د. عمر ظاهر
omardhahir@yahoo.dk
Blog Contributor since:
22 October 2011

كاتب واستاذ جامعي من العراق مقيم في اوروبا

 More articles 


Arab Times Blogs
للقرضاوي معجبون ولله في خلقه شؤون

 

قدّم الرجل نفسه إليّ تحت مسمى غاية في الغرابة. انشغل رأسي لجزء من الثانية في التفكير بمعنى هذا التغريب في الإسم الوهمي أو المستعار، وبالأسماء، وبالمعرفة. أنا أعرف هذا الرجل، ولكنه ربما لا يعرف أني أعرفه، ولهذا قدّم نفسه إليّ بإسم مستعار غريب. قلت له "معذرة لم التقط إسمك الكريم بالضبط"، فردّ عليّ مكررا "موي أداير" هذا هو إسمي.

 

ابتسمت إبتسامة خفيفة، وقلت في نفسي "ربما جنّ المسكين .. على الآخر". تذكرت أن أحد الرؤساء الأفارقة كان إسمه "عرب موي"، لكن الرجل أمامي ليس إفريقيا، بل أنا أعرفه حق المعرفة، إنه عراقي. فلماذا يقدم نفسه إليّ بإسم إفريقي! قلت له "تفضل"!، فقال "هما كلمتان فقط. إياك أن توجه مرة أخرى إهانة إلى علمائنا"، فتأملت في تقاطيع وجهه لبرهة، ثم سألته ببرود: "علماء؟ أي علماء؟" فقال:

 

"فعلتَ ذلك مرتين خلال أسبوع واحد، أولا العريفي ثم الشيخ القرضاوي .."، وتمتم بعبارة غامضة، ربما كانت شيئا من قبيل استنزال الرضى على القرضاوي، فقلت: "حاشى لله. أنا لا أهين عالما. أنا أبديت غضبي وحسب على عجوز فاجر يحرّض المسلمين على التحارب فيما بينهم، وعلى شخص منحرف يفتي بجواز الدعارة في الإسلام .."، فقال: "اِحذر .. لا تُكمل، فهؤلاء شيوخنا"، فسارعت وسألته:

 

"أنت ترضى إذن بما يقوله القرضاوي .. ومستعد لتقتل إنسانا لمجرد أنه لا يتبع مذهبك؟"، فقال: "نعم، حين يفتي شيخ عالم بذلك"، فتمعنت في وجهه الكئيب، وقلت له: "وهل ترسل أمك، أو أختك، أو بنتك إلى جهاد المناكحة؟"، فرد بحزم "نعم. لأن هذا موجود في الشرع."

 

أصابني الذهول لهذه الصراحة، فكلهم يرون أن فتوى جهاد الدعارة تتعلق بكل النساء عدا نسائهم هم، وحتى المفتي السعودي الأجرب نفسه يرى أن فتواه تسري على التونسيات والعراقيات، ولكن ليس على نسائه هو. لكن ها هو أحدهم يقول بصراحة إنه لا يستثني أمه وأخته من فتوى جهاد الدعارة.

 

أطلقت زفرة عميقة تفضح عجزي ونفاد حجتي. وقلت في نفسي "إذن، هؤلاء حين يصدرون هذه الفتاوى الرخيصة فإنهم يلقون آذانا صاغية. وبمَ عساني أجادل من يصغي إليهم، ويتبع كلامهم؟ ليس أمامي إلا أن أقول: ولله في خلقه شؤون".

 

لكني، وبصراحة، شعرت في دواخلي بالإحترام إزاء صراحة الرجل فيما يتعلق بجهاد المناكحة أو الدعارة. إنه لا يمانع في أن يضع نساءه في خدمة فكره، وإن كان فكرا منحطا. لا بأس، علينا أن نحترم خيارات الناس، طبعا بشرط أن تكون خياراتهم لأنفسهم فقط، وان لا يحاولوا أن يفرضوها على الناس بإعتبارها خيارات سماوية موجودة في هذا الشرع أو ذاك، أو لأن شيخا أجرب يرى ذلك طريقا إلى الجنة. إن الشخص الوحيد الذي يمكن أن يعترض على أخلاقية موي أداير هو أمه، أو أخته، وبقية حريمه اللواتي يريد أن يرسلهن إلى الجهاد في سورية، إذ لا يجوز له لا شرعا ولا قانونا أن يجبرهن على البغاء – قوله تعالى {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ...} (النور: 33). ولكن يبدو من كلامه أنه واثق من أن حب هذا الجهاد قد تمكن من كل أهله، وتغلغل في عروقهم، وبهذا فإن الموضوع يدخل، في نظري، في باب الحريات الشخصية، ولا أحد يحق له منعه أو منعهن من ذلك. وليس لنا إلا أن نردد قوله تعالى {.. الطيبات للطيبين، والخبيثات للخبيثين ..}.

 

قلت للسيد موي أداير: "طيّب. أنت حر فيما تختار لنفسك، لكن هؤلاء .."، ولم يتركني أكمل، بل هزّ رأسه بكل صرامة، وقال: "حذار. لا تعدها وإلا ..". وعند هذا أثارني، فقلت له بصرامة أشد: "وإلا ماذا؟ تقطعون رأسي؟"، فقال بصفاقة منقطعة النظير: "لا. لا نقطع رأسك إكراما لإسمك .. وإن كنت لا تستحقه لأنك رافضي .."، وانصرف بسرعة. لا بد أنه كان يفكر بأني سأستنجد بالبوليس!

 

تابعت خطواته، وهو ينصرف. لو أني كنت سمعت هذا الكلام دون أن أرى قائله، وأعرفه، لظننته رجلا أهبلَ ملتحيا، يلبس ثوبا قصيرا، لكن. انظر. إنه شخص غير ملتح، ويرتدي ملابس غربية كأنه أمريكي من ولاية كولومبيا، وأعرف أنه يجيد الإنجليزية أيضا، لكنه يبدو وكأنه يهلوس. ذهب هو، وبقي صدى عبارته الأخيرة يتردد في أذني "إكراما لإسمك .. مع أنك لا تستحقه ..".

 

العرب لهم علاقة خاصة بالأسماء، فالإسم العربي فيه سياسة، وينطوي على تاريخ، ويكشف موقفا، وقد يتسبب في كره البعض لحامله، أو يعطيه جواز سفر إلى قلوب البعض الآخر. والإسم العربي جميل، وله إيقاع رائع، ويستقي معانيه من أعذب عيون اللغة. ومع هذا فإنه يحمل في ثنايا حروفه خطرا قاتلا. وا أسفاه، فالإسم المحروس من الخطر بين العرب والمسلمين في هذا العصر هو مردوخ، وشامير، وعزرا، وليفي، وأشكول، وما شابه. إن أصحاب مثل هذه الأسماء يتجولون في عواصم العرب والمسلمين بحرية وأمان، لا يحمّلهم أحد وزر أسمائهم. أما أسماؤنا الجميلة فقد صار هناك من يعتبرها أهدافا مشروعة للقتل، أو خناجر للغدر، ومخازن للحقد والكراهية، فيظن البعض أن من يحمل إسم عمر يجب أن يحمل خنجرا ويقتل كل من إسمه علي أو حسين. أنّى للإنسان أن يقتل نفسه؟ موي أداير كذاب، فإسمي لا يشفع لي عندهم، بل إن عقوبتي عند هؤلاء أكبر من عقوبة غيري لأنهم يرون أن كلامي أكثر وقعا في نفوس من يحبون عمر لأن إسمي عمر.

 

موي أداير (الإسم يضحكني، وله جرس عبري) لا يعرف أننا، هو وأنا، خلقان مختلفان، هو كائن أسلم أمره لمن يراهم شيوخا وعلماء، لو قال له أحدهم "اقتل من ليس من مذهبك"، فإنه سيفعل، وإن قال له شيخ آخر "عليك بنسائك أرسلهن إلى الجهاد ليتمرغن في الأوحال مع كل أفّاك أثيم" فإنه سيفعل ذلك أيضا، وهو يفعل ذلك ظنا منه أنه يخضع لشرع الله. إنه، إن لم يكن كذابا، فمجرد روبوت من دم ولحم، لا عقل في رأسه. بينما أنا في رأسي عقل محال قياده، لا أسلّمه إلا للحق، شيعيا كان أو سنيا، مسيحيا، أو يهوديا، أو مجوسيا أو بوذيا كان، أو مسلما، فالحق ليس ملك أتباع دين معين، ولكل طريقه إلى الله. وحين أؤمن بقصة آدم وحواء، فإني أرى كل إنسان، مهما ابتعدت أدياننا، ولغاتنا، وألواننا، أخا لي، أقربهم إليّ هو المظلوم، الضعيف، الفقير، المضطهد. وحتى هو، المسكين "موي أداير"، أخ لي، ننحدر في الأصل من نفس الأب، آدم، ونفس الأم، حواء، شاء ذلك أو أبى. قد يكون هو في حلقة ما في السلسلة ثمرة نوع من أنواع الجهاد. ثم ماذا؟ فطالما نفخ الله فيه روحا، فقد خلقه إنسانا، والإنسان يولد بريئا، وله كل ما لغيره من حقوق، حتى لو كان لقيطا (تعلمت في الديمقراطية أن هذه كلمة يجب أن تسقط من القاموس)، أو إبن جهاد المناكحة (يحب موي أداير أن يضيفها إلى القاموس). وكم من لقيط أشرف وأنبل ممن ينحدرون من سلالة ملوك كالتيوس الجرباء أياديهم ملطخة بدماء الأبرياء!

 

في البلدان الديمقراطية يعطون كل إنسان، ساعة ولادته، رقما شخصيا هو تاريخ ميلاده (ستة أرقام) مضافا إليه أربعة أرقام هو تسلسه في الولادات في ذلك اليوم - الرقم الفردي للذكر والزوجي للأنثى. وهذا الرقم الشخصي يغنيه حتى عن إسم أبيه، بل إن هذا الرقم هو هويته، وأداة تعريفه في كل التعاملات الرسمية، والقانونية، والإجتماعية، وليذهب ويعطي نفسه ما يشاء من أسماء. وموي أداير يعيش في بلد ديمقراطي! له أن يسمي نفسه ما يشاء، أداير، جون سميث أو حتى بيتر سكوت، مع أن له إسما عراقيا اقتطفه له أهله من رياض الأسماء العربية الجميلة! أنا لا أعيب عليه إلا شيئا واحدا، وهو أنه ناكر لجميل الله الذي أنعم عليه نعمة العقل والإرادة، فتخلى عنهما طواعية، وأسلم وجهه لشياطين جرباء يغوونه بفتاوى عصور الهمجية، ويسلبونه إنسانيته، ويجعلونه يتمرغ في أوحال الرذيلة بحجة الجهاد.

 

موي أداير! إنه يعرفني، أو من يدري فقد يكون يعرف إسمي وحسب. إنه لا يعرف أن الدين والمذهب لم يكونا في يوم من الأيام فيصلا في حياتي، فقد قاتلت مع الفيتناميين بكل جوارحي وأنا صبي دون أن أفكر أنهم بوذيون أو مسيحيون، وساندت شعب كوبا وهم مسيحيون، وساندت الأفارقة في جنوب إفريقيا، وفي أنغولا، وأعجبت بنيلسن مانديلا، وبباتريس لومومبا، وبجيفارا، مثلما أنا معجب الآن بحسن نصرالله. إن الإعجاب بالأبطال والنبلاء نزعة إنسانية لا يمكن لأحد أن يقتلعها من نفوس البشر. أنا لا أفكر بأديان الأبطال، وبمذاهبهم، بل بنبل أعمالهم، وقد قاتلت بالسلاح مع الأكراد في جبال كردستان لأنهم أصحاب حق، ودافعت عن البوسنيين المسلمين ضد الصرب حين كانوا يقتلونهم، ويغتصبون نساءهم، ثم رفعت صوتي أدافع عن الصرب المسيحيين حين قصفهم حلف الناتو، بل وعوقبت بشدة في بلد الديمقراطية حين قلت بأعلى صوتي إن قصف الناتو لصربيا عمل جبان. عمل جبان، ما زلت أكرر ذلك لأنهم تفرجوا في البداية على معاناة البوسنيين، وحرموهم حتى من أبسط وسائل الدفاع عن أنفسهم، ثم استخدموا جرائم جنرالات الصرب ضدهم ذريعة ليعاقبوا كل شعب صربيا، فقصفوه كما قصفوا العراقيين من قبل ومن بعد.

 

الدين! لكم دينكم ولي دين. أنا ديني هو دين الإنسان وحقوقه وكرامته. ولن يجمعني أي دين بالقرضاوي، والعريفي، والعرعور، والعبيكان، وموي أداير، وقتلة الأطفال! ليكن السيد موي أداير ما يشاء، أي شيء، ولكن ليبقَ إنسانا. ولو عاد إلى تهديدي فإني سأنصحه بسماع موسيقى أصدقاء "موي أداير" بدلا من الإستماع إلى نباح القرضاوي.

 

عجبت لأمرين في هذا الرجل وأسمائه، الأول أن هؤلاء الذين يتشدقون بالإسلام والجهاد، حين يريدون إغواء الشباب والتغرير بهم ليتبعوهم، فإنهم يعطون العصابات الإجرامية التي يشكلونها أسماء الصحابة والأولياء الصالحين، أو أسماء قدسية: كتيبة الفاروق، كتيبة فلان بن فلان، لواء التوحيد، إلخ. لكنهم حين يريدون التخفي والعدوان على الناس بجبن، يتخلون عن أسمائهم الجميلة المقتطفة من رياض العرب، ويختارون لأنفسهم أسماء ما أنزل الله بها من سلطان. والثاني، أنهم يظنون أن الأسماء الوهمية تسترهم فعلا، وتخفيهم، مثلما يظنون أن رسالة الكترونية بلا عنوان المرسِل تبقيهم فعلا بلا عنوان حتى في أعين التكنولوجيا الحديثة، مع أنها هي التي تمكنهم من ذلك.

 

هذا شيء من الضلال الذي يقع فيه من يتبع قاتلا آثما مثل القرضاوي، وداعرا فاجرا مثل العريفي! أما العراقي الأبيّ فيعرف الناس بشهامته، وكيف يتعامل مع حشرات من أمثال العريفي. لقد ظفر عراقي شهم به في لندن، وضربه بإسمنا جميعا بما يستحق حتى شبع، وارتج دماغه العفن! عقبال القرضاوي!







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز