د. عمر ظاهر
omardhahir@yahoo.dk
Blog Contributor since:
22 October 2011

كاتب واستاذ جامعي من العراق مقيم في اوروبا

 More articles 


Arab Times Blogs
هل أمريكا على شفا هزيمة تاريخية

 
"التخبط" ربما تكون أدق عبارة لوصف السياسة الأمريكية تجاه سورية، فالمتابع لتصريحات أوباما والمسؤولين في إدارته، ولتصرفاتهم، يلاحظ بوضوح غياب سياسة رصينة، ومحكمة، وواضحة عندهم، فهم مع عقد مؤتمر جنيف 2، وهم مع تسليح "المعارضين" في سورية، وهم مع محاربة الإرهابيين في سورية، وهم في الوقت نفسه مع محاربة من يحارب الإرهابيين، وهم يلوحون بتدخل وشيك في سورية، عبر التحشيد في الأردن، لكنهم لا يفكرون بفرض منطقة حظر جوي، أو إرسال جنود إلى الداخل السوري!

 

في السابق كانت السياسة الأمريكية تتميز بعدوانية واضحة، وتصميم يظهر في القول وفي الفعل، وكان بعض التناقض في تصريحات مسؤولي الإدارة يعتبر تكتيكا الغرض منه إيهام الخصم، وذر الرماد في عينيه. وكان العمل على جبهتين، مفاوضات وعمل عسكري مثلا، مجرد تكتيك أيضا لإعطاء الخصم أملا كاذبا بجدوى العمل السياسي التفاوضي، بينما الكلمة الفصل كانت للعمل العسكري. وفي العادة كانت العنجهية العسكرية هي الخيار الطبيعي، أما الخيار غير العسكري فكانت أمريكا تُسحب إليه سحبا في حالات الإقتراب من القناعة بعدم القدرة على الحسم بعمل عسكري. الفيتناميون، مثلا، فرضوا على الأمريكيين القبول بخيار التفاوض مع استمرار العدوان العسكري. أما في أفغانستان وفي العراق، فإن جورج بوش ظل يستهزء بفكرة التحدث مع هذا أو ذاك، وفي العراق بالذات أصدر بوش إنذارا للرئيس العراقي صدام حسين، الذي كان قد طالب مرارا بمناظرة مع خصمه، بمغادرة العراق خلال أربع وعشرين ساعة قبل إقدامه على إطلاق الغزو الهمجي. وفي كوريا الشمالية نرى اليوم أن العمل العسكري مستبعد أصلا، إذ لا مكان هناك للعنجهية!

 

أما إزاء سورية فليس هناك اليوم ستراتيجية واضحة، وليس هناك تكتيكات ذكية، وليس هناك رغبة حقيقية في عقد مؤتمر جنيف، ولا قرار حاسم بالتورط العسكري، وإنما زخم من الأقوال والأعمال العشوائية التي تدل على غياب الرؤية الواضحة، وبالتالي غياب الإرادة الحازمة. وهناك تساؤل عند الكثيرين: ماذا تريد أمريكا في سورية؟

التخبط هو دليل التردد؛ إنه ناتج عن التردد، ويؤدي إليه أيضا. واستعراض الباتريوت، والـ "إف 16"، وبضع مئات من المارينز وغيرهم في الأردن لا يستطيع إخفاء هذا التخبط، بل يكشفه، ويفضحه أكثر، فقد رأينا من قبل نفس الإستعراض على الحدود التركية قرب حلب. وهذا التخبط رغم أن أمريكا، وللمرة الأولى في تاريخها، تلقى دعما "شعبيا" لأي عمل عسكري عدواني قد ترغب في أن تشنه في المنطقة العربية، وفي الحالة الحاضرة ضد سورية. وهذا الدعم يتمثل في النفير العام الذي أعلنه شيوخ العربان في محميات الخليج، والذي يدعو إلى الجهاد في سورية وضد حزب الله وإيران، ويتوسل بأمريكا بأن ترسل طائراتها لدك سورية، وتستجيب لهذا النفير أعداد متزايدة من "الجهاديين"، والإخوان المسلمين، وأضعاف عددهم من المجرمين العاديين، والمرضى النفسيين في الشرق الأوسط الذين يجتذبهم ويستهويهم جهاد النكاح، والقتل الحر، وحرية التلذذ بذبح البشر، والدفع السخي من السعودية وقطر.

 

لماذا هذا التردد والتخبط؟

 

بشكل طبيعي يأتي الجواب بأن أمريكا لم تشفَ بعد من جراح أفغانستان والعراق، وهي بحاجة إلى وقت طويل للعق هذه الجراح قبل أن تقدم على حماقة أخرى. وإلى ذلك يضاف بشكل طبيعي أيضا أن الوضع الإقتصادي السيء لأمريكا وحلفائها لا يساعد على خوض مغامرة قد تكون مكلفة، وتؤدي إلى ضعضعة الوضع الداخلي في أمريكا نفسها، رغم أن الحرب في حسابات البنتاغون تساعد أحيانا على تحريك الاقتصاد، ورغم أن خدمها في الحجاز مستعدون لوضع آخر قرش في ميزانيتهم لخدمة تمويل العدوان. ثم إن سورية ليست العراق أو أفغانستان، فهنا سيضطر الأمريكان إلى منازلة روسيا وإيران أيضا، وليس فقط الجيش السوري الذي تمرس في فنون القتال المختلفة على مدى السنتين الماضيتين. وغير ذلك فإن تغير الوضع في تركيا وتدهوره رغم استعراض نصب الباتريوت هناك، بل ربما بسببه، يوحي بأن شيئا مماثلا قد يقع في الأردن. الباتريوت هيكل فارغ، ومجرد بعبع تكنولوجي. وفي أفضل الأحوال فإنه من أسلحة الدفاع الكمالية! أمريكا تقف على أرضية هشة في هذه المنطقة، ولهذا فهي مترددة، بل ولا تعرف ماذا تريد غير أمن إسرائيل الذي لا شك في كونه هدفا ثابتا في السياسة الأمريكية.

 

ألا توجد هناك أسباب أخرى لهذا التخبط؟ بلى، هناك على الأقل ثلاثة إعتبارات تثير القلق لدى السياسي والستراتيجي الأمريكيين، وتسبب لهما صداعا يكاد يكون نصفيا.

 

السبب الأول هو الخوف من مواجهة شبح حزب الله. أمريكا تدرك بشكل تام أن الهرج والمرج الذي تخلقه فتاوى شيوخ السعودية وقطر، ورغم خطورة هذه الفتاوى، وتجاوزها كل الحدود الأخلاقية، أشبه بريح كريهة إثر الإفراط في أكل البصل النيء إذا ما قيست بالعاصفة الهوجاء التي ستخلقها فتوى واحدة مقابلة من حزب الله لم تصدر بعد. وفي الحقيقة فإن الخبراء الستراتيجيين الأمريكان وحلفاءهم يعرفون في موضوع الفتاوى، وتاريخها، وتفاصيلها، وغثها وسمينها أكثر بكثير مما يعرف القرضاوي نفسه. ويعرفون أن فتاوى شيوخ من أمثاله يمكن أن تؤدي إلى ذبح أطفال هنا، وخطف شيوخ هناك، وإغتصاب نساء في مكان آخر، أما الكلمة الرصينة الغاضبة من الطرف الآخر فسوف تفجر براكين تصب الحمم على جنودهم هم وحدهم. ولهذا فأمريكا غير متفائلة بالدعم "الشعبي" القائم على الدعوة إلى ذبح الأطفال وإغتصاب النساء والذي يقدمه شيوخ تعرف أنهم مرتزقة، وليسوا أصحاب قضية. إنها تحسب ألف حساب لفتوى حزب الله!

 

السبب الثاني هو الخوف من فداحة الثمن الذي سيدفعه سكان إسرائيل نتيجة أية حماقة ترتكبها إدارة "المسلم المشتبه به" أوباما. الأمريكيون يعرفون أن العراقي، مثلا، حين يُطارَد في بلده فإنه يلجأ إلى سورية أو الأردن، وأن السوري المضطر إلى ترك بلده يلجأ إلى الأردن، أو تركيا. ولكن أين سيلجأ نصف سكان إسرائيل إذا قامت الحرب؟ الكل يعرف أنها لن تكون حربا عادية! ثم إن الأمريكيين يرون بأم أعينهم مدى سفالة الإخوان المسلمين، ونذالتهم، فهؤلاء أتاحوا لخنازير الخليج إغتصاب أخواتهم المسلمات في مخيمات اللجوء في الأردن العربي، وفي تركيا الإسلامية، فماذا سيكون مصير الإسرائيليات حتى لو لجأن إلى مصر؟

 

السبب الثالث هو خوف أمريكا من أن شرارة الحرب لو انطلقت فإن الحريق سينشب فورا في كل محمياتها في الخليج. وأمريكا ما تزال بحاجة إلى وجود إستقرار، ولو هش، في تلك المحميات. وربما يرى الأمريكان في الهرج والمرج الذي يصاحب حمى الفتاوى ضد إيران وسورية وحزب الله كأعراض على تململ شعبي في تلك المحميات، وكمؤشر على شعور الأنظمة القرووسطية المهترئة في تلك المحميات بالخطر يحيق بها. أمريكا تدرك أن هناك رؤوسا في الخليج قد تعفنت وآن فطاسها، وتريد أن تحقق التفطيس بهدوء مثلما فعلت مع شيخ قطر المتخلف عقليا، ولا تريد تعقيدات.

 

الموضوع لا علاقة له بكون أمريكا قوية أم لا، فأمريكا ما زالت قوية؛ إنما الأمر يتعلق بالعقلانية والتعقل! والتردد يكون أحيانا مؤشرا على التريث والتعقل، فأمريكا، ورغم تاريخها المليء بالعنجهية والغطرسة، ووجود أمثال جون ماكين في قياداتها، لا يكون رأسها فارغا من العقل دائما. وهي تعرف أنها إن هي استجابت إلى إغواءات حفلات جهاد النكاح الماجنة فإن خمرة الجهاد المعطرة بـ "عبق" ريح البصل العرباني ستلعب في رأسها المصدوع أصلا، فتجعلها تصاب بالدوار. وهي بترددها رابحة بالتأكيد، وإلا فإنها قد تكون على شفا هزيمة تاريخية مذلة. وهي، بالتأكيد، ترغب في أن تتجنب مثل هذه الهزيمة!







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز