نارام سرجون
serjoonn@yahoo.com
Blog Contributor since:
25 April 2011

كاتب من سوريا

 More articles 


Arab Times Blogs
الكتاب السوري المقدس: أحاديث جرح نازف ضد جهاد الكذب

السادة القراء الكرام

لاشك أنكم تقدرون مسؤولية الكاتب الوطنية والانسانية والأخلاقية .. ولاشك أنكم تعرفون أن الكتابة ليست عرضا للأزياء وثياب الفصول .. وأنا أعرف أن القارئ المثقف يريد أن يقرأ كلاما لايشبه الكلام .. كلاما ليس مفصلا على مقاس أي قارئ وليس مصمما كما الثياب الحريرية البراقة ومعاطف النساء في دور الأزياء العالمية 

 الكتابة عمل يشبه عملية خلط جينات اللغة وجينات الحروف لتتزاوج وتنشأ حياة جديدة ووجوه غير مألوفة .. وحضارة تنسف ماقبلها من حضارات وتؤسس لما بعدها .. باختصار أن يكتب الكاتب مايجب عليه أن يكتب انطلاقا من حسه الانساني أولا ومن التزامه الأخلاقي والحضاري الانساني.. الكتابة أمانة كبيرة والكاتب رسول ينقل وحي قلبه وفكره .. والرسول بشر يخضع لما يخضع له البشر من تأثيرات وعواطف وانفعالات .. ورسالة الكاتب تكاد تشبه أعمال الانبياء والرسل ولاينقصها الا الروح القدس .. ماأروع نقل وحي القلب ان ساقه الكاتب بأمانة الرسول ونقاء النبي .. والا تحول الكاتب الى ممارسة جهاد الكذب الذي أبدع فيه ثوار العرب ومثقفو الحرية .. لأن الحرب خدعة كما يؤمنون .. والخدعة هي قلب الكذب .. فكان جهاد الكذب الذي اجترحوه كما أجترحوا جهاد النكاح .. نكاح النساء .. ونكاح اللغة .. ونكاح الأمانة

أنا لن أكون الا أنا .. ألمّع عيون الوطن وأصور بريقها وأقيس نبضه من شرايينه .. غير مكتلاث بكل مجاهدي الكذب من مثقفي العرب وسأتركهم يلمعون أحذية جنود الناتو ويغسلون أقدام أوباما وثيابه الداخلية بماء زمزم .. ويدلكون ظهر جون ماكين بمراهم من دمنا ودموعنا ويدون له كلما طافوا حول الكعبة .. ويكتبون له الرقى والتعاويذ من القرآن الكريم ليحفظه الله ذخرا للاسلام والمسلمين.. ويقرؤون آية الكرسي حوله كلما زاروه عله يوصلهم الى الكرسي الدنيوي .. فيستوون على العرش .. ولكن لم أقول هذا الكلام؟؟ أقوله لمن يطلب منا التريث في زفاف الشهداء حتى تصل تقارير وشهادات الوفاة من الطبيب الشرعي .. الذي هو تنسيقيات الجريمة المنظمة وسجل الثورة السورية الأسود .. ولكن 

 في حالة الحرب التي يعيشها بلدنا لايستطيع الانسان والكاتب الا أن يكون بشرا من لحم ودم وأعصاب .. وعندما يكون محاطا بأخبار المعارك وأسماء الشهداء ومواقع الانتصارات فانه في هذه الحالة لايمكن أن يشبه شخصا يحضر زفافا ليتحدث عن العرس والعريس وثوب العروس وطولها وأكاليل الورد ويتحدث عمن حضر وعمن غاب وعن كل من رقص وكل من بكى فرحا .. وكل الهدايا وأطواق الذهب وخواتم الماس .. ان ضغط الواجب الأخلاقي يجعل الكاتب لايقدر على أن يقف أمام حادثة واحدة من مئات الحوادث الملحمية التي يسطرها عسكريون سوريون لكي يتريث وينتظر اشارة الاقلاع بطائرته الشراعية .. ويحس أنه يتورط في الخيانة العظمى ان تأخر في وضع يده على الجرح الطازج كي يتحدث مع جرح نازف ويناجيه لينقل حرارة الدم الساخن والجرح المفتوح ويتنفس آخر أنفاس الشهداء .. الكتابة عن جرح بارد ودم تخثر واسودّ مهما كانت كتابة أنيقة فاخرة تبقى أشبه بالمومياء المصرية الملفوفة بأشرطة أنيقة .. وأقرب الى الخيانة .. ومغازلة عجوز محطمة .. ولذلك لاأريد ان أحس أنني أمارس الخيانة وأنا أمارس بروتوكولات أصحاب الياقات البيضاء والمراسم وطقوس دفن الموتى البطيئة بربطات العنق السوداء 

 فعندما يصلني صوت الجراح النازفة دما طازجا حارا يهتز قلبي خشوعا ولاأملك الا أن أعد نفسي لاستقبال هذا الزائر العظيم وصوته المقدس وأن اقدم له قرابين المحابر وأضاحي الأقلام .. لذلك فان من قال ان الكتاب الوطنيين يتعجلون بالصلاة على الضحايا والجثامين قبل معرفة أسباب الوفاة فانه يخوننا ويخونهم .. لأنني لن أتردد في السلام على الشهداء في ساعات وصولهم فجرا ..وفي ساعات وصولهم ليلا .. وساعات وصولهم عند الغسق والشفق..طالما أنهم ماتوا في ثياب الحرب وعلى ذمة الوطن .. وغير ذلك لايهمني شيء اننا لانكتب متعجلين لأننا نبحث عن أي نصر وقصص بطولة بل لأننا نخشى أن نكون مقصرين ونرتكب العار بالتريث في حمل النعوش بالكلمات وعلى أكتاف اللغة 

 ونخشى أن يتخلف عن الصلاة الألم .. ولايؤمها القلم .. اننا نخشى أن ننحدر الى الخيانة عندما نحفظ أسماء شهدائنا في الثلاجات الى أن ياتي تقرير الطبيب الشرعي عن اسباب الوفاة عبر تنسيقيات الجريمة والمجرمين .. نعم ايها السادة .. ان الكتابة عن الشهداء عمل عظيم . ولكنه صعب جدا ..ومقلق جدا .. وهو أصعب أنواع اللغات .. لأنك تنحت وجها من الماس .. وأنا عندما قررت تجهيز ملف عن قصص الأبطال المذهلة الموثقة فوجئت لأن بعض القصص لايكاد يصدق لشدة تفوقه على الخيال .. وكنت كلما حصلت على وثيقة أحس بالألم من شدة تقصيرنا في تكريم هؤلاء الأبطال أنصاف الآلهة .. بعض المذكرات لاتقدر عيوننا على قراءتها لأن عليها دما جف واختلط بالحبر القديم ..وبعضها مكتوب على ورق مشتت بخط من كان مرهقا لكنه مفعم بالحياة والانتظار والشعور بدنو الرحلة من نهايتها .. واحدى الرسائل الحميمة جدا في جيب أحد الأبطال الذين استشهدوا كانت مبللة بالعرق لأيام طويلة في الحر .. فذابت الحروف ورحلت الكلمات كما رحل صاحبها 

 لكن مابقي منها يقول للأحياء: هذه قطعة من الياذة ..وصاحبها هوميروس يرتدي زيا عسكريا مبرقعا .. على كتفه كتب: وطن ..شرف .. اخلاص هناك وصية لشهيد كتبها وخرقها الرصاص والشظايا .. ولم يبق منها كلمة واحدة الا تمزقت وفقدت ذراعا أو رأسا أو صدرا أو قلبا .. ولم تبق الا عبارة واحدة لم يمسسها رصاص أو شظية هي "يارب احفظ سورية" .. حتى في وصاياهم يكتبون عن سورية ويتوسلون للرب ان يحميها وان يشتري منهم دمهم .. ولذلك كتبت مقدمة لذلك الملف الذي أرتجف كلما دنوت منه وأتأمل صور الشهداء وهم يلوحون أو يرفعون شارات النصر أو يتعانقون .. ملف أحس أنه يشبه لوحة لدافنشي الذي كان يمضي سنوات لينجز لوحة .. لوحاتي أضيف عليها كل يوم لونا جديدا وملامح جديدة ولمعانا وخليطا من الأسرار في العيون والحدقات ليكون كتابا أسميه (الكتاب السوري المقدس) ..أو لوحة جدارية عملاقة في ساحة الأمويين تحمل وجوه من رحلوا أبطالا ملحميين وتحت كل صورة قصتها وقصة رحيل مهيب 

  لذلك كتبت مقدمة بعنوان (نهاية زمن غيفارا .. الرصاص يحط على سطح القمر) .. وهذا هو نص المقدمة الأصلي لكل الشهداء: سقطت اليوم أشهر صورة في التاريخ البشري وترجلت عن منصة أفضل لقطة في التاريخ ..وهي صورة الثائر الأممي الأشهر على الاطلاق تشي غيفارا واعتلت تلك المنصة صورة الثائر الأشهر "المحارب السوري" من كان يعتقد أن أبا الثوار ونبيهم وصاحب أشهر صورة في العالم ينسحب مندهشا ويترجل عن عرشه امام شباب سوريين ومحاربين لايقهرون .. غيفارا التقطت له صورة بلحيته القصيرة وبتلك البيريه ذات النجمة ومن تحتها يتدلى شعر مسبسب وفي العينين عبوس التحدي وهما ترقبان احتراق سفن الثوار في الميناء ..في صورته تحدّ لاتقهر ..لكن صاحبها لم يكن يواجه رصاصا ولاينظر الموت في أحداقه

أما تشي غيفارا السوري فانه يعرف أنه يراقب آخر ثواني العمر ولكنه كان يقول: هكذا يموت المحارب السوري.. الموناليزا نفسها سقطت وسقط ليوناردو دافنشي أمام نظرات هؤلاء المحاربين الشجعان التي ستحيّر الدنيا ..ماذا لو كان دافنشي حيا ويريد رسم تلك اللوحة البديعة ؟ كم عاما كان سيستغرق في تصوير عناق الأصابع للبنادق .. وقياس زوايا اليد وكم كان  سيعاني وهو لايدري ان كان يرسم أصابع أم صواري مراكب أم شجرا يناطح السحاب ..وأي مزيج لوني سيخترع لينقل تحدي العيون وكبرياء الروح.. ماهذا المحارب الشجاع !! وماهذا الموت العظيم !! حتى الموت ينحني له احتراما وحتى ملك الموت سيهتز تأثرا بهذه الشجاعة وسيدنو منه وجلا .. ولكن السماء ستحتفي بالأبطال .. والأرض ستعتذر للسماء لأنها قتلت بطلا لايليق به الموت الا في السماء.. ماهذا المحارب الشجاع وأي حليب أرضعته أمه ؟! ومن هو أبوه الذي يبدو انه لم يكن يطعمه خبزا بل قلوب الأسود .. ولم يكن يسقيه ماء بل يرويه من نبع ايمان لايشرب منه الا المسيح والحسين؟.. وكان بيته عش النسر .. من هم معلموه وأساتذته الذين لقنوه حروف الكبرياء وزرعوها بين حروف الفاتحة التي قرأها أول مرة..؟من هم أصدقاؤه الذين تشرفوا بمعرفته ونالتهم حظوة صحبته وشرب القهوة معه وكأس الشاي وابريق المتّة والسهرة معه والرحلات وصافحوه مئات المرات وبادلوه الضحكات ولحظات الاسى؟

من هم اخوته وأخواته الذين حلّقوا معه كسرب من البجع الأبيض؟ بل من هي حبيبته التي أحبها وأحبته؟ وكم هي محظوظة أن يحبها هذا النوع الاسطوري من الرجال وأن يعانقها أشجع رجل في العالم .. انني طفت الشرق وطفت الغرب ودخلت كل متاحف العالم ومتاحف الحروب .. من متاحف واشنطن الى متاحف ومعارض اللوحات العظيمة المرسومة بيد اعظم رسامي الانسانية في لندن وباريس وايطاليا ..ابتسامات هؤلاء المحاربين جعلتني أقف مبهورا مأخوذا لاأقدر على الكلام ولاسطوة لي على عيوني التي جفلت لأنني لم أر مثيلا لهذه اللوحات في حياتي كلها عند أية أمّة .. هنا رجال أمام الموت .. وبين أحدهم وبين الرصاصة يوم أو يومان .. ساعة أو ساعتان .. دقيقة أو دقيقتان .. ومع هذا يخصص آخر مافي أناء العمر من قطرات الحياة ليعلن سخريته وتحديه للرصاص ..ولكني أجزم أن الرصاص الذي سافر اليه كان خائفا من قسوة وصلابة صدر هذا البطل والصدام معه..وأجزم يقينا أن الرصاص كان أيضا يحس بالفخر أنه سيدفن في ذلك القلب الفولاذي الموشى بالذهب .. ولأنه كان أول رصاص على الأرض يسافر ويحط على سطح القمر

بعد كل هذه المحاولات لقهر الانسان السوري فان هذه الصور والمذكرات لو عرضت على أوباما لهزته بعنفوانها ولرجف منها عتاة ايباك ولاأشك أن حلق نتناهو سيجف وأن جبين أردوغان سيتصبب عرقا وسترتعش صيحاته.. بعد كل هذا العنف الثوري والتهديد لايبدو احد خائفا .. وهذه المذكرات والرسائل المقدسة ستحرق أعصاب العواصم وتجعل كل مؤتمرات أصدقاء الشعب السوري مؤتمرات سخيفة لتناول الكعك الفرنسي والقهوة التركية .. لأن الأصابع التي تعانق البنادق هي أصابع شعب نحت الحجر بهما وكتب الحروف المسمارية للبشر والحضارة.. تخيلوا لو أن هؤلاء الشجعان كانوا امريكيين كم فيلما عنهم سيرى العالم وكم نصبا تذكاريا سيرتفع لايديهم وخوذاتهم ..وكم ستغزو رسمومهم قمصان الشباب ووشوم الأجساد 

 تخيلوا لو كانوا بريطانيين كم سيمفونية ستخلدهم وكم نقشا لهم سيطبع على أعمدة الطرف الأغر وعلى عمود الأميرال نيلسون..ولو كانوا فرنسيين كيف سينصبون ملوكا على جدران متحف اللوفر هؤلاء الملوك غير المنصبين يخجلونني من نفسي كثيرا ويجعلونني أحس كم أصابعي قصيرة وكم هي مبتورة امام هامات عالية كناطحات السحاب .. وكم ستتعب عيوني وهي تنظر للأعالي والذرى الشاهقات في قاماتهم الناهضة ..وكم ستتعب عنقي وهي تشرئب لترى كيف ترفع الرؤوس السماء.. لكن كم جعلني هؤلاء الأبطال أحس أنهم أشرب الخيلاء والاعتداد بالذات وصار من دواعي الفخر انني أحمل جواز سفر سوريا وهوية شعب ينجب محاربا كمحاربينا بعد ان أذلنا الثورجيون في معسكرات اللجوء التركية والاردنية وجولات التسول والذل والشحادة ورحلات البكاء والاستجداء بين العواصم وبيع النساء كالاماء والجواري للنكاح والاخصاب

كم حطم هذا الجيل الرائع النقي البطل أصناما وكم كشف لنا معنى بريق الماس المخبأ والفرق بينه وبين بريق القصدير لمثقفين وأقزام نفخناهم فطاروا كالمناطيد التي يملأها الهواء الساخن والهراء الثوري .. فنانون ومغنون ورسامون ورسامو كاريكاتير ومفكرو الهراء والبغاء ومثقفو النكاح يبدون لي الان كالطبول الافريقية والمناطيد التي هوت بالوناتها وتمددت على الارض بلا حراك .. كلهم تسرب الهواء من عيونهم ومؤخراتهم وسقطت المناطيد والبالونات المنفوخة لعشرات المثقفين عندما ارتفعت قامات أعلى أشجارنا حتى الغيوم ..كل بطل صار شجرة عملاقة خرافية ..







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز