نزيه عودة
olgalialina@gmail.com
Blog Contributor since:
18 April 2012



Arab Times Blogs
التزييف: جوهر السياسة الدولية المعاصرة (2)

 

سسايكس - بيكو: السقوط في الوهم

 لم تختف يوماً أطماع الدول الإستعمارية في الوطن العربي وكانت السياسات المعلنة تختلف جذرياً عما يحاك وراء كواليس السياسة الدولية والأمثلة أكثر من أن تحصى ولعل أشهرها ما يعرف بإتفاقية سايكس – بيكو التي ساهمت بشكل أساسي في تقسيم القسم الآسيوي من الوطن العربي إلى كائنات مستحدثة رسخت حدودها في قرارات دولية لاحقة.

كان المشرق العربي حتى العقد الثاني من القرن العشرين يرزح تحت نير الإحتلال العثماني الذي استمر قرابة الأربعة قرون ساد فيها الجمود والتخلف حيث كانت سياسة دولة الخلافة تقتصر على استغلال الموارد الطبيعية والبشرية وكان الهم الأول للسلاطين والولاة اقتطاع الأراضي وتوزيع القرى والولايات على المقربين من الباب العالي وعلى الوجهاء المحليين لإستمالتهم لسياساتها بينما كان المواطن الفقير مستعبداً لدى الإقطاعيين محروماً من أبسط سبل العيش الكريم. ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى وازدياد السخط الشعبي من تجنيد العرب وسوقهم ليحاربوا في جيوش العثمانيين في حروب لا ناقة للعرب فيها ولا جمل، بدأت تتنامى الرغبة في التخلص من الإحتلال العثماني مع ظهور وازدياد نشاط المفكرين العرب الذين وضعوا حجر الأساس للفكر القومي العربي وتأسست أحزاب وجمعيات سياسية تنادي بالتحرر وإنشاء الدولة العربية الواحدة.

وجدت بريطانيا في تطلعات العرب إلى الإستقلال عن الخلافة العثمانية فرصة ثمينة لتحريضهم على الثورة ضد الأتراك مقابل وعود بإنشاء دولة عربية على كامل القسم الآسيوي من الوطن العربي. وكانت مراسلات حسين بن علي شريف مكة مع السير هنري مكماهون المندوب السامي البريطاني في مصر (1915 – 1916) تدور حول ذلك حيث وعد مكماهون الشريف حسين بأن بريطانيا ستعترف بالدولة العربية فور إعلانها بشرط أن يشارك العرب في الحرب ضد الدولة العثمانية فكانت أكبر خديعة وقع فيها العرب. ففي نفس الوقت الذي كان يقطع فيه مكماهون الوعود ويقدم الضمانات للشريف حسين كانت فرنسا وبريطانيا تديران محادثات سرية في نفس الفترة (1915 -1916) أفضت فيما بعد إلى إتفاقية عرفت بإسم سايكس – بيكو (مارك سايكس البريطاني و جورج بيكو الفرنسي).

نفذ العرب كل ما وعد به الشريف حسين وحاربوا مع الإنكليز ضد الأتراك بين 1916 و 1919 واستطاعوا طرد الأتراك من الأراضي العربية وانتظروا من بريطانيا تنفيذ وعودها لكن عوضاً عن ذلك تكشفت مخططات الدولتين الإستعماريتين فرنسا وبريطانيا لتقسيم الأراضي العربية إلى مناطق نفوذ بينهما وضرب عرض الحائط بكل الوعود المقطوعة للشريف حسين الذي وقع والعرب من ورائه فريسة لخديعة استعمارية لا تزال آثارها الكارثية ملموسة في تقسيم الأمة وتفتيت الأرض والجغرافيا حتى يومنا هذا.

كانت سياسات الدول المهيمنة على العالم آنذاك ميكيافيلية بإمتياز وكانت كل الوسائل حتى القذرة منها مقبولة طالما أنها توصل إلى الغاية المنشودة. فأضحى التزييف عنواناً واضحاً للسياسة الدولية وكان العرب من أكبر ضحاياها.

-يتبع-

نزيه عودة

كييف – 3/8/2013







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز