د.عامر داود
amerdawoud@hotmail.com
Blog Contributor since:
13 August 2009

استاذ جامعي
الولايات المتحدة الامريكية



Arab Times Blogs
السنة و الشيعة في ميزان القرآن

جاء القرآن كآخر و خاتم رسالة سماوية بعد الإنجيل و التوراة. و جاء في كثير من آيات القرآن مراجعة و نقد لتجربة أهل الكتاب, و تبيان إنحرافهم عن قعيدة التوحيد الإبراهيمي. فإذا كان الفارق الزمني بين بعثتي محمد و عيسى عليهما السلام حوالي ستمائة عام، فإنه من الواجب و المنطقي أن نقيم الشيعة و السنة, كعقائد إستمرت لأكثر من ألف سنة, بنفس المعايير التي جاءت في القرآن لتقيم تجربة أهل الكتاب. و هذا في الحقيقة هو صريح الإيمان بالقرآن, بحيث أنك تؤمن به كما لو أنه أنزل الآن. و هذا يتطلب التحرر من كل ما إبتدع بعد نزوله من نصوص بشرية حتى تلك التي نسبت إلى الرسول (ص) نفسه أو تلك التي تحاول تفسير القرأن.

و من أهم المحاور التي إنتقد بها القرآن تجارب أهل الكتاب هو مسؤولية الكهنوت عن إنحراف هذة العقائد عن المسار الإبراهيمي. ومن الآيات الكريمة التي تكلمت عن فساد رجل الدين قوله تعالى:

التوبة (31) ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُوۤاْ إِلَـٰهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ

التوبة (34) يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ

البقرة (79) فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ

البقرة (174) إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَـٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ ٱلنَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ 

الآية الأولى تكلمت عن هيمنة رجل الدين على المجتمع عن طريق إبتداع هيكل إستعلاء كهنوتي يقوم على تأصيل الدونية في الإنسان حتى يسهل السيطرة عليه - إتخذوا أحبارهم و رهبانهم أرباباً. و الآية الثانية تكلمت عن أن هذا الكهنوت الإستعلائي يستغل الدين في الأغلب من إجل تحقيق المكاسب الدنيوية. و الآيتان الثالثة والرابعة تعبران عن سيطرة رجل الدين على إنتاج النصوص المقدسة, وتحريف هذة النصوص حذفاً و إضافةَ لتشريع هذة المكاسب الدنيوية.

الآن دعنا أخي الكريم نقيم تجارب السنة و الشيعة بتجرد و حيادية و بنفس هذة المعايير التي إنتقد به القرآنا تجارب أهل الكتاب. و سنجد أن هذة الآيات الكريمة تنطبق بشكل كامل على رجل الدين في مجتمعات السنة و الشيعة. فهياكل الإستعلاء الكهنوتي متجذرة في هذة المجتمعات تشرف عليها كليات الشريعة كالأزهر الخبيث و الحوزات الجاهلية، يتعرض فيها الطالب لغسيل مخ ليتخرج بعدها بلقب كهنوتي و زي رسمي ليمارس دوره التخريبي في المجتمع. و القرآن يحذرنا من هؤلاء الذين يريدون الإستعلاء على الإنسان و الإفساد في الأرض, لقوله تعالى

القصص (83) تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ

و تكمن خطورة إستعلاء الكهنوت في أنه يأخذ مركز القيادة في المجتمع فيتصدى للتشريع و الفتوى، بحيث أنه لا يسمح بالنمو الطبيعي لدور رجل السياسة المنتخب. فالتشريع هو من إختصاص رجل السياسة المنتخب , فهو الأقدر على إسقاط معاني  نصوص الدين العامة (القرآن) على تفاصيل الواقع البالغ التعقيد بما يحفظ حياة الناس و عقولهم و أموالهم و سمعتهم و إيمانهم فيوازن بين جلب المصالح و درء المفاسد. لكن الكهنوت يصور التشريع على إنه عملية بحث و مفاضلة معقدة بين تراكم نصوص مقدسة, و أن عقل الإنسان العادي لا يستطيع القيام  بهذة المهمة لأن الكهنوت هو الذي يعرف الضعيف من المتواتر و الصحيح من الموضوع و الناسخ من المنسوخ, متاهات لا آخر لها و تلك هي لعبتهم.

أما الأية الثانية فهي متطابقة مع واقع الحياة في مجتمعات السنة و الشيعة من حيث إستغلال الدين لتحقيق مكاسب دنيوية من سلطة و مال. و هذا أوضح عند الشيعة من خلال إعتلاء الكاهن الأعظم, الولي الفقية, علي قمة الهرم السياسي بقناع ديمقراطي خادع، و أكل أموال الناس بالباطل بأخذ الخمس. لماذا يظن هؤلاء المعممون أن أية - إن كثيراً من الأحبار و الرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل- لا تعنيهم. لولا ينهاهم الربانيون عن قولهم الإثم و أكلهم السحت.

 و في مجتمعات السنة فقد نجح الكهنوت في إستغلال الدين لإضفاء الشرعية على الطغيان السياسي المنافي لملة التوحيد الإبراهيمي. فالتوحيد هو مفهوم شامل للحياة يستوجب تنزيه الخالق عما سواه, فهو وحده المقدس الذي يجب الخضوع له, لا شريك له. لذلك فإن أكبر الكبائر هو الشرك الذي في جوهره خضوع لغير الله سواء كان لصنم أو لشخص أخر. و هذا يحتم أن يكون هناك ندية و تعاقدية في معاملات الإنسان مع غيره في كل مجالات الحياة اللازمة لتنظيم المجتمع, بمعنى أنه يجب على المجتمع المؤمن بالوحدانية أن ينفي عن نفسه شبهة الخضوع لغير الله عن طريق تنظيم الحياة داخل المجتمع بشكل يحافظ على الندية و التعاقدية بين أفراد المجتمع.

رجل الدين إستعلائي بطبيعته إلا القلة الربانيين منهم الذين لا يرجون علواً في الأرض. و من أهم الوسائل لممارسة هذا الإستعلاء هو التحكم في إنتاج النصوص المقدسة. فقد نجح رجل الدين عند أهل الكتاب نجاحاً كاملاً في السيطرة على إنتاج النصوص المقدسة،  بحيث أصبح الضرر غير قابل للإصلاح, الأمر الذي إستدعى بعث محمد عليه السلام بلغة عربية فصحي و منطقة جغرافية بعيدة فلا يكون لهولاء الكهنة الأعاجم سلطان. فإلى جانب تحريف النصوص الأصلية حذفاً و إضافة، كما جاء في الآيتين السابقتين،  كان هناك سيطرة فعلية على إنتاج مخطوطات الكتب المقدسة حيث تم إخفاء أجزاء منها، كما جاء في الآية الكريمة التالية: 

الأنعام(91)  قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً

أما بالنسبة لرجل الدين عند السنة و الشيعة فكان نجاحه في التحكم في إنتاج النصوص المقدسة أقل من نجاح أخيه عند أهل الكتاب, فلم يجد سبيلاً لتحريف القرآن هذة المرة لأنها النسخة النهائية الباقية لأخر الزمان, التي تعهد الله حفظها من عبث الكهنة وهذة حقيقة لا يمكن إنكارها. فكان لا بد و الحال كذلك من إبتداع نصوص جديدة يستطيعون من خلالها الهيمنة و الإستعلاء على الناس. فجاءت عند السنة على شكل أحاديث رويت عن النبي صلى الله عليه و سلم, فرض كهنة السنة تداولها على العامة على أنها نصوص مقدسة بنفس قدسية القرآن, كما لو أن النبي حي بيننا يتكلم بهذة الأحاديث, مع أن القرآن يقول للنبي إنك ميت و إنهم ميتون. في حين أن مثل هذة الأحاديث يمكن إعتبارها كجزء من سيرة النبي ضمن سياقها التاريخي. أما بالنسبة للشيعة فإن الإستعلاء عن طريق السيطرة على إنتاج النصوص المقدسة وصل إلى مراحل متقدمة تجاوزت تقديس النصوص إلى تقديس شخوص الأئمة المعصومين, في وثنية بدائية تأنفها الفطرة السليمة والعقل السوي.

رفض الإنسان الغربي, متوافقاً مع القرآن, إستعلاء كهنوت أهل الكتاب فمنعت تأثيره على الحياة العامة بفصل الدين عن الدولة. فإستنهض مكامن القوة داخل النفس الإنسانية, و أسس حضارة راقية على فتوحات علمية و كشف لأسرار الكون و نواميسه, تحقق معاني الإستخلاف في الأرض. و نحن المسلمون وصلنا إلى نفس الطريق المسدود، فلا بد لنا إذا أردنا أن نتقدم من رفض الإستعلاء الكهنوتي  و وصايته على الناس، و ذلك عن طريق إلغاء كل ما إبتدعه هذا الكهنوت عبر التاريخ والتفكير المفتوح بمعاني القرآن المتجرد من التداخلات الانطباعية للأخرين.

والله أشد بأساً وأشد تثبيتاً







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز