د. عمر ظاهر
omardhahir@yahoo.dk
Blog Contributor since:
22 October 2011

كاتب واستاذ جامعي من العراق مقيم في اوروبا

 More articles 


Arab Times Blogs
حول القرضاوي .. هل تحارب أمريكا الإرهاب فعلا


 لو ألقينا نظرة بسيطة إلى الوراء نرى أن ما أسمته الولايات المتحدة بـالحرب على الإرهاب بدأت عمليا بعشر سنوات قبل أحداث الحادي عشر من أيلول عام 2001، وتحديدا يوم بدأت الولايات المتحدة بمطاردة "الشبح" أسامة بن لادن، فاضطر الأخير إلى الهرب من السودان. ونظرة بسيطة أخرى تكشف لنا أن العقدين الماضيين لم يكونا فترة محاربة الإرهاب بقدر ما كانا في الحقيقة فترة صناعة الإرهاب في العالم، وجعله قوة فاعلة في حياة المجتمعات الإنسانية، الغربية منها قبل غيرها، إذ أصبح الخوف من الإرهاب هاجس هذه المجتمعات التي تجد نفسها يوما بعد يوم تتنازل، خوفا من الإرهاب، عن المزيد والمزيد من حرياتها الديمقراطية، وحقوق مواطنيها الشخصية التي اكتسبوها بكفاح مرير عبر ما لا يقل عن قرنين من الزمن، بل إن كرامة الإنسان في الغرب، قبل الشرق، صارت تنتهك بشكل فظ من خلال الأنظمة التي وضعت للتجسس على الحياة الشخصية لهذا الإنسان، وعلى نشاطاته الإجتماعية قبل السياسية

 ومن يتابع قضية الشاب الأمريكي إدوارد سنودان وكشفه عن عمليات التجسس الشاملة التي تقوم بها الإستخبارات الأمريكية في العالم كله وعلى المواطنين الأمريكيين بالذات يعرف أن حجم إنتهاك الحقوق لم يعد مقتصرا على ما يتعرض له المواطن من مضايقات في المطارات، ومراقبة في الأسواق والمرافق العامة، بل إن الأقمار الإصطناعية تراقبه في كلّ مكان حتى في بيته إنها ممارسة للإرهاب بحجة محاربة الإرهاب

وخارج نطاق الأمن الغربي نرى أن الولايات المتحدة استخدمت  شعار الحرب على الإرهاب لإرهاب شعوب بأكملها، وشن الحرب عليها، وغزو بلدانها، وتقتيلها، ونهب خيراتها. وليس هذا وحسب بل إنها مهدت لسيطرة الإرهاب والإرهابيين على مناطق عديدة في العالم، وسهلت ذلك بدعم مباشر، ففي العراق، الذي لم يكن يعرف الإرهاب قبل "الحرب على الإرهاب"، صار للحركة الوهابية السعودية، وهي المصنع الوحيد لإنتاج الإرهاب الجماعي في العالم، موطئ قدم، وسطوة، وساحة عمليات للقتل الجماعي العبثي وكذلك الحال في سورية، وفي ليبيا، والحبل على الجرار

كثيرة هي الأمور التي تجعل المراقب للوضع في العالم يميل إلى الإعتقاد بأن الولايات المتحدة في الحقيقة تصنع الإرهاب ولا تحاربه. وهي في هذا تقوم بصنع رموز للإرهاب تطاردها بطريقة سينمائية، وفي حرب إفتراضية لا غير، وتقتلها بعد أن تكون قد أتاحت لها كل الوقت والفرص لتوسيع ساحة الإرهاب. كم إرهابيا قتلت الولايات المتحدة في السنوات العشرين الماضية، أو إعتقلتهم، أو احتفظت بهم في سجونها السرية وفي غوانتانامو؟ عشرات فقط، أو مئات. ولكن كم من مئات الآلاف من الأبرياء قتلتهم بنفسها أو أتاحت للإرهابيين قتلهم في العراق، وفي سورية، وليبيا، وأفغانستان، وغيرها؟

على أن أوضح دليل على أن الولايات المتحدة لا تحارب الإرهاب بل تصنعه، هو أن الولايات المتحدة في الوقت الذي تضع ملايين الدولارات على رأس رمز من رموز الإرهاب مثل أيمن الظواهري (ولا أحد يصدق أن الإستخبارات الأمريكية لا تعرف مخبأ الظواهري)، تراها تغض الطرف عن إرهابيين أشد خطرا من الظواهري، وتتركهم يتنقلون بكل حرية من وليمة إلى أخرى، ومن مخدع للقاصرات إلى غيره، ويمارسون الإرهاب علانية، دون أن تحرك ساكنا ضدهم

 وكمثال على ذلك تغاضيها عمن بات واضحا أنه الأب الروحي لجبهة النصرة، والمنظّر الأيديولوجي لها، الإرهابي المصري الأصل، القطري الجنسية والإسرائيلي الهوى يوسف القرضاوي

 إن أي محلل رصين لظاهرة الإرهاب في العالم يمكنه أن يقول ببساطة إن يوسف القرضاوي إرهابي يتولى شؤون الجانب الأيديولوجي لتنظيم النصرة الذي وضعته أمريكا على قائمة التنظيمات الإرهابية، وهو يحض على الإرهاب، وعلى قتل الأطفال في سورية وفي العالم الإسلامي دون توقف، تماما على عكس أي رجل دين حقيقي يحض على إطعام المساكين والفقراء، وعلى الإخاء والعدالة والمساواة. أم أن تعريف الإرهابي في القاموس الأمريكي لا ينطبق على يوسف القرضاوي، فهو لم يهرب بعد ليسكن في المغاور في جبال أفغانستان، بل يتنعم بملايين الدولارات من أعطيات الشيوخ الخليجيين؟ ويظهر علانية كل يوم جمعة ليلقي المواعظ في قتل الناس، وإرهاب الآمنين بحجة أنهم ينتمون إلى أقليات دينية أو مذهبية؟

التحريض على قتل المدنيين هو إرهاب، ويوسف القرضاوي لا يتردد عن التحريض على قتل من يسميهم بـمئة مليون شيعي في العالم دون أن يكلف نفسه بقول عبارة واحدة تميز بين المدني وغير المدني، بين الطفل أو المرأة وبين المقاتل المفترض في صفوف هؤلاء المئة مليون

 إنه يطلق التحريض بعد التحريض ضد مئة مليون إنسان يتدرجون من الطفل الرضيع إلى الشيخ العاجز، وليس مئة مليون مقاتل، وذنبهم الوحيد هو أنهم لا ينتمون إلى طائفته الدينية. ما هو الإرهاب إن لم يكن هذا؟ وإذا كان القرضاوي يحرض على قتل الناس الذين يشاركونه الدين، ويختلفون معه في المذهب فقط، فما هو موقفه الحقيقي من الناس الذين يختلفون معه في الدين أصلا؟ ما هو موقفه من المسيحيين، واليهود، والبوذيين، وغيرهم؟ إنه إرهابي مريض العقل، وسقيم النفس، وميال إلى القتل بشكل مقزز

ثم إن خبراء الإرهاب الأمريكان يعرفون حق المعرفة أن أيمن الظواهري حين يتوجه بالحديث المهرّب بين الفينة والأخرى فإنه يتوجه به إلى التنظيمات الإرهابية الخاضعة له، أما القرضاوي فهو يخاطب علانية، وبكل حرية، ألف وسبعمئة مليون إنسان ينتمون، حسب زعمه، إلى طائفته، ويحدثهم ليل نهار، وخاصة أيام الجمعة مستخدما، وبشكل إنتقائي، كتاب الإسلام المقدس لإقتباس الحجج لإقناع الشباب بإرتكاب الإرهاب. الظواهري يتحدث فقط إلى الذين انخرطوا في الإرهاب، بينما القرضاوي يخاطب كل من له عاطفة دينية، ويحاول أن يقنعه بضرورة الإرهاب لنشر الفكر الديني المتطرف، فهو بهذا يجنّد بكل همة ونشاط الإرهابيين الذين تزعم أمريكا أنها تحاربهم

يقول أحد القادة الأمريكان إن التجسس على اتصالات الناس التلفونية، وعلى الإنترنيت ساعد في السنوات الأخيرة على إحباط 54 محاولة إرهابية. إذا كان الأمر كذلك فمعظم المواطنين في المجتمعات الغربية، وكاتب هذه السطور واحد منهم، لا يمانعون في قيام الإستخبارات بمراقبة تلفوناتهم وبريدهم الإلكتروني! بل نقول أحيانا "يا حبذا لو تراقب الـ سي آي أي، أو الإف بي آي، أو الـ( بت ) الدنماركية بريدنا الإلكتروني، فوالله سيقتنصون فرائس دسمة، فهناك إرهابيون يتخذون هذه الوسائل لممارسة الإرهاب ضد الناس المسالمين"، إذ ننظر إلى المعادلة هكذا: إنتهاك لخصوصياتنا مقابل توفير الأمن لنا، سنكسب، فنحن لا نرتكب "المعاصي"، ونستطيع أن نتحكم قدر الإمكان بما يتسرب من حياتنا الخاصة إلى وسائل الاتصال هذه (يا إلهي كيف؟). ولكن أن نسمح بذلك ومع هذا لا يتوفر لنا الأمن، فهذه صفقة خاسرة. صفقة خاسرة، لأن القرضاوي يخاطب رؤوسا يعرفها لأناس لا يعقلون، ونفوسا أمّارة بالسوء يخاطب الجانب الفاجر منها. أما الرقابة الأمريكية فعشوائية، ومن المشكوك فيه أنها تقصد تصيد الإرهابيين

لن نصدق بأن أمريكا تحارب الإرهاب حتى نراها، مثلا، تُخرس صوت الإرهابي يوسف القرضاوي قبل أن يُخرسه الموت، فطالما صوته الصدئ يخدش أذن الحضارة فإن المحاولات الإرهابية لن تتوقف عند الـ 54 أو الـ 540، فالقرضاوي يجند إرهابيين كل يوم، رغم تجسس الأمريكان على الناس. لماذا لا يعتقل الأمريكيون القرضاوي مجانا، وهو يمارس الإرهاب على المكشوف، وتحت أنظارهم، وعلى مبعدة خطوة من قواعدهم في قطر؟ لا جواب، اللهم إلا إذا كان القرضاوي، كما قلنا من قبل، إيلي كوهين آخر من بين مَهماته مساعدة أمريكا في صناعة الإرهاب
 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز