جمال سواعد
jamals123@windowslive@com
Blog Contributor since:
15 February 2013

كاتب وصحفي من فلسطين 48



Arab Times Blogs
ثعالب حماس والعنب السوري المر


 يحكى ان ثعلبا ضالا كان هائما على وجهه في البراري دون طعام وكان مطرودا وملاحقا من الذئاب والضباع والوحوش وفجأة لاحت له فجوة في جدار احد بساتين الكرمة صحيح ان الفجوة كانت ضيقة جدا لكن نحوله وهزال جسمه  مكّناه من الولوج الى عناقيد الكرمة عبر تلك الفجوة

مكث الثعلب في الكرم زمنا  يأكل ما يحلو له وكأنه في ملكه لا يزاحمه احد من البشر او الوحوش على العناقيد وعاش حياة رغيدة لم يكن معتادا عليها فترهل واسمن وتضخم حتى ظن نفسه وحشا آخر  قوي البنية يستطيع مزاحمة الذئاب والضباع  بل والاسود على فرائسها فخطر له ان يخرج من البستان بعد ان استنفذ خيراته ، ذهب الى الفجوة عينها التي دخل عبرها يوم كان نحيلا جائعا مطرودا  فآوته من خوف واطعمته من جوع ،لكنه وجد نفسه هذه المرة كبيرا على الفجوة ومتضخما بحيث لا يمكنه المرور ، فما كان منه الا ان انتظر اياما وشهورا الى ان نحف جسمه وهزل كيانه وعاد نحيلا هزيلا وتمكن من الخروج  ليعود الى سيرته: ثعلبا يزاحم الضباع والخنازير على الجيف ونبش المزابل

استقبلوا الثعلب في قطر واقنعوه انهم يستطيعون تسمينه بأموال النفط وعائدات الغاز المسال وفتاوى الدعاة على ابواب جهنم ، افهموه ان قصور اسطنبول والرياض  وسفارات امريكا وبريطانيا التي ستمنحه قوة اكبر من القوة التي منحه اياها العنب السوري الذي بات مذاقه مرا الآن خاصة بعد ان تذوق  حلاوة المال النفطي ورفاهية النوم في فنادق الخمس نجوم وحرية التنقل في المطارات

افهموه  انه في الحديقة الجديدة لن يضطر الى التصارع من اجل بقايا الجيف ولن يشتبك مع الخنازير في المزابل فهناك لكل وحش حصته التي تصل اليه وهو في جحره فللقرضاوي حصته من الجيف ،ولعزمي بشارة حصة مثلها ولكل مثقف او فنان او معارض خرجية شهرية تصله دون جهد ،وكل المطلوب منه هو ان ينجح في عملية التدجين التي يتطلبها العيش في حديقة الحيوانات  ويستطيع ان يسمن كما يشاء، فالقفص كبير وهناك الكثير من الاقفاص  التي تكفل تنظيمها ورعايتها وتدجين ضيوفها قاعدة العيديد الامريكية وتبارك هذا التدجين فتاوى القرضاوي وتبرره نظريات بشارة الثورية وتهويماته الحلمنتيشية التي تلف وتدور وتستدرج المصطلحات الفلسفية الى نقاشات التوك شو التلفزيونية وتنكل بالمفاهيم وتخصي المفردات لتصل الى نتيجة واحدة : تحيا اسرائيل ويسقط كل من يحاربها

نعم ، ما اخذه الثعلب من سوريا اضطر لتركه قبل ان يترك سوريا ، وما جناه من البستان الدمشقي المثمر لم يستطع ان يحمله معه الى حديقة الحيوانات القطرية  حيث لا شيء هناك الا النفط والزيت والاقفاص والجحور والجواسيس والقواعد الامريكية

هنا اكتشف الثعلب ان سمنته السابقة كانت قوة حقيقية تجلت محبة في قلوب الناس وخوفا في صدور الاعداء  لان الدعم السوري لم يكن مالا يفسد البلاد والعباد بل كان سلاحا وتدريبا وغطاء سياسيا ووفاء لمن يستحق الوفاء فسوريا لا تدفع المال لتشتري الذمم بل تدفع المواقف لتكسب الاصدقاء على قاعدة ان البوصلة فلسطين ولا شيء غير فلسطين

اما سمنته الحالية الناجمة عن ضخ النفط والدولارات  فانتفاخ وهمي كالسيليكون في شفاه  المطربات ومؤخرات بعض الممثلات وافخاذهن 

احتار الثعلب في امره : هل يستطيع ان يضمن استمرار تسمينه في جحور قطر ويجد في نفس الوقت سبيلا لإعادة ايغال انيابه في العناقيد السورية المضمخة بالسكّر والكرامة وعرق الجباه ودماء حماة الديار ؟ هل اتسعت الفجوة في الجدار السوري بعد سنتين من الحرب والمجازر فيستطيع الان دخولها بالرغم من سُمنته القطرية ؟

لا بد من جس النبض والمناورة واطلاق التصريحات المتناقضة حيث يقول الزهار شيئا قبل الغداء وينفيه مشعل بعد العشاء 


لا اعرف ما الذي يدور في كواليس حماس السياسية والعسكرية واظن ان الحديث عن مراكز قوى وصراع محاور ليس حقيقيا للدرجة التي قد تجبر الجناح السياسي على اتخاذ خطوات جريئة تجاه سوريا  لكن ما اعرفه هو التالي

حماس ولدت ولادة مشبوهة تشبه الى حد كثير زواج المباضعة في الجاهلية حيث كانت مجموعة من الرجال تواقع امرأة واحدة تباعا  وحين تحبل المرأة وتنجب ،لا يعرف احد من هو الوالد الحقيقي للطفل الذي فيه من كل رجل نطفة

هكذا ولدت حماس في الداخل من مصالح متعددة لدول مختلفة  كان لها مصلحة في ضرب قيادة عرفات ، كان منها الاردن الذي له عداء تاريخي مع المنظمة وكذلك السعودية التي رغم تحالفها الوثيق مع ياسر عرفات منذ السبعينات الا انها كانت من اكبر داعمي حماس ومنذ ما قبل انطلاقتها الرسمية ،ولكي تتم عملية زنا المباضعة وتولد حماس كان لا بد من غض طرف اسرائيلي  لتتم الفاحشة حيث كانت اسرائيل من اكبر المراهنين على اقتتال فلسطيني وهذا ما حصل في النهاية على كل حال

وحدها سوريا لم تشارك في جريمة الزنا بالإخوان التي انجبت حماس ، حماس التي ستكسر راس ياسر عرفات ومنظمته ، سوريا دخلت على الخط فقط حين انتصرت للجانب المقاوم في حماس وتحالفت معها على اساس المقاومة  وتحقيق التوازن الاستراتيجي مع اسرائيل ، فالدخول للكرم السوري كان رهنا بدرب المقاومة الضيق والشائك وحين ترهلت حماس وانتفخت عادت الى اصلها وآبائها

لا يفهم قادة حماس ان التأييد الشعبي العارم الذي حصلوا عليه في الماضي لم يكن بسبب وسامة خالد مشعل ولا بسبب لحية اسماعيل هنية  وليس اعجابا بكرش اسامة حمدان  بل كان التفافا على خيار المقاومة ، فالشعب العربي  تسكن في قلبه فلسطين وكل ما يقرّب اليها، ومن يغادر فلسطين يغادر قلوب الشعب ويخسر الالتفاف الجماهيري ولا يبقى حوله الا المنتفعين والمصحلجية وهذا ما يحدث الآن مع حماس في فلسطين وخارج فلسطين

ثمة جناح قطري في حماس  وآخر سعودي وهناك جناح اردني وآخر اسرائيلي  وكل هذه الاجنحة كانت تمارس التقية السياسية وتتخفى وراء الجناح العسكري الذي  كان يستمد قوته من التيار المقاوم ممثلا بالقادة الشهداء ، فالمقاومة كانت تيارا وطنيا عروبيا داخل حماس  تكالبت عليه الاجنحة المختلفة  التي تنتمي الى مخابرات دول عدة ليس من بينها سوريا بطبيعة الحال

وعندما كان مقاومو حماس يتساقطون في الخنادق كان مشعل يقيم في فنادق الاردن تحت رعاية النظام الاردني  الذي استخدم مشعل كوسيلة ضغط على عرفات  في الضفة 

نعم حماس نشأت من تقاطع مصالح متعددة لضرب فتح واليسار الفلسطيني وكان جل صراع حماس مع فتح يتمثل في من يحشد اكبر عدد من المتظاهرين في بير زيت او خانيونس ومن يسيطر على هذه النقابة او تلك ومن يفوز برئاسة الجامعة الاسلامية في غزة ، هذه الدهاليز التافهة هي ساحة مشعل وحماسه ولم يكن يوما من مؤيدي المقاومة الا ضرورة او نفاقا ودخوله الكرم السوري كان انتهازية لا تكتيكا وحيلة المضطر لا قرار القائد

العنب السوري مر في حلوق الخونة والمتآمرين  والعودة اليه باتت اصعب من ذي قبل بالنسبة لحماس، والوفود التي ترسلها حماس غزة الى السفارة الايرانية في لبنان  لن تأتي اكلها ابدا فمن ادخل الثعلب الى كرمه يوما لن يدخله الى كرمه مجددا  واذا ارادت حماس ان تعود الى سوريا فعليها ان تتخلص من ثعالبها لتفوز بالعنب وان ارادت ان تحتفظ بثعالبها  فلتبق حيث مزابل الوهابية واوكار السي اي ايه وجحور المفكرين الناطقين بالعربية  وحيث الموز والاقفاص ورقص قرود المرحلة على ايقاع فتاوى القرضاوي

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز