حمدي السعيد سالم
h.s.saliem@gmail.com
Blog Contributor since:
04 September 2010

كاتب عربي من مصر
صحفى بجريدة الخبر العربية

 More articles 


Arab Times Blogs
الوهج السياسى للاخوان يقابله خفوت دينى

إن الجفاف الشديد في عام 2011 بمنطقة زراعة القمح بالصين مثال على كيف يمكن لمناخ محلي أن يكون ذا تأثير إقليمي وعالمي على حدٍّ سواء.... لقد أسهمت احتمالات عدم الحصول على محصول قمح في اتخاذ الحكومة الصينية سلسلة من الإجراءات التي أثّرت في الأوضاع الاقتصادية والسياسية في مناطق أخرى من العالم.... كما أسهمت الجهود التي بذلتها الصين للحد من آثار الجفاف - بما في ذلك إنفاق 1.9 مليار دولار على إنشاء بنية تحتية جديدة للمياه، وشراء القمح من الأسواق الخارجية – في ارتفاع سعر القمح بالنسبة للبلدان المستوردة...هذا الكلام ينطبق بشكل خاص على مصر؛ ذلك البلد الذي ينفق 3 %من ناتجه المحلي الإجمالي على دعم القمح، والذي شهد عام 1977 "انتفاضة الخبز" التي راح ضحيتها 77 شخصًا، ومظاهرات الخبز في 2008....

لقد أثّر ارتفاع أسعار القمح في تكلفة الخبز، وتوافره في مصر، وهيمّن على احتجاجات المواطنين، وأدى بشكل غير مباشر إلى تغيير النظام في مصر.... هذه السلسلة من الأحداث والإجراءات تسلّط الضوء على كيف أدّت الفعالية الحكومية – أو انعدامها - في اثنين من الأنظمة الاستبدادية إلى نتائج متقابلة، وتعكس كيف يمكن للمخاطر الطبيعية، في العالم المترابط اليوم، أن تؤثر في (الأسعار) الاقتصادية، و(الاستقرار الحكومي) السياسي، و(الإمدادات الغذائية) البشرية على نطاق دولي....

ولا يقتصر تأثير المناخ المحلي على الأضرار التي يمكن أن تحدث في السياق الإقليمي والعالمي، بل يمكن أن تكون له أيضًا جوانب اجتماعية واقتصادية، حيث تؤثر المخاطر في الأنظمة العالمية.... ويتبدى في الكوارث التي حدثت أخيرا، بما في ذلك موجات تسونامي في آسيا، والانفجارات البركانية في أيسلندا، التأثير العابر للحدود للمخاطر الطبيعية. قد يبدو ظاهريًّا عدم وجود علاقة بين الجفاف في الصين، وأسعار القمح العالمية، والثورة المصرية، لكنها ارتبطت ببعضها بعضًا من خلال سلسلة من الأحداث في شتاء 2010-2011. فبينما كان العالم يركز اهتمامه على الاحتجاجات المندلعة في ميدان التحرير في مصر، دارت مناقشات موسّعة حول الدوافع السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية لهذه الاحتجاجات، بينما أغفلت إشارات كافية للدوافع المهمة غير المباشرة التي أدت لها !!...

وفيما يمكن أن يُسمى "عولمة الخطر"، تسبب جفاف شتوي يحدث مرة واحدة كل قرن في الصين في خفض الإمداد العالمي من القمح، وأسهم في نقص القمح عالميًّا، وارتفاع أسعار الخبز في مصر، التي تُعد أكبر بلد مستورد للقمح في العالم.... لقد اضطربت الحكومة والمجتمع المدني في مصر من الاحتجاجات التي ركزت على الفقر والخبز والسخط السياسي.... لقد عبرت الاحتجاجات التي قام بها المواطنون في مصر عن سخطهم السياسي والاقتصادي، بما في ذلك غضبهم من ارتفاع تكلفة الغذاء.... ولنتذكر تلك الأيام التي كنا نلوح فيها بأرغفة الخبز كرمز للاحتجاج، إذ أن الخبز يوفر ثلث السعرات الحرارية في مصر؛ هذا البلد الذي يتم فيه إنفاق 38 % من الدخل على الطعام....

ولذا، فإن تضاعف أسعار القمح العالمية من 157 دولارا للطن في يونيو 2010 إلى 326 دولارا للطن في فبراير 2011 قد أثَّر تأثيرًا كبيرًا في إمدادات الأغذية في البلاد، ومدى توافرها...لذلك جاءت ثورة 25 يناير كمرحلة تاريخية مهمة من مراحل تطوّر الإسلام السياسي في مصر، حيث مثّلت الثورة على نظام مبارك وحكمه ثورة أخرى ربما أشد قوة على المخزون التاريخي والفكري للتيار الإسلامي... فقد فتحت الثورة للإسلاميين باب السياسة على مصراعيه، وبات ثمة تجاذب مستمر وتداخل شديد بين الدين والسياسة، حيث برز الإخوان والسلفيون كأكبر فصيلين إسلاميين في مصر الثورة، رغم أنهما لم يكونا في صدارة المشهد الثوري في أيامه الأولى....

من هذا المنطلق، احاول استكشاف إعادة تشكيل القوى الإسلامية في مصر بعد الثورة بممارستها السياسة دون قيود ودون حدود، ومدى التداخل بين ما هو ديني وما هو سياسي، وأن القوى الإسلامية تخوض بيئة جديدة هي غير قادرة على السيطرة عليها وغير مدركة لبعض الوسائل التي تغيّرها من خلالها...كما احاول كذلك استكشاف إعادة تشكيل بعض المؤسسات ذات الصلة بالإسلام مثل الأزهر، وما قد يطرأ على دوره ونفوذه بإقحامه في الحياة السياسية... لذلك يجب ان يعلم الجميع أن ثمّة تغيرا أساسيا يحدث في مصر، حيث تلعب القوى الإسلامية دوراً لايغفل في الحياة العامة المصرية، وأنه قد دارت صراعات مريرة حول العلاقة بين الدين والسياسة في الدستور الجديد والمحاكم، ووسائل الإعلام، والسياسات الانتخابية والثقافة.... الإخوان المسلمون الآن لهم وهج سياسي وخفوت ديني حيث بدأ سطوعهم السياسي بتحقيق نجاحات انتخابية كبيرة، لم يكن لهم ند قوي فيها، وأن هذه النجاحات جعلت من قادة الإخوان أشخاصا قانعين يتقبلون الآليات الانتخابية.... ومع ذلك، فإن انتصاراتهم قد تمخضت عن شيء من فلسفة الأغلبية، والازدراء الصامت لما يرون أنهم منافسوهم المزعجون على الصعيد الانتخابي من غير الإسلاميين !!...

مما لاشك فيه أن الإخوان يشعرون بنوع من التوجُّس والارتياب من الآخر المختلف معهم، حيث إن قادة الإخوان يستمرّون في مخادعة إحساس قوي بأنهم لا يزالون محاصَرين، ويحاولون دائماً الإيهام بأن السلطة قد أتت إليهم، وأنهم لم يسعوا لها، وأن الإرادة الشعبية هي من قررت أن يكونوا هم في السلطة في هذا الوقت الاستثنائي من تاريخ مصر....هنا يجب أن نرصد بالتحليل ان هناك تحولا عميقا في فكر الإخوان خلال العامين الماضيين بعد الثورة، حث تحولت الجماعة إلى السياسة بزخم كبير، وتم توجيه طاقات كل أفرادها لذلك، رغم أن السياسة كانت بالأساس جزءا من أفكارها، وكان الاهتمام الأكبر بالجانب الديني الإصلاحي منذ تأسيسها في عشرينيات القرن الماضي، دون أن يعني ذلك أبداً انقطاع الإخوان التام عن الأدوار الأخرى غير السياسية....

لذلك ارى من وجهة نظرى أن التحدي الحقيقي الذي يواجه الإخوان ليس الفشل السياسي، ولكن مدى قدرتهم على الاستمرار أوفياء لرسالتهم في "أسلمة الإصلاح" أو"أخونة الدولة"، والمقصود به العملية التي يتمكّن من خلالها أعضاء الحركة من الدخول، وربما الهيمنة على المؤسّسات الرسمية التي كانوا ممنوعين منها في السابق.....مما لاشك فيه ان هناك ثمة تحديا خطيرا يواجه الإخوان بأن أيّ تقصير منهم في إدارتهم للهيئات الحكومية سوف يُنسب شيئاً فشيئاً إلى الجماعة، وأن أيّ فشل منهم لا يُعرّض صورة الإخوان إلى التشويه وحسب، بل ينفّر الشعب أيضاً من أي شكل من أشكال الرؤية الإسلامية للسياسة والمجتمع وهذا بعينه ما يحدث الآن على الساحة السياسية المصرية !!!...لان جماعة الاخوان لا تزال في حاجة إلى تكوين رؤية استراتيجية واضحة تمكّنها من التحوّل من حركة اجتماعية معارضة مكرّسة لإصلاح المجتمع كلّه إلى حزب سياسي تنافسي، دون أن يكون هذا التحوّل إلى السياسة على حساب الدور الإصلاحي الذي أُسست جماعة الإخوان بالأساس للقيام به!!... السلفيون لهم نجاحات سياسية تتجاوز حداثة الدور بحسبانهم القوة الإسلامية الأكبر في مصر بعد جماعة الإخوان...

 ورغم أنه السلفيين عديمو الخبرة نسبياً في المجال السياسي، فإنهم حققوا نجاحات انتخابية سريعة، ولم يكن لديهم وقت كاف – بعكس جماعة الإخوان - لإعداد أنفسهم، أو وضع تكتيكات للتعاطي مع الضغوط الأيديولوجية والتنظيمية ....ورغم أنهم واجهوا ذلك بقدر أقل من التماسك، فإنه لم يؤثر فى تحقيقهم نجاحات سياسية عديدة....السلفيون كانوا مجتمعاً متقوقعاً ومنفرداً، وكانوا ظاهرين تماماً كأفراد في بعض الأماكن العامة، وحتى في بعض المهن.... لكن دخولهم إلى الحياة السياسية، الذي تم بشكل مفاجئ وبقوة، مثّل صدمة لهم وللشعب أيضاً.... ولكن بعد الثورة وبدخولهم السياسة، أصبحوا أكثر ظهوراً واندماجا في السياسة، حتى اكتسب قادة السلفية تدريجياً لمسة شعبية حيث أظهروا نوعاً من الثقة الصامتة بأنهم يمثّلون الأغلبية المسحوقة !!!..

ونرصد ثلاثة اختلافات للسلفيين عن جماعة الإخوان، أولها اهتمامهم بالتفسير الصحيح للنصوص، وهو ما يعكس قدرا أقل من المرونة بعكس الإخوان، والاختلاف الثاني أن الحركات السلفية تميل إلى أن تكون أقل تنظيماً من الناحية الرسمية، بحسبان ذلك مسألة تتعلق بالاختيار، بينما يكمن الاختلاف الثالث في ميل السلفيين إلى أن يكونوا أقلّ التزاماً في الانخراط في المجتمع الأوسع بعكس جماعة الإخوان التي اندفعت إلى البرلمان والنقابات المهنية، وأي مؤسّسة أخرى... مما لاشك فيه أن السياسة في بيئة مستقطبة لها ثمنها، وهذا أدّى إلى استياء السلفيين كثيراً، ليس إزاء السخرية من علمائهم وحسب، بل أيضاً إزاء كيفية اصطفاف الرأي العام والمؤسّسات القوية ضدّهم، حيث إن ممارسة السلفيين للسياسة بعد ثورة يناير أكسبتهم كثيرا من الأعداء لم يكونوا ضدهم !!...

لايختلف اثنان ولا ينتطح كيشان أن الأزهر هو جوهرة تاج المؤسّسات الإسلامية في مصر، وأنه مجمع مترامي الأطراف من الكليات الجامعية، والمدارس الابتدائية والثانوية، وهيئات البحث، ويرأسه الآن خرّيج جامعة السوربون، والعضو السابق في أمانة السياسات في الحزب الوطني الديمقراطي لفترة وجيزة، أحمد الطيب،ولديه رصيد من الفطنة السياسية في التعامل بشكل يحسب له خلال الثورة !!...لذلك نجد أن الأزهر احتفظ على وجه الخصوص بشعور قوي بأنه المدافع عن مقاربة مميزة تجاه الإسلام، وبأنه يتحمل مسئولية تجاه المجتمع المصري....

غير أن اعتماد الأزهر المالي على الدولة المصرية، وحقيقة أن شيخ الأزهر كان معيّناً من الرئاسة، أزعجا بعض العلماء كثيراً من داخل المؤسّسة وخارجها، حتى جاءت الثورة، وقدمت فرصة ذهبية للأزهر، كي يتخلص من الأغلال الرئاسية، وينعم بحرية أكبر، واستقلال أشمل !!...وقد تجسد ذلك في المادة الرابعة من الدستور الجديد، والتي تؤكد استقلالية الأزهر، وضرورة استشارته للتعبير عن رأيه في قضايا الشريعة الإسلامية..... حتى إنه عندما أقرّ مجلس الشورى قانوناً يتعلّق بالأدوات المالية الإسلامية (الصكوك الإسلامية)، قال الأزهر إنه يرفضه وبدأ بدراسة القانون، مما اضطر مرسي الذي شعر بالحرج إلى أن يطلب من مؤسسة الأزهر إجراء مراجعة للقانون كان قد بدأها بالفعل بموجب سلطته، وهو ما يوضح أن ثمة نفوذا قويا للأزهر بدأ في البزوغ بعد الثورة !!!...

لكن ما اخشاه أن يتحوّل الأزهر من استقلاليته بعيداً عن السياسة إلى كرة قدم سياسية يتقاذفها الكثيرون، أو ربما تكون الاستعارة الرياضية الأفضل لوصفها هي أنها ملاعب سياسية محتملة.... حيث إنه في الوقت الحاضر، يبدو أن الأزهر، رغم تعزيز زعامته ونفوذه، فستظل هناك، مع الوقت، معركة مشتعلة من أجل السيطرة عليه... ومن المرجّح أن تصبح الضغوط من داخل المؤسسة وخارجها أقوى.... وفي نهاية المطاف، قد يجد الأزهر أن كل خطوة يخطوها نحو المركزية تزيد من مخاطر إرغامه على الابتعاد خطوة عن الاستقلالية!!...لذلك اتوقع أن الأزهر سيكون ميدان لعب في المعارك السياسية القادمة على الدين في المجتمع، ما دام الأزهر أصبح له دور في شرح القانون، وتفسير معنى التعاليم الدينية... ومن الممكن تماماً، على سبيل المثال، أن يجد المصريون أن الأزهر يُقر بأن القانون الذي أقرّه البرلمان الذي تهيمن عليه جماعة الإخوان يتعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية... الدين سيلعب دورا أكبر في مستقبل مصر السياسي المربك، دون معرفة حدود هذا الدور، وكيفية تشكيله، خاصة مع بروز خلافات سياسية بين الإسلاميين، وهي الخلافات التي أنهت نسبياً التوافق الكبير الذي بدأ بعد الثورة مباشرة، وأن هذا التوافق بين الإسلاميين آخذ في التراجع مع الوقت !!!... لذلك ارفض وبشكل قاطع وكبير أي مقارنة بين النظام السياسي الذي يقوم الإسلاميون بمحاولات بنائه في مصر، وبين الدولة الدينية "الثيوقراطية" التي جاءت بعد الثورة الإسلامية في إيران عام 1979....

ولذلك، فالثورة المصرية لا تسير في مسار الثورة الإيرانية، حيث إنه لا توجد عملية إعادة بناء منهجية للدولة المصرية بعد الثورة بنظام يشبه نظام ولاية الفقيه في إيران !!... لذلك هناك درسا مهما للغاية لابد أن يستوعبه الإسلاميون في مصر من النموذج الإيراني، وهو أنه عندما يدخل الدين ميدان السياسة، فإنه نادراً ما يبقى من دون تأثيرات تطرأ عليه، وأن يوماً ما قد يخلص الإسلاميون، الذين يريدون استغلال سلطة الدولة لبناء مجتمع أكثر تديّنا، إلى أنه كان عليهم أن يكونوا أكثر حذراً مما كانوا يرجون، وأن كل فشل في الأداء السياسي للقوى الإسلامية لا يخصم من رصيدهم السياسي فحسب، ولكن يخصم من دورهم الديني والدعوي والإصلاحي أيضاً







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز