د. علي طه
mdlzb@yahoo.co.uk
Blog Contributor since:
07 July 2012

باحث في العلاقات الدولية



Arab Times Blogs
جرائم الوهابية في القصير و الرزازة

المشهد الاول:

 مدينة القصير على الحدود السورية اللبنانية و خلال المعارك الطاحنة التي سبقت تحريرها من قبضة مقاتلي القاعدة و كان الفتية من حزب الله يقاتلون من شارع الى أخر و يمشطون البيوت بحثا عن الارهابيين و في منتصف الليل و في عتمته و بين أصوات الرصاص و القنابل يسمع احد المقاتلين صوت بكاء رضيع ينبعث من أحد البيوت المجاورة .. . دلف المقاتل الى المنزل و تبعه بعض من رفاقه و كانت دهشتهم كبيرة اذ وجدوا رضيعا في المهد وحيدا و كان يصرخ و بدون تردد و كرد فعل أنساني طبيعي أقترب أحد الشباب من الرضيع و تناوله بين يديه و ما أن رفعه حتى أنفجرت عبوة ناسفة كانت قد وضعت في مهده و أودت بحياة المقاتلين من حزب الله و بالرضيع..

 أنتهى المشهد الاول.

المشهد الثاني:

 سيارة أجرة تنقل بعضا من العراقيين من مدينة كربلاء المقدسة و المتجهين الى محافظة الانبار و كانت السيارة تقل مدنيين و بعضا من الجنود العائدين من أجازتهم الدورية و الملتحقين بوحداتهم العسكرية و على بعد حوالي ١٠٠ كيلومتر من مدينة كربلاء و عند بحيرة الرزازة أوقفت السيارة مجموعة من مجرمي تنظيم القاعدة ترتدي اللباس العسكري و كان السؤال الاول هل انتم سنة ام شيعة و بمجرد تحديد هوية الركاب قامت المجموعة المسلحة بأنزال الركاب من الباص و أعدمتهم رميا بالرصاص و لم يكتف المجرمون بذلك بل صبوا البنزين على جثث الضحايا و قاموا بأحراق الجثث و لاذوا بالفرار.

 أنتهى المشهد الثاني

  المشهدان حدثا في غضون الايام القليلة الماضية و رغم تباعد جغرافية المكان الا ان الحدث يحمل الكثير من الدلالات و المعاني سواء كانت الامنية او القانونية او السياسية و التي تستحق الوقوف عندها مليا.. الذي أستوقفني أولا هو بشاعة الجريمتين اذ أن الارهاب لا يتورع عن تفخيخ طفل رضيع لا يزال في مهده من أجل الايقاع بمقاتل و لا يتورع عن قطع طريق في منتصف الليل لكي يقتل و من ثم يحرق جثث مسافرين عزل لا ذنب لهم..

و في هذا السياق يندرج النهج الذى أتبعه الارهاب المغذى من قبل الفكر الوهابي و الدولار الخليجي و الذى بدا واضحا في العراق و سوريا في أثناء الصراع الدامي الذى عشناه و نعيشه في السنوات الماضية.. فقد رأينا رؤوسا تقطع و تشوى و أكباد و قلوب تنتزع و تؤكل و جثث تحرق أو تنبش و كل ذلك جرى أمام أنظار العالم و لم تترد كاميرات الفضائيات و أعلام الانترنت بنقل المشاهد بالصوت و الصورة و الى كل العالم الذى أصاب بالقرف من رؤية هذه المشاهد و بدأ يتسائل هل من يقوم بمثل هذه الاعمال ينتمي الى صنف البشر..

المؤلم في الامر أن أعلامنا العربي و الممول {في معظمه} من قبل الخليج لا يرى غضاضة بمثل هذه الفظائع بل و أستمر ينعت من يقوم بمثل هذه الاعمال بالثوار الذين يدافعون عن حقوقهم من بطش الجيش السوري او المد الصفوى الشيعي الذي تقوده حكومة منتخبة {يشترك فيها السنة} تحت أمرة نوري المالكي و لكن هذا لا يكفي أذ لا بد ان يسود الفكر الوهابي التكفيري في العراق الذى لا يسمح بأن يرى فكرا أخرا لا يتفق معه أو يسير في ركابه.. . .

 أذن نحن أمام عمل منظم و أستراتيجية تطبق بعزم و تصميم و على مدار سنوات في المنطقة الان و بالتالي فأن مقولة أن هذه أعمال فردية لا تمثل توجها سياسيا أو فكريا أو أيدولوجيا أصبحت بعيدة عن المنطق و غير قابلة للتصديق. و يبدو لي أن هذا الخط سواء كان الفكري أو السياسي أو الايدولوجوي هو الذي سيسود في المنطقة العربية و في خلال السنوات او الشهور القادمة و ان المشروع الذي يلوح في الافق يتبلور بالمزيد من التوتر الطائفي و الاحتراب المذهبي و الذي سيصل الى الحرب الشاملة و هذه الحرب و التي تسعى اليها أسرائيل ستكون مدمرة و قاسية و طويلة تهلك الحرث و النسل و الضرع و لا تبقي و لا تذر.

أن المخلب الاساسي و كلمة السرفي مثل هذا الصراع لا بد و أن تكون مبنية على أسس طائفية أو عرقية أو دينية أو قومية و قد علمنا التاريخ أن مثل هذه الحروب تكون الاقسى و الاكثر دموية.. و يبدو أن أعداء هذه الامة قد أدركوا أن ما يصيب المنطقة بمقتل لا يخرج عن نطاق صراع طائفي او عرقي او مذهبي و بذلك فأن المنطقة سائرة بهذا الاتجاه.. و بالعودة الى التطورات العسكرية و السياسية في عقب معركة القصير بدا واضحا أن مشروع أسقاط النظام السوري عسكريا قد بات صعبا ان لم يكن مستحيلا و هذا يفتح الباب على مصراعيه لصراع طويل الامد و للآسف لا أجد مفرا من تسميته (مرحلة تفكيك سوريا) كدولة و مجتمع..

و لكي أوضح الامر فأن ما يجري الان في سوريل مشابه لما حصل في العراق بعد حرب تحرير الكويت و فرض الحصار عليه رغم أختلاف الظرف السياسي و العسكري بالطبع و لكن النتيجة واحدة فالعراق فكك سياسيا و اقتصاديا و أجتماعيا في خلال فترة الحصار و العقوبات و الضربات الجوية و من ثم الحرب عليه و التي كانت كفيلة بأرجاعه قرون الى الوراء بفعل تدمير بنيته التحتية كما قال و وعد سيء الصيت جيمس بيكر في أثناء أجتماعه الشهير مع طارق عزيز في جنيف قبيل بدء العمليات العسكرية لتحرير الكويت من قبضة صدام حسين و الاخطر تفكيكه أجتماعيا من خلال زرع الفتنة الطائفية بين أبناء جلدته و التي كانت طي النسيان بفعل تعايش العراقيين لقرون مع بعضهم كما هو الحال في سوريا المجاورة..

و يبدو لي ان الهدف من أطالة الصراع السوري هو الوصول الى ذات النتيجة اذ ان البنية التحتية لسوريا في طور التدمير و الاخطر من ذلك فالصراع بدء بتفكيك النسيج الاجتماعي السوري و من ثم فرزه الى سني و علوي و درزي و مسيحي و الى غير ذلك و بالشكل الذي سيكون من الصعب ان نتخيل تعايش هذه الطوائف و المذاهب و العرقيات المختلفة في المستقبل رغم أن هذا البلد عاش و تعايش أبنائه لالاف من السنين و كل هذه المصائب تتم بأموال عربية و بأيادي عربية و فكر سلفي تكفيري أنتجه لنا العباقرة من أتباع أبن عبد الوهاب في نجد و الحجاز و كل هذا يصب لمصلحة العدو المتربص بهذه الامة و الذي لا بد انه الان فرح جذل بما يجري لهذه الامة المنكوبة بحكامها و سياسيها و اعلامييها و مفكريها و علمائها الذين لا هم لهم الا التكفير و اصدار فتاوي القتل و هدر الدماء و أرضاع الكبير و جهاد النكاح او لعله (نكاح الجهاد!!)..

 أن ما يجري في المنطقة خطير و قد بلغ الاستقطاب الطائفي زخما جديدا بعد قيام مقاتلي حزب الله بالتدخل في معركة القصير و بدأت أبواق الجزيرة و من لف في فلكها من وسائل الاعلام الساعية للفتنة الى النفخ علنا لاشعال حرب طائفية بين السنة و الشيعة و للاسف فأن الكثر من المغفلين يسقطون ضحية هذا الاعلام المجرم. الملاحظة الاخيرة و التي تثير الاهتمام هو غياب المؤسسات الدينية العريقة و خاصة الازهر الشريف عن الساحة و كأن الموضوع لا يعنيه البته رغم أن الصراع يستند الى عناصر يلعب الدين او المذهب دورا كبيرا و بارزا فيه .. أتسائل و معي الكثيرون لماذا لا يقوم الازهر بدور أكبر في وأد الفتنة الطائفية و قبرها و لماذا لا يقوم بالدعوة لمؤتمر أسلامي يشترك فيه الجميع لتحديد موقف شرعي واضح و لا غبار عليه من الفكر التكفيري و الارهابي الذي يتخذ من بعض الفتاوي الوهابية شرعية في الامعان بالقتل و التدمير و تمزيق شمل الامة.. ألم يحن الوقت للتحرك أيها الازهر أم المطلوب المزيد من الدماء.. لعل هذه الصرخة تصل الى أسماع من يهمه الامر







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز