الدنمارك، أعرف شخصيا "خبيرين" إثنين يتكلمان العربية بطلاقة، ولكنّ هذين الخبيرين لا يُسمع لهما صوت في الإعلام، بينما الساحة حكر لخبراء آخر زمن. والأغرب من هذا أن الواحد من هؤلاء قد يحب أي جنس بشري، ما عدا العرب، والمسلمين! كيف يكون المرء خبيرا في شؤون شعب لا يعرف لغته، فلا يستطيع أن يقرأ حتى مقالة في صحفه؟ 

المشكلة مع هؤلاء الخبراء هي أن الدولة لا تتدخل في إعدادهم، فلا تفترض فيهم المعرفة باللغة العربية، أو الفارسية، أو التركية، لكنهم أنفسهم يعرفون القواعد غير المكتوبة في إختيار الأسماء التي يجري إبرازها في الإعلام. هناك صفقة غير رسمية بين هؤلاء الخبراء وبين حكومات هذه الدول، فالخبير يكتسب إسما "كبيرا"، مقابل تلقين الناس الأفكار، والمعلومات، والتحليلات، والتبريرات التي تريدها تلك الحكومات، والتي يمكن للخبير أن يقرأها بلغته، لا غير. بإختصار هذه الدول لا رغبة لها في التعامل مع العرب بطرق، ووسائل حضارية 
 
إن كل إنسان عربي عادي يريد بكل تأكيد أن يرى الدول العربية وهي مستقلة، وتربطها بغيرها من الدول مصالح مشتركة، وعلاقات إحترام متبادل. والعرب لا يمكنهم أن يستغنوا لا عن الغرب، ولا عن روسيا الناهضة. ولا يمكن لأي عربي عاقل أن يحلم بتطورات تؤدي إلى طرد أمريكا، وبريطانيا، وفرنسا من العالم العربي، ولكن هناك طموح مشروع إلى رؤية الغرب يتعلم من روسيا مبادئ المصالح المشتركة، والإحترام المتبادل، ويمد جسورا حقيقية بينه وبين شعوب هذه المنطقة
 

لكنْ، مع الأسف، لا أساس للتفاؤل، فالغرب لا ينوي من قريب أو بعيد تغيير سياساته الإستعلائية، ففي السابق كان له كلب حراسة واحد لمصالحه في المنطقة، إسمه إسرائيل، واليوم أصبح له كلبا حراسة لمصالحه، والكلب الثاني أشد شراسة، وعدوانية، ودموية حتى من إسرائيل لأنه يرعى الإرهاب، ولديه خزين من الإرهابيين المستعدين لتفجير أنفسهم لقتل الأبرياء. الإرهاب ضد العرب وسيلة غربية جديدة تضاف إلى الوسائل الخسيسة القديمة. ولنتذكر مرة أخرى الفرق بين روسيا والغرب، فروسيا لا تتعامل مع الإرهابيين 

روسيا الناهضة اليوم لا تسير على النهج العقلاني للإتحاد السوفيتي وحسب، بل إنها تعلمت من أخطاء ذلك الإتحاد، وصارت أكثر حنكة، وأكثر عنادا. بالمقابل قد يكون العرب قد تعلموا أيضا درسا من غياب قوةٍ توازن شراسة الغرب في السعي وراء مصالحه الأنانية. لقد حارب العرب من حيث يعرفون، أو لا يعرفون الإتحاد السوفيتي، ولم يعرفوا فضله على إستقرار منطقتهم إلا بعد سقوطه، ونشوء واقع القطب الواحد، فدفعت شعوب المنطقة أفدح ثمن للسياسة الرعناء للغرب. لقد تم في حينه إستخدام الإسلام في محاربة السوفييت، واليوم نرى أن ذلك التجييش للإسلام ضد روسيا لم يعد بتلك القوة، فروسيا اليوم ليست دولة إلحادية، وهناك فئات عريضة في العالم العربي، بمن فيها فئات إسلامية، مستعدة للتعاون المخلص مع روسيا 

نحن، على ما يبدو، مقبلون على قيام تحالف شرقي كانت أرضيته قائمة منذ قرن، ولكن كان يفتقر إلى قناعات. وهذه العنجهية الغربية العاجزة عن فهم المستجدات قد تؤدي إلى تضييع فرص ثمينة أمام التعامل على أساس المصالح المشتركة، والإحترام المتبادل. لا يمكن أن يستمر هذا الإستهتار بحياة العرب، وبمصالحم، وإستقرار دولهم إلى ما لا نهاية 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز