حمدي السعيد سالم
h.s.saliem@gmail.com
Blog Contributor since:
04 September 2010

كاتب عربي من مصر
صحفى بجريدة الخبر العربية

 More articles 


Arab Times Blogs
فض الاشتباك حول قبر السيدة زينب

زينب بنت علي بن أبي طالب هي إحدى الشخصيات المهمة فى تاريخ المسلمين حيث أنها ابنة علي بن أبي طالب من زوجته فاطمة الزهراء بنت النبي محمد...لزينب منزلة خاصة بسبب دورها في معركة كربلاء التي قتل فيها أخوها الحسين بن علي بن أبي طالب، وعدد من أهل بيته.... هناك قولان في معنى كلمة زينب : الأول أن "زينب" كلمة مركبة من (زين) و(أب) .... أما الثاني فهو أن "زينب" كلمة بسيطة وليست مركبة، وهي اسم لشجرة أو وردة....وهذا ما صرح به مجد الدين الفيروزآبادي في القاموس المحيط، بقوله: ”الزَّيْنَبُ: نبات عشبيٌّ بصليّ معمّر من فصيلة النرجسيات، أزهاره جميلة بيضاء اللون فوّاحة العرف، وبه سُمِّيت المرأة“....تُكنى زينب بـ”أم الحسن“ و”أم كلثوم“.... ومن المشهور وجود بنتين لعلي بن أبي طالب من زوجته فاطمة الزهراء هما زينب، وأم كلثوم

جاء التعبير عن زينب في بعض المصادر التاريخية، وعلى لسان بعض الخطباء والمؤلفين بـ”العقيلة“، والعقيلة وصف لها وليس اسماً، فيقول أبو الفرج الأصفهاني: ”العقيلة هي التي روى ابن عباس عنها كلام فاطمة في فدك، فقال: حدثتنا عقيلتنا زينب بنت علي“....وللعقيلة معاني عديدة في اللغة، فمنها: المرأة الكريمة، والنفيسة، والمُخَدَّرة....ويقول ابن منظور في لسان العرب: ”عقيلة القوم: سيدهم، وعقيلة كل شيء: أكرمه“..... كما يقول الفيروزآبادي في القاموس المحيط: ”العَقِيلَةُ: الكريمة من النساء.... وعقيلة الرجل: زوجته، تستعمل في المواقف الرسمية بخاصة؛ وجَّه الرئيس وعقيلتُه الدعوةَ إلى رئيس الدولة الصديقة وعقيلته 

 لقد عُرفت بالعقيلة أو عقيلة بني هاشم لأنها كريمة قومها وعزيزة بيتها..... الجدير بالذكر انتشار عدد من الألقاب للسيدة زينب منها : زينب الكبرى، للفرق بينها وبين من سميت باسمها من أخواتها وكنيت بكنيتها... والحوراء وأم المصائب والغريبة والعالمة غير المعلمة والطاهرة وصاحبة الديوان( لأنها كانت تعقد جلسات للعلم بدارها في مصر كان يحضرها الوالى وكبار رجال الدولة) و السيدة وإذا قيل في مصر السيدة فقط عرفت انها السيدة زينب !!..اختلف المؤرخون في تحديد سنة وفاتها، وان كان الأرجح عند كثير من الباحثين أنها توفيت في سنة 62 هـ، لكن ذهب آخرون إلى أن وفاتها سنة 65 هـ، بالرغم من الاتفاق أن وفاتها كانت في يوم 15 رجب..... وذكر الكثير من المؤرخين وسير الأخبار بأنها توفيت ودفنت في دمشق

ورأي آخر على أنها دفنت في القاهرة مع انه لا يوجد أي كتاب مؤرخ لمزارات مصر يدل على وجود قبر لزينب في مصر بل دلت كثيرا على قبر السيدة نفيسة مثل الإمام الشافعي الذي زار قبر السيدة نفيسة ويرجح البعض إلى ان قبر السيدة زينب في القاهرة هو قبر السيدة زينب بنت يحيى المتوج بن الحسن الأنور بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب

وذكر النسابة العبيدلي في أخبار الزينبيات على ما حكاه عنه مؤلّف كتاب السيدة زينب: أنّ زينب الكبرى بعد رجوعها من أسر بني أميّة إلى المدينة أخذت تؤلّب الناس على يزيد بن معاوية، فخاف عمرو بن سعد الأشدق انتقاض الأمر، فكتب إلى يزيد بالحال، فأتاه كتاب يزيد يأمره بأن يفرّق بينها وبين الناس، فأمر الوالي بإخراجها من المدينة إلى حيث شاءت، فأبت الخروج من المدينة وقالت: لا أخرج وإن أهرقت دماؤنا، فقالت لها زينب بنت عقيل: يا ابنة عمّاه قد صدقنا الله وعده وأورثنا الأرض نتبوأ منها حيث نشاء، فطيبي نفساً وقرّي عيناً، وسيجزي الله الظالمين، أتريدين بعد هذا هواناً؟ ارحلي إلى بلد آمن، ثم اجتمع عليها نساء بني هاشم وتلطّفن معها في الكلام، فاختارت مصر، وخرج معها من نساء بني هاشم فاطمة ابنة الحسين وسكينة، فدخلت مصر لأيام بقيت من ذي الحجة، فاستقبلها الوالي مسلمة بن مخلد الأنصاري في جماعة معه، فأنزلها داره بالحمراء، فأقامت به أحد عشر شهراً وخمسة عشر يوماً،وتوفيت عشية يوم الأحد لخمسة عشر يوماً مضت من رجب سنة اثنتين وستين هجرية، ودفنت بمخدعها في دار مسلمة المستجدة بالحمراء القصوى، حيث بساتين عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري بالقاهرة فيما تشير روايات أخرى إلى أن عبد الله بن جعفر الطيار رحل من المدينة، وانتقل مع زينب إلى ضيعة كان يمتلكها قرب دمشق في قرية اسمها راوية وقد توفيت زينب في هذه القرية ودفنت في المرقد المعروف باسمها والمنطقة معروفة الآن بالسيدة زينب وهي من ضواحي دمشق !!...بينما كانت ولادتها في السنة الخامسة للهجرة، وفيها عاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من سفره، وأشرق بيت فاطمة بنت رسول الله بقدومه، واحتضن رسول الله الحفيدة وسمّاها زينب و كلمة زينب تعني أصل الشجرة الطيبة

كان أمير المؤمنين على بن أبى طالب يرد الطالبين بزواجها وعندما تقدم عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وهو الكفؤ لعقيلة بني هاشم الذي لُقب بـ(بحر الجود)، وافق أمير المؤمنين على زواجه منها.. فأبوه جعفر بن أبي طالب ذي الجناحين وأمه أسماء بنت عميس الخثعمية من المهاجرات المؤمنات المعروفة بالتقى والصلاح وهى النّجيبة....وزينب عقيلة بني هاشم رغم أنها تزوجت وانتقلت إلى بيت ابن جعفر إلاّ أنها لم تتخل عن المسئولية لتدير بيت أبيها وتهتم بشئون أخويها وتصبح المسئولة بهم أولاً وآخراً، فقد انتقلت من المدينة إلى الكوفة تبعاً لانتقال مركز الخلافة وكان بمعيتها زوجها وأولادها لتعيش على مقربة من الإمام بصفتها الإبنة المسئولة عن علي بعد وفاة أمها فاطمة بنت رسول الله ...وزينب بحكم مركزها في البيت العلوي تختلف عن باقي النساء، فصُورُ مأساة فقدِ جدها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمِها الزهراء ما زالت عالقةً في ذهنها، وقد شاركت بذلك الأحداث ومشاكل الحركات التي ثارت في وجه أبيها التي كان آخرها رؤيتها له صريعاً في محرابه بسيف ابن ملجم

وعندما سمعت الحسين ابن على رضى الله عنهما يقول :"والله لا أعطي بيدي إعطاء الذليل ولا أقر إقرار العبيد" ...فهمت السيدة زينب من خلال كلمات الإمام الحسين وتضحياته، أبعاد الموقف المرتقب ألا وهي تحمل مسئولية القضية التي ضحى من أجلها الإمام الحسين في نشر نهضته الجبارة في وجه الباطل، تلك النهضة التي هي امتداد للرسالة التي جاء بها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله !!... مما لاشك فيه ان هناك خصوصيات لزينب هي نفس خصوصيات فاطمة الزهراء رضى الله عنها منها : الولاية والقدرة التكوينية حيث إشارت بيدها إلى الناس وهي في الكوفة فارتدَّت الأنفاس وسكنت الأجراس وهذا يدل على سيطرتها التكوينية على كلِّ شئ....الى جانب العلم الذي اكتسبته السيدة زينب من الإمام الحسين فقد كانت "عالمة غير معلمة" وقد ظهر كلّ شئ في خطبتها العظيمة في الكوفة !!..وكأن الزهراء عندما خطبت كانت تقول لزينب بلسان حالها أن اسمعي الخطبة جيدا لأنك أنت أيضا سوف تخطبين بنفس الأسلوب وأنت بالكوفة ، وهذا ما حدث حيث خطبت زينب في الكوفة بنفس النمط كما هو واضح لكل من يتعمق في الخطبتين ويقايسهما معاً ، وكأن الزهراء هي التي تكلمت في الكوفة فالعبارات متقاربة والنسق واحد

ولكن هناك فرق كبير بين الموقفين: فعندما دخلت الزهراء إلى المسجد وخطبت كانت تخاطب المهاجرين والأنصار والأرضية كانت مهيّأة لبنت رسول الله ، أما السيدة زينب فكانت تعدُّ أسيرة فالمخاطبون هم أعدائها الذين قتلوا أولادها وأخوتها ، ولكنها مع ذلك استطاعت أن تسيطر على المجلس سيطرة كاملة، ورغم أنه ينبغي للخطيب أن يمركز جميع مشاعره وحواسه ليتمكن من توضيح مقصوده إلا أن السيدة زينب وبعد تلك المصائب العظيمة استطاعت أن تتحدَّث وبكل شجاعة وصلابة ،وهذا يدل على ارتباطها المعنوي بعالم الملكوت الأعلى كما كانت أمها الزهراء، فزينب رغم أنها كانت تلعنهم وتتهجم عليهم وتعاتبهم والمفروض أن ينفروا ويبتعدوا من خطابها إلا أنهم انقلبوا على ما كانوا عليه وخاطبوها بقولهم " والله إن شبابكم هو خير الشباب" كلُّ ذلك يدلُّ على قوة روحها سلام الله عليها... من ناحية اخرى لقد بذل العديد من العلماء والباحثين جهودهم ، وخاضوا غمار البحث والتحقيق ، لمحاكمة الروايات والنقول التاريخية حول قبر السيدة زينب الكبرى

والأراء التي ناقشها العلماء والباحثون تنحصر في احتمالات : أولاً ـ المدينة المنورة : باعتبار أن المدينة هي موطن السيدة زينب وأن من الثابت عودتها الى المدينة بعد واقعة كربلاء ، فاستصحاباً نحكم بأن وفاتها وقبرها في المدينة المنورة مالم يثبت العكس ، وأنا لا انكر أن يكون مدفنها الطاهر في البقيع في المدينة المنورة إذ هي وطنها الكريم وبها قبور اخوتها وشيوخ قومها وجدها وأمها ولكن بشرط أن يقوم عليه دليل قاطع أو نصٍ تاريخي !!...لأن قبور البقيع ذكرها المؤرخون قديماً وحديثاً يذكرها ابن النجار في ( تاريخه ) ، والسمهودي في تاريخه الحافل ( وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ) في باب مخصوص لذكر مزارات أهل البيت والصحابة ولا نجد فيها قبر العقيلة زينب لا في القبور المعمورة ولا المطموسة

ولكان لمرقدها ذكر ولو في القرون الأولى كما بقي لمن دونها في الرتبة من بني هاشم بل ولمن يمت اليهم بالولاء أيضاً ....على أن الذين ذهبوا الى هذا القول انما مستندهم الإستصحاب الأصولي وهو أنه ثبت أن العقيلة زينب دخلت المدينة بعد محنة أخيها ورجوعها من الشام وكانت بالمدينة في قيد الحياة ثم شككنا هل ماتت في الشام أم لا ؟ فالاستصحاب يقول : الأصل عدم موتها بالشام بل بالمدينة حتى يحصل لنا شيء يزيل هذا الشك ويثبت لنا باليقين أنها ماتت بالشام ....وهذا الدليل لا غبار عليه في نفسه ولكن لا يستدل بمثله في القضايا التاريخية ، ولو قلنا به فثبت ما أزال هذا الشك بما رواه ابن طولون الدمشقي من ذهابها الى الشام وموتها بها وعليه أكثر الفقهاء الأصوليين .... ثانياً : بين القاهرة ودمشق : وإذا لم يكن هناك أثر نقلي يتحدّث عن قبر للسيدة زينب الكبرى في المدينة المنورة ولا يوجد مقام ظاهر ينسب لها هناك ، فإنّ الأمر ليس كذلك فيما يرتبط بمصر والشام ، حيث توجد روايات ونصوص تاريخية يستدلّ بها أنصار كلّ من الرأيين ، كما يتعالى في سماء القاهرة ودمشق مقامان شامخان ينسبان للسيدة زينب ، وتؤمّهما جماهيرالمؤمنين ويقصدهما الزائرون ....لكنّ المطالعة الدقيقة والبحث الموضوعي في أدلّة الطرفين يرجّح كفّة الأطمئنان إلى أنّ مشهد الراوية في دمشق هو الأقرب إلى الصحّة والواقع !!...وذلك لكثرة الأدّلة في كتب المؤرخين والرحّالة والسّائحين منذ القرون السابقة وإلى الآن

ولضعف مستند القائلين بسفر السيدة زينب الكبرى إلى مصر وموتها فيها ، وللإحتمال الكبير في أن يكون المقام في مصر لزينب أخرى من أهل البيت !!...وقد أفرد بعض العلماء كتباً ورسائل لتحقيق هذا الموضوع ، ومن أبرزهم فرج العمران القطيفي ( 1321 هـ ) والذي ألّف رسالة تحت عنوان ( المرقد الزينبي ) سنة( 1377 هـ ) وطبعها في النجف الأشرف ـ العراق ) وكانت نتيجة البحث التي انتهى إليها في رسالته هو ترجيح المقام الزينبي في دمشق ، وأنّه للسيدة زينب الكبرى !!...والبحث الآخر والأعمق هو للباكستاني الشيخ محمد حسنين السّابقي ، ويقع في أكثر من (240 صفحة ) وقد طبع في بيروت سنة ( 1399 هـ ) ...ونقتبس منه الفقرات التالية بشيء من التصرّف والاختصار : إنّ رحلة السيدة العقلية إلى مصر واقامتها هناك وتليبتها لداعي حماها وحديث مدفنها بها قضية من أهمّ القضايا التي لا يفوت ذكرها كلّ مؤرخ يقظان ...ولا أقلّ من أن يذكره والمؤرّخين الذين نشأوا في مصر خان ولكنهم بأجمعهم لم يشيروا اليه أدنى اشارة ...وتتجلى هذه الحقيقة بعدما نرى اهتمام المصريين باحاطة الأخبار وضبط الحوادث المتعلقة ببلادهم

فأول مدوّن لتاريخ مصر في الإسلام هو عبد الرحمن بن عبد الحكم المصري المتوفى ( 257 هـ ) له في تاريخ مصر كتاب حافل سماه « منهج السالك في أخبار مصر والقرى والممالك » ذكر فيه تراجم كثير من الصحابة ممن دخل مصر ...وتبعه أبو عمرو محمد بن يوسف الكندي المتوفى ( 354 هـ ) وله عدة تأليفات في تاريخ مصر ....ثم برع في تدوين أخبار مصر والأحاطة بحوادثها أبو محمد حسن بن إبراهيم بن ذولاق الليثي المصري المتوفى ( 387 هـ )...ثم تلاه في هذا الموضوع عز الملك محمد بن عبدالله بن أحمد الحراني المسبحي المتوفى سنة ( 420 هـ ) ....ثم المؤرخ المتتبع القاضي أبوعبدالله محمد بن سلامة القضاعي الشافعي المتوفى ( 453 هـ ) ولم يقصر همه على ضبط الحوادث التاريخية فقط بل ألف في المزارات المقصودة للزيارة والتبرك التي تشد اليها الرحال وله في هذا الموضوع كتاب ( اُنس الزائرين) ترجم فيه للسيدة نفيسة وعين مدفنها وليس فيه لقبر زينب الكبرى عين ولا أثر

ثم اعطف الى المقريزي والسيوطي والقلقشندي وغيرهم لم نجد أحداً من هؤلاء أنه ذكر دخول السيدة زينب الكبرى في مصر ومدفنها بها ....على أن هناك جماعة من مؤرخي مصر ممن أفرد تأليفه في تحقيق المزارات والقبور والمساجد كابن يونس والهتناني والقرشي صاحب ( المزارات المصرية ) وابن سعد النسابة صاحب ( مزارات الأشراف ) وابن عطايا والحموي الذي ذكر جملة من مزارات مصر ، وموفق الدين صاحب ( مرشد الزوّار ) ترى هؤلاء الإعلام يترجمون أصحاب القبور ويميزون بين المزارات الصحيحة والمزورة من العلويين وغيرهم في مصر ...ولم يذكر أحد من هؤلاء أن العقيلة زينب الكبرى بنت أميرالمؤمنين مدفونة في مصر !!...إن كبار المؤرخين المطلعين على تاريخ مصر بدقة وتحقيق لم يصح لديهم دخول أي ولد لأمير المؤمنين لصلبه في مصر....قال الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي المتوفى ( 576 هـ ) : ـ لم يمت له ـ أي لعلي ـ ولد لصلبه في مصر ....قال الحافظ المؤرخ أبو محمد حسن بن إبراهيم بن زولاق الليثي المصري المتوفى ( 387 هـ ) : أول من دخل مصرمن ولد علي سكينة بنت علي بن الحسين ... وبه قال السخاوي

 وفي لفظ آخر للسخاوي : إن المنقول عن السلف انه لم يمت أحد من أولاد علي لصلبه في مصر .... فكيف من المعقول ان تدخل العقيلة زينب مصر وتقيم هناك زهاء السنة ثم تقبر على مرأى من المحاشد الجمة ومسمع ، ولا يعرف أمرها أحد من المؤرخين الذين عهدهم قريب بتلك الحادثة المهمة ....والإمام الشافعي كان يتجاهر بالولاء لأهل البيت ، وقد ورد في سيرته أنه كان يزور السيدة نفيسة لكن لم يرد أنه زار السيدة زينب هناك....كما دخل مصر جملة من الرحالين كابن جبير وابن بطوطة وابن شاهين وذكروا ما شاهدوا من القبور المعروفة المقصودة للزيارة في عهدهم ولكن لا تجد أحداً منهم يذكر قبر السيدة زينب الكبرى في مصر ...اللهم الا الرحالة الكوهيني الفاسي الاندلسي الذي دخل القاهرة في ( 14 ـ محرم 369 هـ )....إن الاشتباه بوجود قبر العقيلة زينب نشأ لتعدد المسميات بزينب من العلويات وغيرهم المدفونات بمصر ، والذهن أسرع تبادراً عند سماع الإسم الى أشهر الأفراد وأكملها ...ومن المعلوم أن عادة العامة والخاصة جرت أنهم ينسبون العلويين الى رسول الله وأمير المؤمنين بلا واسطة...والظاهر أن المشهد الزينبي المعروف في القاهرة هو للسيدة زينب بنت يحيى المتوج بن الحسن الأنور بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب

والمصدر الأساس لدعوى هجرة السيدة زينب الكبرى الى مصر وموتها ودفنها فيها رسالة ( أخبار الزينبيات ) للنسابة العبيدلي ، وحول هذه الرسالة ومؤلفها ورواتها وبالخصوص الرواية المتعلقة بهذا الموضوع حولها كلام عند أهل التحقيق سنداً ومتناً ... موضوع دفن السيدة زينب بنت السيدة فاطمة الزهراء والإمام علي بن أبي طالب في مصر وقد تبين أنه حتي القرن العاشر الهجري (16 الميلادي) لم يكن يوجد مدفن للسيدة زينب في مصر... التسجيل الوحيد الذي سجله التاريخ لأواخرأيام السيدة زينب بنت السيدة فاطمة الزهراء والإمام علي بن أبي طالب هو ما أورده المؤرخ بن الأثير، المتوفي في سنة 630هـ/1232م في كتابه الموسوعي "الكامل في التاريخ"، وعند حديثه عن حوادث سنة 61 هـ بأن الخليفة الأموي يزيد بن معاوية أمر النعمان بن بشير بترحيل السيدة زينب ورفاقها من الشام إلي الحجاز ويبعث معهم رجلاً من أهل الشام أميناً صالحاً في خيل وأعوان فيسير بهم إلي المدينة المنورة

 السيدة زينب والمتوفاة في نحو سنة 62هـ/681م، لم يكن آنذاك مكان ضريحها الحالي أرضاً، بل كان جزءا من نهر النيل، وهذا ثابت تاريخياً في المراجع المتخصصة وبعد أن انتقل نهر النيل من هنا ظل مكانه مليئاً بالبرك والمستنقعات لمدة نحو 300سنة، فكان المكان الحالي لمسجد السيدة زينب في عصر الدولة الأموية جزءاً من بركة قارون وهي التي أخذت في التقلص، وكانت بقيتها موجودة حتي نهاية القرن الـ 19 بإسم بركة البغالة، كما أن بركة قارون كانت في موسم الفيضان تتصل ببركة الفيل حيث كانت تسير فيهما المراكب في هذا الموسم، ولم تستعمل هذه المنطقة للسكن والمقابر إلا في عصور متأخرة نتيجة لتقوية جسور شاطئ النيل، فتوقف غمرها بمياة النيل في موسم الفيضان....وقد ذكر علي باشا مبارك في الجزء الأول من كتابة الخطط التوفيقية أن خط السيدة زينب يقع (في عصره) تحت مستوي فيضان نهر النيل بمقدار من متر إلي متر وثلث المتر...ومن التقاليد الثابتة في مصر منذ العصر الفرعوني حتي العصر الحاضر أن الناس يتجنبون دفن موتاهم في المناطق الرطبة القريبة ن شاطئ النيل، فكانوا يبتعدون إلي حواف الصحاري الجافة!!... إن ثمة ضريحاً بمصر للسيدة زينب لم يذكر مطلقاً في المصادر التاريخية سواء في المصادر العامة (وبعضها موسوعي)، ولا في المصادر المتخصصة في موضوع الخطط والمزارات القاهرية، ولا في كتب الرحالة المسلمين مثل ابن جبير ومحمد العبدري

 لقد حدث في أواخر عصر دولة المماليك الشراكسة أن نشأة مقولة شعبية بأن السيدة زينب مدفونة بالقاهرة، وقد قام بنشر هذه المقولة طائفة الأدباتية والمداحين الذين يجوبون المقاهي والموالد للارتزاق، وهذه الطائفة كانت تقوم بتأليف المواويل التي تجذب الناس إليهم، ولكن اختلفت الأقاويل في تحديد مكانها، فكانت هناك مقولة بأن السيدة زينب رضي الله عنها مدفونة بقبر قرب قناطر السباع، ومقولة أخري بأنها مدفونة بقبر في جبانة باب النصر، وقد أرجع هذه الأقاويل مؤرخ المزارات المسمي ابن الناسخ إلي الرؤيا أي الحلم.... أما أول نص مكتوب يعلن عن نسبة هذا الضريح إلي السيدة زينب فقد ورد في حكاية سجلها الشيخ عبد الوهاب الشعراني (المتوفي سنة 973هـ/1565م) في بعض كتبه مثل كتاب المنن الكبري أي بعد نحو تسعة قرون من وفاة السيدة زينب!!...فقد خرجت في سنة 935هـ/1528م أن حلم أحد الأشخاص وهو علي الخواص بأن السيدة زينب مدفونة قرب قناطر السباع، فأخبر الناس بذلك وأصبح يداوم علي زيارة هذا القبر البسيط وتنظيفه والعناية به، وهكذا بدأ هذا الضريح في الازدهار ببطء، بينما أخذ الضريح المنافس له والموجود بجبانة باب النصر في الاندثار بعد أن حسم علي الخواص المنافسة بينهما

بعد ذلك ابتُدِئ في تأليف مرويات حديثة لتتفق مع الوضع الجديد بغرض تدعيمه، وأرجعوا هذه المرويات إلي عصور قديمة وقد قام بهذا الدور حسن قاسم في كتيب ألفه بعنوان (السيدة زينب وأخبار الزينبات) وطبعة في ثلاث طبعات في سنوات 1929 و 1933 و 1934 لاقت رواجاً آنذاك، ولا تزال أصداؤه موجودة حتي اليوم، ادعي فيه وجود مخطوطين ينتميان إلي القرون الهجرية الأولي فيهما شرح لرحلة السيدة زينب إلي هذه المنطقة، بينما هما في حقيقة الأمر مختلفان ولا وجود لهما (في الماضي أو في الحاضر)، وهما أخبار الزينبات، للعبيدلي!! ورحلة الكوهيني

أما بالنسبة للمخطوط المزعوم الأول فقد ذكر حسن قاسم في كتيبه هذا أن أقوال العبيدلي في موضوعنا هذا نقلها بعد ذلك الحافظ بن عساكر في موسوعته الضخمة المسماة تاريخ دمشق، وقد قمت بمراجعتها بدقة، ولم أجد بها هذه الأقوال من قريب أو من بعيد، أما بالنسبة للمخطوط المزعوم الثاني فقد ذكر حسن قاسم في كتيبه هذا أن المقريزي تحدث عن الكوهيني في موسوعة التراجم المسماة المقفي، وقد قمت بمراجعتها بدقة، ولم أجد بها أي ذكر للكوهيني.... ويلاحظ هنا أن حسن قاسم قد اختار موسوعتين ضخمتين لتأكيد أقواله غير الصادقة، علماً بأنهما كانا في حياة حسن قاسم مخطوطات لم تطبعا بعد ، علماً تلك المخطوطتين المزعومتين للعبيديلي وللكوهيني لم يرد ذكرهما في مؤلفات قدامي المؤرخين علي مدي القرون الماضية، فلو كانا موجودين لذكرهما العلامة الموسوعي تقي الدين المقريزي في كتابه (إمتاع الأسماع بما للرسول من الأنباء والأموال والحفدة والمتاع)، كما أنه لم يذكر أحد من الباحثين المحدثين (رغم كثرتهم في مصر وخارجها لدرجةالتنافس) أنه قرأ هذين المخطوطتين المزعومتين والتحقق منهما علماً بأن فهارس المكتبات العامة التي بها مخطوطات أصبحت معروفة ومتداولة ومتاحة تماماً لجميع الباحثين دون الحاجة إلي الترحال كما كان يحدث سابقاً، ولقد قمت بمراجعة قوائم المخطوطات في سوريا وفي مصر وبحثا عنهما فلم أجدهما،علماً بأن كل مخطوطات الرحلات القديمة قد جري تحقيقها وطبعها أكثر من مرة....بعد هذا الشرح والطرح نخلص الى ان ما نشره حسن قاسم هو تزوير تاريخي بغرض إضفاء توثيق تاريخي لهذا الموضوع بطريقة يصعب تعقبها والتحقق منها، بالإضافة إلي أنه لم يتبع عند التعامل مع هذين المخطوطتين المزعومتين ما يتبعه محققوا المخطوطات من قواعد وأسس متعارف عليها

الى جانب ان منطقة حي السيدة زينب الحالية، بالإضافة إلي كونها جزءاً من نهر النيل إبان وفاة السيدة زينب رضي الله تعالي عنها، فإنها كانت تتناثر حول شاطئها هنا الكنائس القبطية التي كانت تعرف بكنائس الحمراء (مثل كنيسة الزهري الشهيرة)، رغم المعروف عن العرب المسلمين في العصور الأولي من الفتح الإسلامي أنهم التزموا بالسكني في أحياء إسلامية خاصة بهم (الفسطاط-العسكر-القطائع-القاهرة الفاطمية)، كما أنه من الثابت أن دار والي مصر آنذاك مسلمة بن مخلد الأنصاري كانت في مدينة الفسطاط عاصمة مصر آنذاك وليس في ضواحيها (قال مؤلفوا المخطوط المزعوم والذين سموه أخبارالزينبات أن السيدة زينب دفنت في دار والي مصر المذكور).... في القرن الـ 19 لخص العلامة علي باشا مبارك هذا الموضوع، عند حديثه عن مسجد السيدة زينب في الجزء الخامس من الخطط التوقيفية في قوله (ثم إني لم أرفي كتب التواريخ أن السيدة زينب بنت علي رضي الله تعالي عنها جاءت إلي مصر في الحياة أو بعد الممات)، والمقصود بقوله بعد الممات هو نقل رفاتها







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز