د.سلمان محمد سلمان
salman@planet.edu
Blog Contributor since:
05 June 2010

أستاذ الفيزياء النووية والطاقة العالية – قلقيلية – فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
نحو هلال خصيب عربي ج2\2

ثالثا: نحو هلال عربي خصيب

 

الهلال السني مقابل الهلال الشيعي: نفترض حسن النية من الطرفين

مقولة بعض السنة تقوم على أن تكون الهلال السني شرط رئيس لتحرير فلسطين. وتتم الاستعانة بالتاريخ حين تشكل هلال سني من سوريا ومصر بعد قضاء صلاح الدين على بقايا الدولة الفاطمية وأنه دون ذلك لما تمكن من النصر على الدولة الصليبية التي عاشت مئة عام تقريبا قبل انتصاره. وتستمر المقولة أن دور الدولة الفاطمية فتح المجال للغزو الأوروبي ولولا الفاطميين وتمردهم على الدولة العباسية لما تمكن من احتلال فلسطين والشام.

 

وهم يطرحون كتسلسل موضوعي لتكون هلال من مصر والأردن وسوريا وتركيا امتدادا إلى ليبيا وتونس وإن أمكن الجزائر. وتوفر الجزيرة العربية بنفطها ومالها العمق الاستراتيجي. ويرون في الإخوان المسلمين طليعة ورواد هذا الحل وأن السلفية جزء من المسيرة ولا خلاف أصلا معها بالفكر إلا بالقليل. وتحفظ السعودية سهل الاستيعاب من خلال وضوح الأهداف الكبرى.

 

ولكن هذا الطرح يتجاهل حقائق تاريخية هامة فبينما مثلت دولة الزنكيين والأيوبيين السنية رأس الحربة ضد الغزو الأوروبي إلا أن عمقها الرئيس كان عاصمة الخلافة في بغداد وهي لم تخرج عنها رغم استقلالها ومثل الهلال جزءا من الدولة العباسية.  ولا شك أن المقولة ضد الفاطميين تكتسب صدقية بسبب دور حكامهم فترة الغزو الصليبي في التآمر ضد العباسيين. لكن هذا لا يفسر تخاذل الخلافة العباسية حين تم الغزو وانتظار مرور مئة عام حتى ظهر الزنكييون والأيوبيون لتحقيق ما لزم قبل قرن.

 

الفرق الآخر مع الحاضر أن السنة كانوا من يحكمون الأرض والمستهدفون من قبل الغرب بينما نري الآن عكس ذلك فالشيعة مستهدفون أكثر ومعظم عواصم السنة تثبت ولاء مكشوفا لدوائر الغرب.

 

الفرق الثالث أن من يريدون تشكيل الهلال السني سمحوا بل ساعدوا على تدميره حين تم إسقاط العراق فلو كانوا يتبنون هذه الاستراتيجية لما تخلوا عن العراق ولبذلوا الغالي والنفيس لبقائه واحتواء سوريا.  ما حصل عكس ذلك حين ورطوا العراق في حربها ضد إيران البعيدة عن محور الهلال المشار إليه وهم أنفسهم من عمل سنين طويلة على إفشال ذلك الهلال حين تشكلت الوحدة السورية المصرية وهم من عمل بجهد لانسحاب مصر من هلالها الطبيعي.

 

بالمقابل فحجة دعاة الهلال الشيعي تقوم على أن تشتت عالم المسلمين السني ونهضة إيران بعد الثورة تطلبت بحث إيران عن أصدقاء لترسيخ نفسها ودورها في المنطقة. وأن الحلف السوري وحزب الله والآن العراق تفتح المجال لإنشاء رمح شيعي قوي يضمن حماية منظومة المقاومة. ويمثل الحلف كتلة اقتصادية وجغرافية وسكانية قوية 120) مليون نسمة و 2.3 مليون كم2 و 800 مليار وحوالي 55% شيعة 40% سنة 5% غير ذلك) ونسبة السنة في هذا الحلف غير مهيمنة. لكن الحلف لا يريد تبني المذهبية لأسباب كثيرة فسوريا بحكم تكوينها لا ترغب بمحور شيعي والتمسك بمثل هذا الطرح يمكن أن يقسم سوريا والعراق ولبنان مقسوم أصلا. 

 

وجهة نظر سوريا وجزء هام من العراق تفضيل توسيع المحور بحيث يفقد الطابع المذهبي فكان طرح دعوة تركيا وفكرة البحار الخمس التي تشمل حلفا طبيعيا بين إيران والعراق وسوريا ولبنان وتركيا يشرف على بحار قزوين والأسود ومرمرة والمتوسط والعربي. وهي فكرة نبيلة ويمكن لنجاحها استيعاب مشاكل كبيرة كما سنرى لاحقا.

 

هل يمكن الوصول لموقف إقليمي موحد يجمع العرب والفرس والأتراك والكرد ويحقق سياسة البحار الستة ( الأحمر أيضا) وهل من العملي التفكير بمثل كل هذا بعد كشف كل الأحقاد في سوريا والعراق.

 

نواة المشروع تقوم على وحدة عراقية سورية لا بد لها من تجاوز الطوائف والأعراق وعليها التمسك باحترام الدين بمركبات كبيرة دون السماح بسؤدد التطرف الديني. فبلاد الهلال الخصيب لا تصلح أن تكون هلالا سنيا أو شيعيا لأنها مركبة بشكل معقد يمنع تكون تلك الأهلة.

 

عدد سكان الهلال الخصيب حوالي 65 مليون نسمة منهم حوالي 7 مليون مسيحي و 18 مليون شيعي وحوالي 40 مليون سني منهم 6 مليون كردي. هناك أغلبية سنية لكنها غير متجانسة ولا تتحكم بمراكز الثروة أو البحار.  والشيعة يمتلكون النفط والبحار لكنهم منتشرون وغير متجانسين أيضا. والمسيحيون ليسوا أقلية نادرة عديمة الوزن ولديهم مركز كنيسة الشرق الأرثوذكسي التي تتبعها روسيا والسلاف ولهم وزن حقيقي في معادلة الهلال الخصيب.

 

مساحة الهلال الخصيب 740 ألف كم2 وتضاريسه ساحرة الجمال والتعدد من البحار للجبال إلى الأغوار والأهوار والسهول الخصبة والصحاري وبها نهران كبيران وعدد آخر من مصادر المياه ولديها قمم جبال الشيخ و وتطل على 3 بحار غير الميت.

 

وتشكيلة السكان قوقازية بالأغلب وينتشر الوعي الثقافي فوق المتوسط العالمي وتملك خزائن حضارات غير محدودة ولديها خبرات تاريخ لا ينتهي. ودخلها القومي حاليا يساوي 400 مليار يمكن أن يرتفع خلال خمس سنوات من الاستقرار إلى 750 مليار. وتمثل كتلة مانعة استراتيجية لأي قوى أو أطماع ووحدتها تحصر إسرائيل وتكتمل بحلف مع مصر. وإذا بدأنا بالعراق وسوريا فقط تصبح الأرقام كالتالي: السكان 50 مليون والدخل القومي 300 مليار والمساحة 610 ألف كم2 وتشرف على بحرين.

 

وبتناغم مصري يمكن البدء بعد ذلك جديا بتشكيل كتلة من العرب والترك والفرس والكرد بمنطق المصلحة. ويمكن لهذه الكتلة الهائلة جغرافيا واقتصاديا التمدد بحيث تشمل المغرب العربي. ولأسباب تاريخية واقتصادية وبسبب هيمنة غير مناسبة للغرب من الأفضل تأخير إدراج دول الخليج والتناغم معها حتى اكتمال تبلور الكتلة الإقليمية.  

 

كتلة الخصيب وإيران وتركيا والكرد تجمع 200 مليون ومساحة 3 مليون كم2 ودخل قومي 1.7 تريليون. وبانضمام مصر والمغرب العربي تصبح 12 مليون كم2 و 400 مليون نسمة وبدخل قومي 2.4 تريليون. وبالخليج تصبح 15 مليون كم2 و 450 مليون نسمة و 4 تريليون. من السهل أن تجد أي من هذه الكتل وزنا حقيقيا في السياسة الدولية.

 

لكن تشكيل كتلة الخصيب مع المحيط غير العربي بما يشمل مصر والمغرب صعب بسبب التدخل الأجنبي وصعوبة الندية بسبب هيمنة العنصر والمساحة العربية مقابل التحسس الفارسي والتركي.

 

ربما من الأسهل نسبيا ( ليس سهلا بالتأكيد) البدء بهلال الخصيب مع المحيط غير العربي فتلك الكتلة تحمل نوعا من الندية أضعف حلقاتها الكرد لكنهم لن يحملوا حساسية إن وجدوا احتراما معقولا فهم بدون استقلال الآن وتوفير الهوية والندية لهم سيلغي أي نفوذ غربي بينهم وسيميلون للتكامل بدلا من الرغبة بالانفصال عن محيطهم.  

 

والكتلة بحدها الأدنى أو الأقصى وصفة سلام حقيقي لأبناء الإقليم وإلغاء مقولة الطائفية وحدود الدم وتعبير حقيقي عن أخوة وروابط دينية وعرقية كافية. وهذا بذاته يمثل إلغاءا لمشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يقوم على الطائفية والعرقية وتتبوأ فيه إسرائيل مركز الصدارة. ويمكن للكتلة التناغم مع بريكس بما يضمن استقرارا للعالم.

 

لكن قبل كل ذلك لا بد من تكون الهلال الخصيب نفسه ومقومات ذلك متوفرة وأكثر من كافية وتحققها يتطلب رفض المذهبية وتبني القومية والعدالة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وتعاون أو حيادية إيران. فهل يبدأ العراق وسوريا توجها فعليا نحو هلال خصيب يتجاوز المذاهب والطوائف.

 

هل تثبت إيران تساميها فوق المذهبية ولمصلحتها على المدى البعيد حيث يمكن إلغاء المذهبية للأبد وتحمي استقرار حلف قوي لها وتحقق دورا إقليميا عالميا تحلم به دون هيمنة على الجيران أو منهم. نفس القول ينطبق على تركيا فمن الأفضل لها التخلي عن أية أحلام اميراطورية. ربما يخشي البعض من هيمنة العرب لأنهم الأغلبية لكننا لا نحتاج ذلك حقا لأن لديهم من التناقضات ما يكفي كي لا يخاف أحد عدوانهم على الآخرين ويكفي توقفهم عن العدوان على بعضهم خدمة لأجندات أجنبية.

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز