عمر أبوحسان
omar01@mail.ru
Blog Contributor since:
27 December 2009



Arab Times Blogs
جنود الشام

لا تعرف البشرية موضوعاً تاريخياً أشذ جاذبيةً و أكثر تشعباً و غزارة حركية من تاريخ بلاد الشام، و أرى من الضروري أن يكون للحديث عن بلادنا هذه قدسية لايمكن فصلها عن التأريخ العلمي . أعرف ان الكثيرين مستعدون للجدال في إمكانية دمج المعرفة المادية بالقدسية الروحية، ولكني لا أملك الحق وحسب في الدفاع عن وجهة نظري هذه، بل أملك القرائن المادية ذاتها، التي تبرهن على ضرورة اتباع هذا النهج عند الحديث عن حياة بلاد الشام، فالتاريخ هو جزء ماض من هذه الحياة ليس إلا، وهي -براهيني- كثيرة ، و يكفي أن أذكر ان الإنسان بحد ذاته ليس إلا تجسيداً لوحدة الروح والمادة في كيان واحد. وهذا البرهان يجبرنا ليس على -تقديم الجميل- لسوريا، بقدر ما هو أسلوب تفترضه حتى العلوم

ولهذا فإني لا أفهم قراءة تاريخ الشام إلا إذا كان في كل حرف من هذه الدراسات حياة وحركة و اندهاش وإلهام و خطوة إلى الأمام. بلاد الشام هي المنطقة الجغرافية الوحيدة في العالم، التي لايمكن لها ان تهدأ، لأنها قلب الجغرافيا الكونية، و مركز التعبير عن حياة البشرية. وقوع سوريا بين القارات الثلاث ، ليس ذنباً من ذنوبها! و هبوط الآلهة في بلاد الشام و ظهور الأنبياء والرسل والقديسين ليس عاراً يمكن لسوريا ان تحاسب عليه، إن إحترام العلم و قدسية الحياة البشرية يتطلب من شعوب العالم وضع سوريا في موضع المكان والزمان الممنوعين عن الأحاسيس المجردة

وعندما يقترب السوء ليصيب تلك الهالة العظيمة الشامية، فإن البشرية تكون قد أعلنت عن عفنها الغريزي البعيد عن أي عقل يمكن للإنسان ان يتميز به عن غيره من الموجودات في هذه الحياة. عندما يقترب السوء من الشام، فإن أفظع الجرائم -بعد هذا-، يمكن أعتبارها مجرد لهوٍ مرحلي لمجموعات بشرية فقدت الإنتماء للمفاهيم الإنسانية تحت نشوة سكرات الإستهلاك و المجون و ترف السارقين. هناك حقائق لا تتغير ولا تتبدل، والذين يؤمنون بتلك الحقائق لايزيد عددهم على عدد العلماء الماديين الروحيين، هؤلاء الذين لا ينتجهم التاريخ إلا نادراً، وذلك اثناء معاركه مع شذوذ الطبيعة الذي لايمكن معرفة أسبابه -كونه شذوذ يحدث بفعل تراكمات دفينة مجهولة-و لايمكن التنبؤ بها. من يتبع هؤلاء العلماء أو يشعر بهم ولو سطحياً يؤمن بأن التاريخ البشري طويل، وان السنوات والقرون القليلة ليست إلا لحظات في عمر هذا التاريخ، وان القواعد المستنتجة من هذا الوعي هي القواعد الحقيقية التي تعرف ماهية التغيرات المادية والزمانية، و لو نظرنا للشام من خلال عيون هؤلاء العلماء، لوجدناها أكثر الكيانات البشرية حركة و أكثرها تقدماً، وأكثرها قبولها للمستقبل، واكثرها إبداعاً في محاكات المعنى الروحي للحياة بمفهومها الواسع

في الشام تولد الآلهة من الحركة، و تموت الآلهة -طويلاً- لتنهض من جديد.. حينما تموت آلهة الشام ينام الناس لأجيال ..بل تعالوا لنقول عكس هذا تماماً حينما تنام آلهة الشام يموت الناس أجيالاً كثيرة..بل تعالوا لنقول شيئا اصدق أو أقرب علمية : حينما يغيب الخير عن الشام فإن هذا يعني أن الآلهة والبشر في خصام . والخصام يعني الهجران والهجران يعني اللاوجود -هناوالآن- ولا نعرف إن كان بالإمكان البحث عن وجود -فيما بعد وهناك -! أحد أصدقائي المستشرقين قال لي ذات مرة: انت مجنون يا عمر! أنت عابث، انت مجرم ، ولكنه حينما رأى حاجبي وقد أرتفعا و كُلُّهما إرادة بالإنخفاض، ضحك ..-وللعلم فإن العلماء يضحكون كالأطفال تماما- وتابع : انت إبن المنطقة المقدسة .. وعليك ان تكون أطهر من الآخرين

 ولكن الطهارة التي يجب ان تتحلى بها ليست تلك التي يبحث عنها من أتسخت حياته ، بل تلك التي تصدر في كل حرف وحركة و سكون لايمكن إنتاجه إلا في الأرواح و الأرواح لا يمكن رؤيتها ولا لمسها ولا سماعها ولا غير ذلك من الأحاسيس..و إنما يمكن الإنجذاب إليها دون سابق معرفة ولا تحضير. وتلك الأرواح هي مجموعة هائلة تحمل بلادك وبلادك تحملها ... سألت صديقي الرائع : وكيف أشرح للناس عنها: قال : لأن الشام بلاد الآلهة فإن الشام كانت و مازالت و ستبقى بلاد الجنود التي تعبر عن تلك الألهة..و كم في الشام جنوداً بين أزقتها المتواضعة، و حداثتها البسيطة و حدودها عاشقة الرقص التاريخي.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز