عبد الحميد فجر سلوم
666
Blog Contributor since:
04 November 2011


 More articles 


Arab Times Blogs
غودو العربي هل سيصل؟ أم العرب من الوراء الى الوراء

في مسرحيته الشهيرة / في انتظار غودو/ يصور لنا الكاتب الايرلندي صموئيل بيكت شخصياته كيف ينتظرون بعبث ولا مبالاة أملهم ومنقذهم ومُخَلّصهم وناصرهم غودو، هذا القادم ( المُفتَرض) الذي قضى أبطال المسرحية حياتهم يتحدثون عنه وينتظروه من دون جدوى وبلا أمل، حيث انتهت المسرحية ولم يأت غودو هذا الذي اختلف حوله النقاد وحول هويته ودلالته ومعانيه.. أيكون المنقذ فعلاً من الجهل والتخلف والتعصب والتزمت والتطرف والاستبداد، واعتماد الدساتير العصرية الحضارية والحديثة ويعيد للعقل دوره ومكانته وينبذ الغرائز والعصبيات والإنفعالات والمحسوبيات والدعم والواسطات ويعتمد المعايير الموضوعية والمنطقية والأخلاقية في تعامل المسؤولين مع مؤسساتهم وكوادرها .. أم هو اليأس الذي نخشاه، أم الحقيقة التي نتوهمها، أم الأمل الذي يجب أن نبقى مُتعلقين بحباله حتى لا تضيق أكثر فسحة العيش !!..

المهم وأي كان غودو هذا ، فالذي نتفق عليه جميعاً أن الصبر والانتظار قضية أساسية وهامة في حياة البشر لأنه يجسد حالة من الشعور بالأمل ،حتى لو كان وهمي، ولكن حينما يصبح هدفا بحد ذاته فما على الشعوب العربية سوى الإنتظار والإنتظار والإنتظار ..فقد يأتي الصيف ثم الخريف وبعده الشتاء والربيع وتمر السنون واحدة تلو الأخرى طاوية كل الفصول، وما على الجميع سوى الإنتظار !!

قد تحصل حِراكات تليها حراكات وانقلابات تليها انقلابات وتغييرات تليها تغييرات وثورات تتبعها ثورات ولكنها لا تدفع هذه الشعوب خطوة للأمام لأن غودو المُنقذ لم يرافقها جميعا !! قد نشهد جولة جديدة تليها أخرى مع العدو الاسرائيلي في أي وقت في غزة أو الضفة ويمضي شهداء جدد على الدرب وآلاف الجرحى ثم تبدأ الوساطات ذاتها على غرار تلك التي كان يقودها بالماضي حسني مبارك والراحل عمر سليمان مع تعديلات طفيفة بطريقة الإخراج والدوكرة دونما أي مساس بالجوهر، ثم تحصل التفاهمات وتبدأ الاحتفالات (بالنصر) مع المراوحة بنفس المكان، وتتابع اسرائيل توسيع المستوطنات وقضم ما تبقى من أرض فلسطين.. وتُعقد اللقاءات الاعلامية تتغنى ببطولات رئاسية مصرية نعلم جميعا أنها ماتت مع ولادة كامب دافيد وستبقى في ذمة الله ورحمته طالما أن كامب دافيد حية تُرزق تأكل وتشرب وتتدفأ بالغاز المصري !!..

أغتُصِبت فلسطين عام 1948 وانتظرتْ أرضها غودو العرب لإستعادتها ، فهَبَّت الجيوش العربية ورفرفت بساتين البرتقال والليمون مُغَرِّدة فرِحة أن غودو العرب قادم ، ولكن سرعان ما طوت الأشجار أغصانها مصابة بالخيبة بعد أن تساقطت عنها كل الأوراق وتعرَّت مرتجفة من البرد ، لأن غودو العرب لم يصل !! صعدَ للحلبة القوميون واليساريون من شتّى المشارب وتصدّوا للمهمة وفعلوا كل ما بوسعهم ليثبتوا أنهم غودو المُرتَقبْ ولكن غودو لم يصل !!

 مرّت الأيام والسنون ومرّ الرجال وفي كل مرة كانت الشعوب العربية تنظر من بعيد وتردد في سرها ربما هذا القادم هو غودو ... بل ربما ذاك الذي بعده ..بل ربما لم يحن وقت وصوله فالطريق صعبة وقطعها يحتاج لزمن ..فانتظرتْ وانتظرتْ ولكن غودو لم يصل !!مَضَتْ الأيام ورحل الرئيس التونسي السابق فقلنا أن القادم بعده هو المنقذ /غودو/ العربي، ولكن غودو لم يأتي !!

ثم رحل حسني مبارك فقال البعض لابد أن القادم هو المُنقِذُ غودو العربي، ولكن خاب أملنهم لأن غودو العربي أيضا لم يصل !! جاءت طائرات الناتو ودمَّرت كل مافيه النصيب في ليبيا مع الحرص الشديد على آبار النفط ، فقلنا ربما، ربما ،على متنها غودو العربي، فأليْسَ الله على كل شيء قدير؟ ولكن كل جنسيات الأطلسي كانت هناك إلا غودو العربي الذي ينتظروه !! ثم تناهى لنا أن هناك زائر قادم اسمه "ربيع عربي" ولا بد انه يحمل غودو العربي مُتَخفيا بين المروج وسوف يكشف هويته في أول امتحان في غزة ، وبعدها سيسعدنا بالدساتير العصرية الحديثة التي تتماشى مع روح العصر والتطور والمواطَنَة ويتساوى أمامها الجميع بغض النظرعن الدين والمذهب والعِرق والجنس، وتحترم كل أشكال التنوع وخصوصياته على قاعدة الدين لله والوطن للجميع،ولكن الصدمة هذه المرة كانت أكبر بكثير، فغودو الموعود والمُرتَقب والمُنقِذ لم يصل !!

وهكذا تطوي الايام سنة وراء الأخرى ونرحل واحدا تلو الآخر، كما كل البشر، ونحن نعيش غودو في أعماقنا والإنتظار يجرُّ الإنتظار والخيبة تجر ذيول الخيبة الى أن بات الإنتظار ينتظر الإنتظار وغودو العربي لم يصل !!. والربيع الذي صوّروه لنا عبَثَاً أنه غودو المُنقِذ لم نرى منه سوى أكاليل الورد والزهر والغار توضع على قبوروأضرحة الموتى في فلسطين وغيرها والمشاركة في تشييعهم والاطمئنان على جثامينهم قبل دفنها بالتراب،والتعصب الطائفي والمذهبي والعشائري والجهوي ، والتضييق على المرأة والصحافة وحرية الرأي والتعبير والفن والثقافة وحالات الفوضى والتشرذم والانقسامات والاستبداد بالرأي ومحاولات فرض الرأي الواحد بالقوة والعنف والإغتيال والقتل، والتحزبات العصبية التي باتت تهدد وحدة المجتمعات والتقاتل من أجل السلطة ، والسلطة فقط ، وأخيرا تتوجت بأكل لحم البشر!!

وبدل ان كان في كل وطن دولة واحدة( مهما كان عجرها وبجرها وفاسديها ومفسديها ) أصبح لدى كل وطن دول من التنظيمات والتحزبات والتكتلات ولكل منها مرجعيته ومعلمه الخاص به خارج حدود الوطن، يُلقنه التعليمات والتوجيهات ويُغذِّيه بالشيكات والأموال، وأضحى كل شيء وجهة نظر بما فيها مقدسات الأوطان ومحرماتها ، وهنا يكمن الخطر الحقيقي ،، وأثبتنا نحن العرب أننا أعجز من أن نرتقي الى مستوى الشعوب المتحضرة ونبني دُولا وأننا لم نغادر الجاهلية يوما واحدا ولا يمكن أن نكون سوى قبائل وعشائر وطوائف ومذاهب ،بعيدين عن مفهوم الوطنية والأوطان والدول، نعشق من يزدرينا ونكره من يحترمنا، نهرع خلف من يتعالى علينا ونهرب من وجه من يتواضع معنا، وعقولنا أعجز من أن تتطور خطوة للأمام حتى لو تخرج أحدنا من أرقى جامعات الغرب أو أقام بين شعوبه وحمل كل جنسياته وأعلى شهاداته الجامعية .. فتبقى في أعماقه كل رواسب وعقد التربية التي رضعها في البيت وتوارثها أبا عن جد من تعصب مذهبي مقيت وتعصب طائفي مُقرف يُعَطّل كل ما ميّز الله به الانسان عن الحيوان من عقل وتفكير.. مع الاحترام الشديد للشريحة الواعية التي تلفظ هذه القواعد الهدّامة والمفاهيم المُدمِّرة وهي موجودة بالتأكيد ولكن صوتها ضعيف..

كل الرهان الذي بنته الشعوب العربية على ( غودو المُنقِذ ) في الماضي أو في الحاضر وأسقطوه مؤخراعلى حكومات "الخريف العربي" إن بخصوص نقل مجتمعاتها نحو الأفضل والأرقى مما كان ، من قوانين ودساتير لاتمييز فيها أبدا، وأمن وأمان وسلام أهلي وعيش مشترك وحياة أفضل ...أوبخصوص فلسطين ، لم يكن سوى مجرد سراب أوْهَمَ العطشى أنه ماء فأسرعوا الخُطى نحوه لإرواء الظمأ - كما كان حال هاجَرْ أم اسماعيل- ولكن سرعان ما خابت الآمال !! فأحفاد هاجر واسماعيل لم تعد لهم علاقة لا بهاجرْ ولا اسماعيل ، ولم يُعَوضهم الله بزمزم جديد ولا بأحدٍ من أحفاد جرهم ، والخالة التي لم تُطِق رؤية ضرتها بجانبها، لا تطيق رؤية ابناء الضرَّة !!

وليس أمامهم سوى الهيام والتسول والإستجداء على عتبات العالم المُمَثّل في نيويورك علَّه يتعطف عليهم ويعترف لهم بمأوى تحت الشمس يتجمعون به ليقرأوا الفاتحة على روح فلسطين والقدس ، داعين المولى أن يُسكنهما فسيح جنانه بعد أن خذلهما العديد من القيادات الفلسطينية كما خذلوا الدماء العربية التي بُذِلت لأجلهما ،، وصَرَّفوا النضال والمقاومة شيكات وحسابات وأرصدة في البنوك ، وأسهم في أسواق البورصات، وشركات بناء وانشاءات لم تبخل بالاسمنت والبلوك حتى على جدار الفصل العنصري والمستوطنات الاسرائيلية ( فكل شي لحالو)، النضال لحالو والبزنس لحالو !! والصلاة والصوم لحالو وممارسة كل اشكال المنكر والموبقات والجرائم لحالو !!

وساعة إلك وساعة لربك !! وقصة المعتصم في التاريخ لم تكن سوى من الأساطير التي لم تثبت ولا يُعَوّل عليها إلا في التهييج فحسب،لأن العرب لم يكونوا في أي وقت أهل شجاعة إلا في مواجهة بعض!! وربما ان (السخرية) التي وردت في آيات عديدة في القرآن الكريم باتت اكثر ما تنطبق على العرب اليوم ، حُكاما وغيرهم ، كما قوله تعالى ( بشّر المنافقين بأن لهم عذابا أليما ) وكلنا نعلم أن العذاب ليس من البُشرى !! أو كقول ابراهيم ( بل فعَله كبيرهم هذا فاسألوهم ان كانوا ينطقون ) وها هم أصنام العصر أمامنا فاسألوهم ان كانوا ينطقون وما تبقى من أرض فلسطين يُغتصب كل يوم، والاقصى تُنتَهك حرمته ويُهوّد كل يوم ،وأضحى مرتعا للسواح والسائحات الأجانب بالشورتات، والعُشاق يُقبلون بعضا متجولين بساحاته يقضمون الساندويش ويحتسون الكولا كولا !!بينما العرب (وعلماء المسلمين) يتمثلون اللوحة الصينية السوريالية التي تُعَبر عن العَمَى والصمم والبكم حينما يتعلق الأمر بفلسطين وأقدس المقدسات،، فلا رأيت ولا سمعت ولا حكيت، وإن حكى فينطق كفرا ويُحرض الأمة على قتل بعضها !! وكل من يريد القتال في فلسطين فليذهب هو وربّه فنحن في قصورنا مرتاحين ومُستَرخين.. وفي سورية مشغولين ومنهمكين..وأرض الرباط في كل مكان إلا في فلسطين..نرفع يافطة الاسلام كي نكون خلفها مختبئين ومتسترين..ومن تحتها على الفتنة والقتل محرضين..وباسمها الجميع لأقوالنا وفتاوينا مُصَدقين ومنخدعين.. ومن يريد تفاصيل أكثر فعليه برئيس علماء المسلمين .. ولا يوجَد أحلى من آية المنافقين..وكش عنا وبعيد وبلا قدس وبلا اقصى، وأحلى حياة وأريحها هي حياة النعاج، والتضحية تدفعها الكباش وليس النعاج ..فألمْ نقرأ أن سيدنا ابراهيم افتدى اسماعيل بكبش وليس بنعجة !!..

لم تكن الشعوب العربية مُحبطة في تاريخها كما هي اليوم.. فالاستبداد والتسلط الذي كانت تطمح لاستبداله بالحرية والكرامة حلَّ مكانه استبداد من نوع أخطر بمائة مرة ، وبعد أن كان ذا لون واحد (سياسي) اصبح بألوان متعددة: سياسيٌ ودينيٌ وطائفيٌ ومذهبيٌ وتكفيريٌ ،وهذه المرة لم يعد ينتهك كرامة الانسان فقط وانما ينهيه كاملا من الوجود وبطريقة الأكل النَّيْ أو الشواء أو التقطيع !!.. ففي الاستبداد الذي تحدثوا عنه كان يعيش الانسان مرتاحا إن ابتعد عن السياسة وأدار لها الظهرفيرتاح وترتاح السياسة ، أما في الاستبداد الجديد فممنوع أن ترتاح مهما ابتعدتَ عن السياسة فسوف تلاحقك أينما كنت وتهرع خلفك مهما هربتَ منها وليس لك أي خيار سوى أن تكون معي أو تُقتَل .. وإن لم تُقتل بالسياسة فيجب أن تُقتل بسبب الهوية الدينية أو المذهبية!! فَلِمَ الاستغراب والاستهجان أليسَتْ هذه ثقافتنا المتوارَثة وقد جسّدها إبن نباتة السعدي بقصيدته : ومن لم يمت بالسيف مات بغيره** تعددت الأسباب والموت واحد !! ومن قبله خبيب بن عدي بن مالك الأوسي بقصيدته: ولست أبالي حين أقتل مسلما**على أي جنب كان في الله مصرعي !!.

لا أمل بأية ملامح أو رهانات حقيقية بنقلة نوعية لهذه الشعوب العربية حتى لو تغير الحكّام لأن بنية العقل هي هي لا تتغير منذ الجاهلية، وان جوهر السياسات والعقل في بلدان (الربيع أو الفسيخ بتعبير أحدهم) لم يتغير وإنما تغير الاشخاص وكأننا أمام قطار قديم استبدلنا سائقه السابق بآخر جديد شرط التقيد بكل تعليمات السوق القديمة والمحافظة على ذات القطار وذات السكّة ولكن لا بأس من تعديل بعض العربات !! او كمَن يستبدل كؤوس الشرب بأخرى مختلفة مطبوع عليها بابا نويل بلحيته وقبعته، ويُبقي على ذات الشراب !! بل تكاثرت فئات متطرفة تقتل على الهوية وتُحرِّض ليقتل الناس بعضهم تحت عناوين تُغضب الله وتُبكي رسول الله –ص- بدل مواجهة اسرائيل وتحرير الاقصى ، وذلك لخلق فتنة اسلامية كما تخطط امريكا واسرائيل ، وتنفيذ الغايات والاهداف التي عجزوا عنها هم وتحطيم وتدميرالاسلام الذي تعتبره الصهيونية العالمية عدوها بعد سقوط الشيوعية ،وكل ذلك بأيادي اسلامية ، تماما كما حطّموا الاتحاد السوفييتي من داخله !!.

هناك من يعتقد أن غودو المُنقِذ للعرب هو( الأمريكي) رغم كل عدائه للعرب ودعمه غير المحدود لعدوهم الاسرائيلي في كل حروبه ضد العرب ورفضه حتى منح صفة مراقب لفلسطين بالأمم المتحدة !! متناسين أن علاقة اسرائيل بأمريكا هي كما علاقة العاشق بمعشوقته في قصيدة (القَدَر والقرار) والعاشق يقول ( أنتِ حبيبتي بكل الأحوال ..لولا حبكِ ..لما كان أصل البحار ..مصيركِ الآن في يد رجل يحب الانتحار..) ففي القدر الاسرائيلي والقرار الامريكي اسرائيل هي الحبيبة المعشوقة في كل الأحوال وامريكا هي العاشق الذي يحب الانتحار لأجلها !!بينما العرب فلهم (ولرسولهم وكِتابهم) كل الرسوم والكتابات والأفلام الساخرة التي فاقت عبقرية أصحابها عبقرية الكُتّاب الساخرين عبر التاريخ من قُدامى الرومان كما هوراس وجوفينوس ، الى برنارد شو ،الى تراثنا العربي والاسلامي!

غودو العرب ذي الفكر والنهج والعقل (العَلماني) الذي تنتظره الشعوب العربية منذ عقود طويلة لإنتشالها من براثن الجهل والتخلف والتعصب والتزمت والتطرف والاستبداد والإستئثار بالثروات، ويحقق لها تطلعاتها في الحرية والديمقراطية والتناوب السلمي على السلطة والتساوي أمام الأنظمة والقوانين والدساتير العصرية التي تساوي كاملا بين كل أبناء المجتمع والوطن على أساس المواطَنَة بغض النظر عن المذهب أو الدين أو العِرق أو الجنس أو العائلة ، وينضوي تحتها الجميع بمن فيهم ( الملوك والأمراء والرؤساء ) فيطالهم جميعا (همْس الجنون)الذي تحدث عنه نجيب محفوظ ، ويُحَاسبون كما المواطنين العاديين ،، غودو هذا لم يصل بعد ، ولن يصل .. لأن غودوالعرب يسير بإتجاه، والشعوب العربية هناك من يأخذها بإتجاه آخر، إتجاه الفوضى المُدَمّرة وثقافة العنف والدّم والسلاح والشرذمة ومزيد من التفتت والتعصب والطائفية والعشائرية والجهوية ومزيد من التخلف، لتصبح السباحة في البحر حرام بالنسبة للأنثى لأن البحر(مُذَكّر)!! ولكن بأي حال هذه حلّها سهلٌ فصديقي الشيخ ( ابو أحمد ) يمكنه إصدار فتوى بأن البحر هو بحيرة في فضاء الله الواسع فيصبح الاسم مؤنث وتنتهي المشكلة!! ولكن كيف سنصدر فتوى بتأنيث اسم الخبز والجامع والبرّاد والتلفزيون والمُكيّف والقلم  والكتاب والضوء والمنزل والزعتر والزيتون.. الخ ، فكلها أسماء مُذكرة ويُخشى منها .. وماذا ستأكل نساء غزة المُحاصَرة إذا حرّمت عليهن حكومة (هنية) الزيت والزعتر لأنهما مُذكّران !! أم أن الضرورات تبيح المحظورات !! إضحكي يا أمم الأرض على أمة العرب ، إضحكي حتى تنقلبي على ظهرك !!

 لقد أصبح بين غودو العرب المُرتقب وبين غودو الغرب أكثر من 365 سنة ، حين وصل غودو الغرب الى ويستفاليا الألمانية عام 1648 ووضَعَ حداً لسيطرة الطبقة الدينية وهيمنتها على الدولة وضبط إيقاع الدين وإبعاد العاملين في الحقل الديني عن العمل في الحقل السياسي (واعطائهم الحرية لنشر القيم الدينية الصحيحة في المجتمعات )احتراما للدين وقدسيته وعدم الزج به في زواريب السياسة ومناوراتها التي لا تنسجم مع هذه القدسية، وإعادة الوعي للعقل الغربي الذي غيَّبته الطبقة الدينية لمصالحها الخاصة ومصالح الأباطرة ، وذلك عن طريق تبني الخيار العَلماني وبناء الدولة المدنية التي لا فرق فيها بين مواطن وآخر لا على أساس الدين ولا المذهب ولا العرق ولا الجنس ولا العائلة ولا أي شكل آخر من أشكال العنصرية ..هذا الخيار هو الذي أنقذ أوروبا من كل المشاكل والكوارث الإجتماعية والسياسية والدينية التي واجهتها ، ويواجهها العرب اليوم ، وارتقت بفضله الشعوب الأوروبية الى الأعالي ،ومستمرون، بينما العرب إنحدروا الى الحضيض، ومستمرون !! هذا مع التأكيد أن هذا العقل الغربي - وخارج حدود أوطانه - استمر عقلا استعماريا عدوانيا متغطرسا بذهنية التفوق والقوة ، يمارس شريعة الغاب وازدواجية المعايير في العالم ويدوس في الخارج على كل القيم التي يتغنى بها داخل أوطانه، ويتبع سياسة – فرق تسد – بحق أوطان وشعوب الآخرين كي يبقى الأقوى والمهيمن !!.

ثلاثة عشر قرنا من الدول الدينية والصراعات وانعدام الاستقرار(الأموية والعباسية والسلجوقية والأيوبية والمملوكية والعثمانية ) لم تكفي لنصل الى النتيجة التي وصلتها أوروبا ونعترف بجرأة ورجولة أن كل ما أصاب هذه الأمة من مصائب كان سببها خلط الدين بالسياسة واعتماده كدين ودولة، بل هناك من مازال يُصر على "معالجة" ارتفاع الضغط بمزيد من الملح!! وها نحن نعيش نتاج كل تلك القرون  .. فإلى متى ستبقى هذه الأمة حبيسة العقول الضيقة المنغلقة المحدودة وكأنها قدرٌ على هذه الشعوب، وتُصَور العَلمانية (جهلا أو عمدا من دون أن تعي أشكالها ومعانيها) أنها كلها إلحاد، وهذا غير صحيح وأوروبا العَلمانية ليست ملحدة، وأمريكا الشمالية العَلمانية ليست ملحدة وكذلك أمريكا الجنوبية، والهند والعديد من بلدان العالم الثالث، ومن لم يسعفه الوقت ليفهم قليلا معنى العَلمانية فأنصحه بقراءة مقال سابق على يسار هذه الصفحة بعنوان (ربيع خريف شتاء المهم العقل العربي الى أين؟) فالعَلمانية ببساطة هي المساواة بين الجميع بالدستور والحقوق والواجبات واحترام كل الخصوصيات حتى لو كان هناك من يعبد الشيطان ويُصلي له فهذا شأنه والله هو من يحاسب في السماء بشكل افرادي  (ولا تزر وازرة وزر أخرى) وليس من آلهةٍ على الأرض لِتحكم من هو الصحيح ومن هو المخطئ ،فلنترك ما للسماء للسماء ولنفكر في كيفية إمضاء هذه الحياة القصيرة على هذه الأرض بسلام ووئام ومحبة وتفاهُم وتعاون قبل أن يقصف الله الأعمار ويودعها نيران جهنمه أو جِنان حورياته ... وكلما ازدحمت نار جهنم كلما أصبحت أجواء الجنة أهدأ وأجمل وأكثر رومانسية فاتركوا الكفار وشأنهم الى نار جهنم وليهنأ أهل الجنة لوحدهم بحورياتها وهدوئها ومُتَعها وفسحاتها البعيدة عن الازدحام والضوضاء...

فمتى سنرى غودو عربي عَلماني أيضا على غرارغودو ويستفاليا الأوروبي، يحرر العقل العربي من قيوده لينطلق نحو الحياة والآفاق بعيدا عن كل أشكال التخويف والترهيب والإنغلاق والتعصب والعنصرية والكراهية والطائفية والمذهبية والتعطيل إما بسبب الترهيب بالدين أو بالسياسة، أو بكليهما ..أم سنبقى ننتظر وننتظر غودو (المُنقذ المزعوم) حتى تقترب لحظة الموت فنكتشف حينها أن غودو العربي المُرتَقب لم يكن سوى أكلة لحوم البشر وقرقعة السلاح وأزيز الرصاص ومزيد من القهر والقمع والاستبداد باسم الله والدين أو ما شاكلها !







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز