د. عمر ظاهر
omardhahir@yahoo.dk
Blog Contributor since:
22 October 2011

كاتب واستاذ جامعي من العراق مقيم في اوروبا

 More articles 


Arab Times Blogs
نصر الله وخُطبة إعلان اليأس

خُطب السيد حسن نصرالله، الأمين العام لحزب الله، وتصريحاته لها دائما أهمية كبيرة، وأبعاد سياسية ترسم صورة الواقع رسما حيا، ومن أراد أن يفهم حقيقة ما يجري في المنطقة العربية في أي وقت، عليه أولا أن يستمع إلى هذه الخطب والتصريحات، وينطلق منها في تحليلاته. لقد اكتسبت كلمات السيد نصرالله بجدارة وظيفة "بارومتر" الحالة السياسية، والعسكرية للمنطقة. هذه هي الحال كقاعدة عامة، وربما لا تكون كلمة السيد حسن نصرالله التي ألقاها في الإحتفال الحاشد الذي أقيم في الضاحية الجنوبية بمناسبة يوم القدس إستثناءً من هذه القاعدة، إلا إنها سجلت، إضافة إلى مثل تلك الأهمية المعتادة، أمرين جديدين في منتهى الحساسية

الأمر الأول هو إبراز الهوية الإسلامية الشيعية للمقاومة، والتأكيد على هذه الهوية. ونظرة متفحصة إلى هذا الموقف في ترابطاته السياسية تكشف في الحقيقة عن إنتصار أخلاقي مبين لحزب الله وللمقاومة، ذلك لأن الشيعة يتعرضون لحرب طائفية ضروس تشنها عليهم قوى لا يخفى على أحد إرتباطها بالمشروع الصهيوني للمنطقة. وهنا فإن الهدف الأول لهذا المشروع هو إشعال حرب طائفية في المنطقة، والهجوم على الشيعة يرمي، من بين أمور عديدة، إلى إستفزاز المقاومة، ودفعها إلى الإنجرار إلى هذه الحرب الطائفية. لقد رد السيد نصرالله على هذا الإستفزاز بقوة متفاخرا بشيعيته، ليس من منطلق التناقض الأيديولوجي، أو الشرعي مع غيره، وإنما بربط الهوية الشيعية بالمقاومة، وبقضية فلسطين، وتحرير فلسطين. السيد قال بوضوح إن الشيعي شيعي، ليس لأنه نقيض السني، بل لأنه متمسك بقضية المسلمين الأهم، فلسطين. وهذا لا ينم عن ذكاء ستراتيجي يفتقر إليه الكثيرون في الشرق الأوسط وحسب، بل وينم أيضا عن إحساس أخلاقي عميق تجاه المسلمين، ورغبة نبيلة في تجنيبهم شرور الحرب الطائفية الشاملة التي تسعى إلى إشعالها الصهيونية، وحليفتها مملكة آل سعود، وأدواتها الإرهابية. إذاً، حزب الله لن يستجيب للإستفزازات الطائفية إلا بالتأكيد على مبدأ المقاومة 

أما الأمر الثاني، وهو في منتهى الخطورة، فيتمثل في تعبير السيد نصرالله ضمنيا عن اليأس من إمكانية جر الأحزاب، والقوى الدينية غير الشيعية إلى مشاركته في حمل مهمة تحرير فلسطين. هذا يعني بالتالي أن السيد وضع على عاتق الشيعة وحدهم مسؤولية هذه المَهمة التي عجزت عنها دول العرب، وجيوشهم مجتمعة على مدى عقود من الزمن، ألا وهي الإنتصار على الصهيونية وكيانها السياسي، إسرائيل، فهذه الأحزاب والقوى الدينية التي تاجرت بقضية فلسطين لعقود من الزمن، وحاربت القوى التقدمية، والوطنية والديمقراطية، في العالم العربي بحجة الدفاع عن مقدسات المسلمين، تنكرت لهذه المقدسات، وفي مقدمتها القدس، عندما أصبحت على المحك، وبمجرد ما استلمت كراسي الحكم هنا وهناك، بل إنها استبدلت العدو الصهيوني بـ "العدو" الشيعي، أو الإيراني، وصارت تحارب طائفة مسلمة 

إن هذا اليأس مفهوم، وواقعي، لكن تحميل الشيعة وحدهم  وزر هذه المهمة سيكون له ثمن باهض جدا على المدى القصير لأن التحالف الصهيوني السعودي يعرف الآن بيقين أنه إزاء إرادة حقيقية للقتال، وسيصعّد من همجيته، وأعماله الإجرامية. والسيد نصرالله يدرك جيدا معنى أن يكون الشيعة وحدهم على الجبهة، إذ يقول "قولوا عنا ما تشاؤون .. اقتلونا في كل زاوية"! إنه يدرك أنه بهذا يضع الشيعة بين سندان الصهيونية ومطرقة "الإسلام الصهيوني" (التعبير الدقيق الذي أطلقه على هذه الجماعات الكاتب السوري نارام سرجون)، ولا بد أنه يراهن على أن صلابته ستؤدي إلى كسر السندان والمطرقة معا 

إنه من غير المنصف أن تتحمل فئة واحدة من المسلمين مسؤولية تصحيح وضع شائن شارك في نشوئه كل المسلمين، وأن تدفع هذه الفئة وحدها ثمن خيانة الآخرين، دما غزيرا، وتضحيات من حياة الشباب. لكن ما يحق للسيد نصرالله أن يؤمل به نفسه ومقاتليه من خير على المدى القصير والطويل معا هو أنه بهذه الأخلاقية العالية في الترفع عن الطائفية البغيضة، والتمسك بالقضية الأساسية لهذه الأمة، يقف على أرض صلبة، ويكسب قلوب مئات الملايين من المسلمين غير الشيعة، بل وحتى قلوب غير ذوي الميول الدينية، أو المذهبية، ككاتب هذه السطور. يقينا، إن هذه الملايين لن تقول له: إذهبا أنت والشيعة وقاتلا ونحن ها هنا متفرجون! لا وجود في هذا العالم لأمة تحب العار  







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز