الطلحاوي نجيب
talhaoui.najib@hotmail.com
Blog Contributor since:
05 January 2008

كاتب عربي من المغرب

 More articles 


Arab Times Blogs
الطـريق إلــى الهـدايــة

لا شــيء أمْـقَـت عنـد الإنـسان الحـر من أن يُــستَعــبَدَ في عـيشـه و لا أسـوء شيء من أن تتــســلط الدولــة الفـاجـرة الطـاغيـة علــى المجتمـع فتبتلــعهُ و تَــمسخَ بنـياتــه فتحولــهُ إلــى مُلـحَقـة أو إلـى مزرعـة حرث للملوك الجبابرة ، فأن ينحــني الشعب للاستـبداد يعنـي أن يقـبلَ بالذل و يستـجدي الحق توســلا، و أن يرضـى بحكـم الطـغاة يعنـي أن يحكم علـى نفسـه بمزيد من الانصيـاع و الانبـطاح 

 مـن هنـا لا بـد للأمم التـواقـة للحريــة أن تـدرك ثمـن قيـامهـا و أن تتوقـع التـكـالب عليهـا إذ أنهـا تقرر موقفـا شريفــا قد تـغيــر من وضعهـا نـحو مجتمـع عـادل و حر ، و ليست الحـريـة المـطلوبــة هنـا تلك المشروطـة بأوامـر المـستبدين و خطوطهـم و لا هـي تـلك المتـروكـة لفوضـى الإنسـان و غرائزهم إنمــا الحريـة كرامـة و شهـامـة ترفضُ الذل و تـطرحه لا تستأنس ببعض الحريات الهـامشية و لا ترضـى بالحلول المُرقَّعـة . لـذلـك فالحريـة تقتـضي التحرر من قبضــة الحكم المطلق ،الحكـم الذي يحكـم باسم القومـيات المُغـلقة و الطـائفيـات المُستهجـنة و الإثنيـات العصبيـة ،الحكم الذي يـجمـعُ الكـل في جعبته و يـرمـي الفتـات لمجتمـعه، الحكم العَلمـانــي المتقنع بالدين المُشــوَّه (دين الانقياد كمـا يسميه ابن خلدون) أو بالايديولوجيات القومـية الجـاهـلية أو بالتطبيقـات الدينــية الخـاطـئة(طـالبان و كثير من الحـركـات السلفية الجهـادية) أو بالتوجهـات المـادية الملحـدة ، فكـل حـريــة ممنـوحـة تــحت أنظمـة فـاسـدة مستبدة فهي حـريــة وهميـة مُؤَدلجة الغرض من تسويقهـا التغـطيـة علــى واقع الإفـلاس السيـاسي و الانسداد السياسـي كمـا هـو الحـال في كثير من أقطار العـالم العربي و الإسلامـي اليوم ، فـلا يجب علــى الجادين في صنـاعـة تغيير شــامل الركـون إلــى الظلمـة الذين يستحوذون علــى كل مفاصـل الدولـة و يحولونهـا إلـى مقاولـة خـاصة لهم لا يجب عليهـم الاغتـرار بالفتـات و الاقتنـاع بالهـوامش و صرف النـظر عن أصول الأزمـات التي تصنـع المشكـل الاجتمـاعي و الاقتصـادي و الثقـافي

و فــي ظـل نظام طـاغـوتـي كسوريا حكمَ باســم العصبيـة الطـائفيـة -و هي أخـطر العصبيات في نظري – لا يمكـن البتـة الـصمــت علـى انتـزاء القوم علـى حكم جبـري و السكوت علـى عقـليات عشـائرية وظفت "المقاومـة" للتستـر علــى قُـبحِ إجرامـاتهـا و التـغطيـة علــى الحكم الوراثـي المستبـد الذي مكَّـن القلـة علــى السيطرة علـى ثروات البـلاد و العبـاد ، و لـن تَشــفعَ للنظام الطـاغية مـا كـان في المجتمـع من تعددية نسبيــة بين الأطيـاف و الأعـراق و الحريـات المحدودة هنـا أو هنـاك إذ العـبرة ليست بالرهـان علـى الجزئيـات و نسيـان الكليات الفـاسدة و إنمـا بطبيعـة منـابع الحكم و آليات اشتغـاله ، كمـا أن كـل الأنظمـة المتخـلفـة التـي تحكم بلغـة البطش و النـار تسعـى دائمـا لخـلق جوانب من التحسينـيات الجـانبية لتبرر بهـا أثنـاء مواجهتهـا لقـومـة محتملـة مـزايـا و ايجابيات حكمهـا و ذلك لحجب المعضلة الحقيقيـة التي تمـثل بانعدام المشروعية السياسيـة التـي تعـاني منهـا جل الأنظمـة الجـبريــة في راهنــنـا السياسي المعـاصر .فلـقد أخطأ نظام الطـاغية بشار عندمـا مـارسَ القمـع منذ أول وهلـة لقيام صور الاحتجـاج السلمـي لأن الإشكـالية الحقيقية تكمـن في فسـاده و افتقاره للسنـد الشعبي الذي يحمـي كل نظام بجسده ، و أخطـأ مـعهُ العديد من الطـائفيين عندمـا أرادوا أن يستغلـوا رصيدهم "الجهـادي" للدفـاع عـن العصبيـة المقيتـة دونمـا اعتبـار لجمـهور الشعـوب التـي تفـاعلـت مع الثورة السوريـة من منطلق ثنـائية الحق و البـاطل، العدالة و الاستبداد 

 فالشعـوب الحرة و جمـوع الحركـات الإسلامـية التـي واكبت الحدث -و تزال- لـم تـتحرك بموجب دواعـي طـائفية( و الذين قاموا بذلك قلة لا يمثلون التيار العريض) و إنمــا لأســباب موضوعـية علـى رأسهـا ضرورة إسقـاط الاستبداد و إيقاف المجازر العفلقية الملحدة التـي حصدت أرواح عشرات الآلاف و حوَّلت الدولـة إلــى خراب رهيب في سبيــل بقـاء الحكم الجـبري ، فهو حكم صـارَ فوق الشرع و العـقل يتصرف ببلادة الفرعونية الجديدة (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) و يزعـم أنه تحت المـؤامـرة ! فهـل هنـاك مـؤامـرة أشد من مؤامـرة المستبدين علــى المجتمــع يُقطِّعـون أوصـاله و يستأثرون بخيراتــه أجـيالا و يُوظفون العـشائريــة القبلية في كـل أجهـزة الدولـة خصـوصـا مـا يتعلق بمـراكز القرار 

 هـل هنـاك مـؤامـرة بأشـد من مـؤامـرة الطـائفيين يُنــافحون عـن نظام جبـري بأسلحـة روسية صينـية . لــو اختـارَ الطـائفيون طريقـا آخـر غيـر طريق العنـاد النُّصَيـري و وقفوا مـع جمهـور النـاس و التحـموا بالحش الشعبي السـاخـط علــى الإجرام العفلقي أو علـى الأقـل اتخذوا موقفـا حياديـا لكــانَ موقفـا جريـئـا سيحجِّـم دائرة الخـلاف القديم، لـكن القضـية الآن أخذت بعـدا آخـر عندمـا زحفت الفيـالق و تورطت "المقاومة" في سحق "المقاومـة" و تمـادت في توظيف البـاطـل لمعـاكسـة الرأي الغـالب في الشعوب، وضعت إذن نفسهـا في زنـزانـة من الصعب الخروج من عنقهـا و تشوهت مسيـرة بفعـل هوس الطـائفيـة و غلبـة منطق تـاريخ التـكفيـر علــى منطـق الأمـة ، فعندمـا قاتلـت في جنوب لبنـان كـان العـالم الإسلامي يغلــي بشعـوره لمـا يحدث رغـم طول المسـافـة و كـان يدور معهـا صعـودا و هبوطـا ،انحسارا و انتصـارا، حرنـا و فرحـا، لكنهــا صـارت و يا للأسـف مطيـــة للاستغـلال السياسوي الطـائفي الضيق تُضحــي بتـاريخـهـا لتعبّــر عن وفاءهـا للنزعـة القديمـة التـي تعلي من شأن الطـائفـة علــى حسـاب الأمـة الإسلامية

انقلــبت الرؤى و التصورات عند العديد منــا و بِــاتَ الجمهـور يمقت حتــى سمـاع خطـاب "المقاومة" لمـا أصابهـا من تزوير و تلفيق فاهتـزت صورتهـا وتزحزحت مكــانتهـا بسبب طيـش أهلهــا . و لسنــا حريصيـن علــى صورة الحزب بقدر مـا خوفنـا من صورة المقاومـة من التشــوه و التـلاعب فلا شأن لنـا بالأشخـاص و لا بالرمـوز ، و لكن نخـافُ من تحريف خـط "المـقاومـة" من أهـله و توريـط قيمـته و رمزيته. فمــن يأخـذ علـى عـاتقـه هـم التصدي للــباطل السياسي و العمـل علــى كـسر أضـلاعـه مُقـاوم ، ومـن يزيــد عليه بتبنـي المشروع الإسلامـي و إعـادة بنـاء لبنـاتــه فهـو عندنـا أعلــى عليين . هـذا بـلاغ للنــاس وكفـى و آخـر دعـوانـا أنِ الحمد لله رب العـالمين . الطـريق للهـدايــة الحقيقيـة تقتـضي من حزب حسن نصر أن يستـمع للعـقلاء من أمـثال حركـة حمـاس فيسحـب "شبيحته" الطـائفيــة من سوريــا و يُغـير من نِفـاقـه تُجـاهَ الثورات العربية، الهداية تـقتـضـي امتـلاك الشجـاعـة و الجرأة علــى تغليب منطق "المقاومـة" علــى هَوسِ الطـائفيـة ليستـعيدَ بريــقه المتهـاوي و المتهـالك و إلا فإنــهُ لا محـالة صـائر إلـى التشبيح   







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز