نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
مواجع إعلامية سورية

لا يتناطح عنزان، ولا يختلف اثنان بشأن الواقع المر والأسود للإعلام السوري، الذي فضحه، وأفرزه الحدث السوري. هو الآن إعلام أزمة، بكل المقاييس، وتجاوزه لبعض البروتوكولات الشكلية والتقليدية، لا يعني حدوث ثورة في أوساطه كما يحاول البعض تصوير ذلك، عبر ما نراه اليوم، من بعض التجاوز لبعض التابوهات الإعلامية التي كانت مقدسة في زمن ما، والسبب في ذلك، التجاوز، ليس شفافية وإبداع هذا الإعلام، بل لأن ثورة المعلومة، طــبـّعت هذه المعلومة ولم تعد تجعل لها تلك الحساسية التي كانت تثيرها في زمن الانغلاق والحصار

  إحدى أهم أرزاء وبلاوي ومصائب الإعلام السوري التاريخية، بالدرجة الأولى، هي أنه إعلام عابس، "مكشر" مكفهر مصاب بالاكتئاب فنادراً ما ترى رموز الإعلام في وضع الابتسام. هو حزبي تعبوي مغلق مؤدلج أحادي اللون والهوي، يروج لإيديولوجيا سلفية بائدة وفاقدة الصلاحية بعينها ويحاول فرضها على مجتمع متعدد ومتنوع، لذا ينفر بعض المستهدفين منه جراء عملية الغزو والتطهير الثقافي والإيديولوجي الذي يطالهم ويبتعدون عنه وهم ليسوا بقلة في المجتمع السوري

 وشكـّل طغيان الهوية والإيديولوجيا القومية البعثية العروبية العنصرية البدوية السلفية عليه، في مجتمع متعدد الأمزجة والأهواء والأذواق والانتماءات، واحدة من أهم الأعباء والأثقال التي حالت دون تقدمه وحيازته على جمهور وثقة متابعين. ولا زال حتى اليوم، وبرغم كل ما حصل ومن الإرث وحجم التورط العربي الرسمي والشعبي (قطعان المرتزقة والإرهابيين العربان) بالدم السوري، يطنطن، ويدندن، ويتغزل بأعراب الصحراء وتجربتهم التاريخية "الفريدة" في تدمير القيم والحضارات والمنطقة وشعوبها، وهذا ما يطلق عليه ويسمونه بالفكر القومي أو الاتجاه القومي العروبي الذي يسيطر على رؤوس وقلوب دهاقنة هذا الإعلام التعبوي السلفي، مستفزين كل مشاعر ضحايا المعتدين البرابرة الهمج الأعراب

  كما يلعب غياب المؤسساتية وانعدام القيم المهنية والتنافسية دوراً هاماً في فشل وعدم نجاح هذا الإعلام وتبوئه لمكانة مرموقة في العالم، إذ تكفي إشارة أو إيماءة من "مرجع" نافذ لرفع عامل بوفيه، مثلاً، أو ملاكم سابق بوزن الذبابة ليتقدم الصفوف والواجهات الإعلامية، ويحتل الشاشات، ويصبح ناقداً ومحللاً استراتيجياً وكاتباً صميدعياً، من الطراز الفذ والممتاز، وكل "الذي منه"، وكل ما أنزلت الطبيعة بالبشر من مواهب ونبوغ وعبقرية وبركات وذكاء. عدم وجود مرجعية إعلامية مهنية رصينة وخبيرة بالشأن الإعلامي، هو الآخر وراء تعثر هذا الإعلام وتخبطه، مع انعدام تقاليد إعلامية محترمة، أو هيئات اعتبارية أو شخصية وازنة وفاعلة، ذات تاريخ إعلامي عريق، للتعاطي والعمل والتنسيق معها للارتقاء بالإعلام السوري نحو العالمية وتخليصه من الرواسب والشوائب الستالينية والمتحجرة والنمطية الشمولية البالية التي ذاب بها وأصبحت تميـّزه

 لقد كان هناك عملية خلط بين السياسي والإعلامي على الدوام، ولا تكاد في أحايين كثيرة تفرق بينهما، ومعظم رموز الإعلام السوري الحاليين، ومن يقف وراءهم، ويديرهم، و"يدعمهم، ويقدمهم للرأي العام، من وراء "الستار"، جلهم من خلفيات سياسية وليست إعلامية مهنية، وهي من بين عوامل كثيرة لا يتيح المجال لذكرها، تربك أداء وعمل وارتقاء هذا الإعلام وساهمت في وضعه البائس الحزين. فالنجوم تولد، وتنفطر، هكذا في الطبيعة، وتتلألأ في السماء من ذاتها، ولا تصنع في مخابر "الأجهزة"، وواسطة وتوصيات الخليلات والخلان

 وتبقى ظواهر المرتزقة العرب، وهمروجة السبايدر مان الغلام المصري غريب الأطوار وصاحب التاريخ الشخصي المريب، دخلت التاريخ الأسود الحافل لهذا الإعلام، وكانت واحدة من أعاجيب وأفانين هذا الإعلام الكبرى، ومن أكبر التشوهات والخبطات الفاشلة في تاريخه والذي يبدو كمن يبحث عن شرعية مفقودة يستحلبها من أي كان، ومن أي مكان، في الوقت الذي يمسخ ويقصي فيه الشخصية الوطنية، ويحطمـّها، ولا يعيرها أي اهتمام

  ولأن البعض يريده إعلاماً "من قريبه"، لا يهش ولا ينش ولا يقول أي شيء، لا يوقظ نائماً، ولا يزعج مستيقظاً، فالشح، والضن، والبخل، و"الكحتنة" المخجلة والفقر المادي والإفلاس بكل ما للكلمة من معنى، كانت من أهم الأسباب، التي تقف وراء بؤس وتواضع هذا الإعلام، وما يصرف أحياناً لبعض الإعلاميين والكتاب عن نشاطات إعلامية وصحفية مخجل ومشين ومربك ومحرج للجميع في الوقت الذي يتمتع فيه بعض الجهلة وشبه الأميين من عديمي المواهب والإمكانيات، ولقاء مهمات غير إعلامية وغير إبداعية، أحياناً، ما يخلق حالات من الإحباط والإحجام والسلبية وتتسبب بعملياتنزوح جماعي إلى خارج هذا القطاع، نقول يرفلون ويتمتعون بميزانيات ومزايا وعطايا لا يحلم بها أمراء في مكان آخر من سطح الكوكب

 فالميزانيات الخرافية، والصرف السخي على الإعلام وصنع نجوم الإعلام هو ما يجعل هذا الإعلام أو ذاك ناجحاً وقادراً على المنافسة والوصول إلى كل مكان في العالم، والاستحواذ على ثقة وقلب المتابع، وإيصال الرسائل الإعلامية و"كشف التضليل"، مع معايير أخرى، غير ملموسة(1)، Intangible Criteria لا تقل أهمية كالشفافية، والمصداقية، واحترام عقل المتابع والمشاهد. وأرجو ألا يتفاصحن أحد ما، بالقول إن الإعلام السوري هو وراء هذا النصر السوري العظيم الذي نعتز به جميعاً ونفخر به وبجنودنا، وأبطال جيشنا الوطني الباسل، مع جملة من العوامل الجيوسياسية، والاستراتيجية الأخرى التي توجت هذا الانتصار، ويأتي الإعلامي في ذيلها بكل أسف، لأنه من خلال تعاملي واتصالاتي العابرة ببعض ممن يدير عجلات الإعلام ويحركها، ويصنع النجوم الإعلامية، اكتشفت أن لا علاقة لهم بشيء اسمه إعلام أو رسالة إعلامية، وتشكل الأمية الإعلامية إحدى أهم سماتهم، فهم بعيدون عن التكنولوجيا الإليكترونية أولاً، التي تشكل عصب الإعلام المعاصر، لا يملكون تصوراً لوظيفة ودور الإعلام وأهميته في الحياة المعاصرة وقدرته على صنع الحدث

 فسيادة العلاقات والقيم الوراثية والأبوية الشخصية والاستزلام والتبعية والشللية والمافيوزية وطغيان مبدأ النفعية والقبائلية والعشائرية والمحلية والمناطقية المغلقة كلها شوائب تطغى على وجه هذا الإعلام وتلوثه وتجعل منه إعلاماً متخلفاً غير قابل للحياة وغير قادر على مواكبة واللحاق بركب الإعلام العالمي الذي يصنع الرأي العام ويسيطر عليه، وبات أهم من وزارات الدفاع والاقتصاد

 ثم تقف مومياءات الإعلام الرسمي السوري، وراء تدهور شعبية هذا الإعلام مع رموزها الدهرية التي تأبى التنحي والتقاعد وتتحدى قوانين البقاء والطبيعة، و التي ينفخ في صورها، عقداً بعد آخر، وتجرى لها عمليات الإنعاش، ووضع أنابيب الأوكسجين لها، وبعثها من أجداثها المنسية ومحاولة إعادتها للحياة، استذكاراً لتلك الأيام الخوالي، وحنيناً لها، ووفاء لمن صنع هذه الكارثة، وهذه المأساة

(1)- تلعب المعايير والإمكانيات غير الملموسة، والمحسوسة، وفق أكاديميين واقتصاديين وعلماء اجتماع كبار، وهي أشياء كالسمعة، والخبرة، والمصداقية، والأداء، دوراً رئيسياً في إنجاح أي مشروع وعمل، وأكثر من الإمكانيات المادية الملموسة والمحسوسة الـTangible.، كالبناء، والأجهزة، والمعدات، والتجهيزات الأخرى، ومهما كانت خرافية وهذا لا يتناقض مع ما ورد في المقال عن بخل وشح وهزال الإمكانيات المادية وما أروع أن يجتمع العاملان







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز