نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
سقوط السلطان أردوغان

حظي رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، بدعم دولي غير محدود، وحاز لذلك على دعاية تسويقية وتجميلية هائلة ومفرطة ضمن مساعي الغرب ومحاولته الواضحة في الإتيان بـ، وفرض التنظيم الدولي على عروش المنطقة، ضمن مشروع ما عرف بـ”الربيع العربي”، واعتــُمد أردوغان من الغرب، رسمياً، كأنموذج “إسلامي” يجب أن يستنسخ، لاحقاً، في غير مكان، ولذا تم “تنجيحه” لثلاث فترات انتخابية متتالية، أصبح بموجبها الحاكم المطلق، سعى بالتوازي مع ذلك، لتغيير طبيعة نظام الحكم إلى رئاسي جمهوري على النمط الأمريكي كي يحظى، أيضاً، بفترتي حكم كرئيس لتركيا، ما كان سيعني، لو تم، بقاءه في حكم تركيا لمدة ربع قرن، تقريباً، ما يجعل منه حقيقة سلطاناً عثمانياً جديداً حتى وإن كان ببزة أوروبية، وربطة عنق عصرية وياقة بيضاء.

وساعد السقوط السهل والسريع، وانبهار الجميع ومباغتة أمريكا لشعوب المنطقة بوصغة بـ”الثورات” المفبركة، التي حملتها فترة حكم أوباما، تحت شعار “التغيير” الذي رفعه عالياً في فترة ولايته الأولى، وألقى لذلك خطبة عصماء، في جامعة القاهرة في بداية العام 2009، انسحب يومها مبارك من الخطاب ربما لأنه فهم مغزاه، نقول ساعد ذلك كله في نسج أسطورة وهالة حوله، وتعزيز وتقوية مكانته المحلية والإقليمية، إضافة لـ”مسرحيات” دافوس و”مسلسلات” مرمرة الهزلية، التي كانت تحاول جميعا أقنمته، وطوطمته بغية استثماره لاحقاً في مسلسل لا يقل هزلية، وإضحاكاً سمـّوه بـالربيع العربي

كما لا يخفى على أحد أن أردوغان وأركان حزبه كانوا يسعدون جداً بأن يطلق عليهم لقب “العثمانيين الجدد”، تيمناً بسلاجقة وسلاطين بني عثمان، مؤسسي الإمبراطورية العثمانية التي سقطت وانهارت في العام 1923. كل تلك الأسطرة وعمليات التجميل السياسي والتسويق التزويق ساهمت بتكبير رأس أردوغان الذي نحا نحو الاستبداد، وركبه مس من جنون العظمة الـ Megalomania، واعتقد، واهماً، أنه أصبح فعلاً حاكماً مطلقاً والسلطان العثماني الجديد المتوج والسيد المعترف به، للباب العالي، الذي يستطيع بإماءة من يده تغيير العالم، وبدأ لذلك سلسلة من عمليات أسلمة لدولة ذات موروث علماني عريق، تجلت أولى غزواته في ذلك باعتقال وتحييد ومحاكمة عشرات الجنرالات الحماة المؤتمنين على علمانية الجمهورية، وزجهم في السجون، وتسريح وإنهاء خدمات المئات الآخرين، والتضييق على وتحجيم كل من يشك في ولائه لعملية الأسلمة، التي اتخذت الطابع الظاهري التقليدي والمعتاد للأسلمة، كفرض الحجاب في الجامعات والمدارس، وبيع الخمور في أوقات محددة، والإساءة لشاربيها، وانتابته، مثلاً، ثورة غضب عارمة حين تم عرض مسلسل حريم السلطان أو القرن العظيم Muhteşem Yüzyıl، الذي يأتي على الحياة الخاصة الساخنة وشبه الإباحية والمجون واللهو والعبث للسلطان العثماني سليمان القانوني الذي يعتبر أهم حاكم في تاريخ الدولة العثمانية، وبما لا يتفق مع الصورة “المقدسة” والمعصومة التي يحاول أردوغان تمريرها عنهم قائلاً، وبنبرة غاضبة: نحن لا نعرف السلطان سليمان القانوني بالشخصية التي يظهر فيها في المسلسل وقد قضى 30 عاما من عمره على ظهر الخيول في إطار الحروب والفتوحات التي خاضها

 غير أن ثالثة الأثافي هي جعل تركياً مقراً وممراً وملاذاً رسمياً لمنظمة لقاعدة، بدلاً من تورا بورا، والتي بدأ عناصرها بالتحرك بحرية، بأشكالهم وأزيائهم المعروفة والغريبة، في مجتمع مدني منفتح وعلماني متأورب استفزته كثيراً مثل هذه المظاهر. ولن نعرج عن الممارسات غير اللائقة والتمييزية للرجل بحق مكونات اجتماعية وعرقية ودينية تركية ومحاولة الغمز من قناتها والإساءة إلى خصوصياتها الثقافية والعقائدية، وإدامة حرمانها من حقوقها الوطنية والإنسانية البسيطة. لكن “الحلو ما يكملش” كما تقول الأمثال، إذ لا يــُعلم إن كان قرار إزاحة أردوغان قد أتى في سياق التفاهم الروسي-الأمريكي، وضمن سلسلة المطالب التي فرضتها روسيا والتي لاقت قبولاً وتفهماً أمريكياً، أم في سياق الشروع الثنائي للقوتين الأعظم في تفكيك مشروع تمكين الإخوان المسلمين الذي بدأت في تونس ومصر، وفي إطار عمل أوسع فيما يتعلق بلتعاون المشترك الروسي-الأمريكي لمحاربة الإرهاب الدولي الذي تورط فيه أردوغان، ويعتبر، مع بعض مشيخات الخليج، أحد أضلاعه ورعاته، وحاضنيه الرئيسين، ناهيك عن تسببه بمشاكل وصداع كبير للروس عبر التسهيلات غير المسبوقة التي منحها للأطلسي ومحاولته مناوشتهم استراتيجياً، والتحرش بهم، في مجالهم الحيوي في الجنوب الروسي، وبهذا يكون قد جاء الآن، أيضاً، دور تصفية الحساب الروسي معه

اردوغان الذي كان يحلم بتطويع تركيا لإرادته الشخصية وذوقه العقائدي، عبر تدخله بالشاردة والواردة في حياة الأتراك، وغبر شبه محاكاة لنمط هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السعودية، يبدو أنه قد خسر كل شيء، وهو يودع، اليوم، ويحصد ما زرعه بيده، ويساعد للترجل عن العرش السلطاني العثماني الذي بناه لنفسه، وهو يواجه مشاكل وجودية جمة، حقيقية وجدية، وها هي عوامل غضب جياشة، تنفجر بوجهه مطالبة برحيله. شدة الاحتجاجات واتساع رقعتها، وشموليتها، واستمراريتها، وتصميمها، ووحدة مطالبها التي لا تقبل بغير رحيل أردوغان، لا تحمل كلها فألاً طيباً للسلطان “العثماني الجديد”، أو مؤشرات على نجاته، وتشي، جميعها، بقرب نهاية، وسقوط حتمي ومرتقب للسلطان رجب طيب أردوغان وتتهاوى معه كل أحلامه وطموحاته الأمبراطورية العثمانية

 وكل ربيع عربي وأنتم بخير







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز