د.سلمان محمد سلمان
salman@planet.edu
Blog Contributor since:
05 June 2010

أستاذ الفيزياء النووية والطاقة العالية – قلقيلية – فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
نحو هلال خصيب عربي ج 1\2

أولا: مقاربة موضوعية:

هل يمكن الجمع بين تأييد الرئيس الراحل صدام حسين والرئيس بشار الأسد.بالنسبة للسيدة رغد صدام حسين فالجواب ببساطة نعم لأن كليهما تعرض لنفس المؤامرة الدولية التي تستهدف قوة العرب ووحدتهم.سبب إثارة السؤال طبعا ما يحصل في سوريا منذ عامين ومحاولة توصيفه طائفيا بصراع بين "الأغلبية السنية المظلومة" ضد "الأقلية العلوية المتحكمة". وقد تم استخدام مشابه قبل عشرة سنوات في توصيف الاحتلال الأميركي للعراق بأنه تدخل رغم الشرعية الدولية لحماية وتحرير "الأغلبية الشيعية" في العراق من نير "الأقلية السنية المتحكمة".

 

في المعركة العراقية وقفت نفس الجهات التي تندب حظ السنة الآن في سوريا مع "الأغلبية الشيعية المظلومة" في العراق وضد "النظام السني المتحكم". بينما وقف جزء أساس من شيعة العراق وبقبول إيراني نسبي مع التحرك الأميركي رغم الإنكار. وأفتى السيستاني بعدم جدوى المقاومة في حينه. وبالنقاط أثبت شيعة العراق وإيران التزاما أكبر "بشيعيتهم" بينما اثبت رواد السنة تناقضهم الحاد. فقد تشكل العراق الجديد على خطى الولاء للغرب بما يرسخ الطائفية ولقاء مصالح على الأقل بين الشيعة والغرب بينما تخلت دول السنة عن سنة العراق. يدافع رواد السنة طبعا أن صدام كان ديكتاتورا قبل أن يكون سنيا وأنهم يقفون مع الحق ضد الباطل مهما كان المصدر وأنهم في وقفتهم الآن ضد الأسد لا ينطلقون من عصبية مذهبية وإنما من ولاء للحق ضد الظلم. ويتناسون أنهم دفعوا العراق يوما لحرب ضروس ضد إيران. وكما يبدو "فالحق الوحيد" الثابت في الصورة والذي يقفون معه دائما هو موقف الولايات المتحدة.

 

تمكن الشيعة بعد عام 2003 من السيطرة على العراق بمواقف تحمل شبهة التحالف مع الأميركي. وهم ينفون ذلك ويقسمون بعدم الولاء للأميركي من خلال وقوفهم ضده في فلسطين ولبنان ووقفتهم الحالية في سوريا. لكنهم لا يستطيعون نفي قبول معونته حين يخدم مصالحهم على الأقل. وقد أيدوا دون تحفظ إسقاط القذافي وصالح اليمن رغم وضوح العدو وعدم تحقق أي مصلحة لهم إلا إذا كانت تحمل الانتقام لمقتل الصدر في ليبيا ودعم الشيعة في اليمن. ومرة أخرى يثبتون ولاء أكبر لأنفسهم وأقل للغرب لكنهم لا ينطبقون بالتأكيد مع موقف الحق دائما. ويدافع رواد الشيعة أن ذلك غير صحيح فهم وقفوا مع ثورات تونس ومصر رغم سنيه وإسلامية الثورات وسيطرة الإخوان ويقولون بوقوفهم مع الإسلام أينما حل بغض النظر عن نسخته. لكنهم لا يعممون ذلك لوصف الحال في سوريا.

 

وبشكل عام فمعامل الولاء للمذهب يمثل محركا لمواقف العراق وإيران وبدرجة أقل في حالة حزب الله وينعدم هذه المعامل في حالة سوريا تحديدا التي لم تمارس أي خطوات تعبر عن توجه طائفي إطلاقا رغم فيض الاتهامات.

 

ففي حرب العدوان على العراق كانت سوريا الأكثر وضوحا في موقفها المعارض للحرب بل ودعمها للثورة ضد الاحتلال واحتضانها ملايين السنة في أزمتهم وغامرت كثيرا في وقفتها حتى اتهمها شيعة العراق بدعم الإرهابيين. ووقفت سوريا الأسد مع حماس رغم سنيتها واخوانيتها وعداء الإخوان الصريح للنظام. ودعمت حزب الله ضد الاحتلال الإسرائيلي قبل 2000 وفي حرب 2006.  ووقفت ضد الحرب على ليبيا واليمن ولم تخدع بشعار الربيع العربي. تميزت سوريا أنها الأكثر انسجاما في المبدأ.  وتتم محاكمة سوريا بشار الأسد بتحميل المسئولية الكاملة عن مرحلة الأسد الأب والبعث بشكل عام. ويتم التذكير دائما "بانسحاب سوريا من دعم الثورة الفلسطينية عام 1970 والحرب الأهلية في لبنان وانشقاق فتح عام 1983 ومعارك حماة ومشاركة سوريا بحرب الخليج". وكل هذه تمت قبل تسلمه الحكم ومن الصعب تحميله مسئولتها المباشرة.

 

في هذه المقاربة يتم تجاهل محاولة الرئيس بشار الأسد إصلاح النظام واصطدامه بشكل كبير مع قوى هامة داخل نظامه وقبوله خسارة ولائها واكتساب عدائها وكل ما يحمل ذلك من عداء غربي كما حصل مع انشقاق خدام وجماعات كثيرة قبل الثورة الحالية.يحمل الأسد الابن مسئولية أحداث حماة بغض النظر عن الظالم فيها هل هو النظام أم الإخوان ويتم القفز سريعا لإدانة النظام الحالي وتبرئة موازية لرموز تلك المرحلة مثل خدام. ويحمل النظام الحالي مسئولية عدم تحرير الجولان بالحرب وكأن الوضع العربي يسمح بذلك حيث لم تهدأ المنطقة بسبب هجوم غربي كاسح أراد احتلال المنطقة فعليا وفرض عليها بين كل هجوم وهجوم هجوما آخر.

 

ثانيا: مقارنة بين وضعي سوريا وعراق صدام :

سوريا الأسد الأب والابن

نظام الأسد الأب اتبع سياسة واقعية عملية (real politic) لبقاء النظام وقبول اللعب مع الأعداء كما الحال في الحرب الأهلية في لبنان وقبول شبهة المذهبية في دعم إيران في الحرب العراقية الإيرانية والمشاركة الرمزية ولو مكرهة بحرب الخليج ضد العراق. بالمقابل كان النظام منسجما مع نفسه فدخول لبنان خدم استراتيجية سوريا ضد إسرائيل ورفض السلام مع إسرائيل رغم انسحاب مصر يمثل موقفا استراتيجيا. والوقوف مع إيران يمكن تفسيره بسبب العداء العميق بين شقي البعث والتحول مع الخليج ضد العراق يندرج ضمن رؤية انهيار السوفييت والانحناء أمام العاصفة.

 

الأسد الابن كان مختلفا نوعا ما حيث وقف ضد أميركا في عدوانها على عراق صدام وخفف من العداء لفتح وعرفات عندما تبين استهدافه من إسرائيل ووقف مع حزب الله وحماس دون تردد طالما حملوا لواء المقاومة وعارض الغرب ولم يقبل التخلي عن حلفائه بشكل عام رغم اختلال ميزان القوى العالمي. ووقف ضد الربيع العربي التامري في ليبيا واليمن وسوريا ولم يكن كذلك في حالتي تونس ومصر رغم تخوفه واحتسابه ذلك ضمن مؤامرة كبيرة. وبشكل عام تميز بسياسة مبدأية (principled politic) بحيث اقتربت المواقف من المثالية وابتعدت عن المنفعية.

 

عراق صدام حسين:

كان في البداية مغامرا سياسيا من الدرجة الأولي ولديه أفكار عظمة واستحكم خلافه مع سوريا البعث أكثر وبدأ حربا أكلت الأخضر واليابس في الخليج وتعمد ألا يري أن حلفاءه في تلك الحرب كانوا الغرب والخليج. ويمكن وصف سياسته في تلك المرحلة بالنفعية المغامرة والعدوانية. بعد عام 1982 تبين له أن الحرب كانت شركا استهدف فناء الطرفين فحاول التراجع دون جدوى لأن إيران الخميني لم تقبل إيقاف الحرب إلا بسقوط ومحاكمة صدام فاستمرت الحرب 6 سنوات أخرى حتى اعترف الخميني بعدميتها وتبين للجميع أن السياسة الدولية لا يجوز أن يحركها الانتقام والعقاب. ومنذ عام 1989 حاول عراق صدام تبني القضايا القومية الرئيسة واعتبر دور دول الخليج سلبيا بالمطلق واستعد لتحالف مع إيران وسوريا وحاول إعادة تمكين العلاقة بالاتحاد السوفييتي الذي بدأ منحنى انهيار سريع. ولسوء حظه أو حظ العرب فقد جاءت صحوته متأخرة عمليا فارتكب خطأ ومغامرة احتلال الكويت بهدف إعادة رسم تحالفات العالم وتحريض السوفييت على الوقوف معه دون جدوى. ولم يملك الاتحاد القدرة على الوقوف معه بل ربما تحالف ضده عدد من قيادات روسيا الذين تعاونوا على إسقاط النظام السوفييتي خلال سنة فقط من حرب العراق.

 

هزيمة العراق في حرب الخليج أضعفت أي احتمال لاهتمام إيراني أو سوري بحلف معه بل استمرت إيران في تحالفها مع قوي مدعومة بشكل عام من الغرب بهدف إسقاط النظام. مرة أخرى أثبتت إيران أن انتماءها المذهبي والقومية الإيرانية أقوى من عدائها لأميركا والغرب. وهذه مواقف غير غريبة عن أي دولة تعتز بكيانها لكنها انعكست بشكل سلبي على المنطقة. وقد اسقط بيد صدام منذ عام 91 وحتى سقوط العراق عام 2003 ولم يستطع وضع أي سياسية معقولة تخرج العراق من ورطته وتمسك بالحكم رغم تضاؤل قوته ولا أستطيع معرفة على ماذا اعتمد فهل تخيل مثلا أن الغرب سيسامحه أم اعتقد بمعجزة إلهية تنقذ العراق.  وقد تبنى بعد عام 1992 توجهات مثالية ومحاولات لاستيعاب الدين ضمن مفهومه للسياسة. لكنه لم يستطع رؤية المستقبل واكتفى بالتمسك بالحكم دون إيجاد بديل عملي وانتظر سقوط بلاده بالقوة الغاشمة دون القدرة على عمل الكثير.

 

انتهي صدام مظلوما وعاجزا عن تغيير التاريخ. ربما اعتقد أن الله لن يخذله بعد أن صدقت نيته في خدمة العرب والإسلام لكن السياسة الدولية للأسف لا تعمل بهذه الميكانيكية. ولأن صدام لم يكن مراهنا وميكافلييا في سنوات حكمه العشر الأخيرة فقد وقفت جماهير عربية كثيرة معه رغم كل أخطائه السابقة وتتعاطف معه حتى الآن.

 

نقاط التشابه

1.    استهداف غربي صريح ومركز ومستمر.

2.    سيطرة حزبية ونظام حكم وجيش قوي وعقائدي.

3.    محرك قومي أساسي.

4.    توجه لتبني دور إسلامي منسجم مع القومية.

5.    عداء خليجي وضعف مصري.

نقاط الاختلاف

1.    عزلة العراق كانت شبه كاملة بينما حلفاء سوريا أشداء.

2.    عربدة أميركا في ذروتها في حالة العراق بينما تنحدر الولايات والغرب وتصعد البريكس حاليا.

3.    فردية صدام أشد مقابل تناغم الأسد مع نظام الحكم.

4.    سنية صدام مقابل تهمة علوية بشار.

5.    حصار دولي قانوني طويل الأمد للعراق مقابل عدم اكتمال الحصار ضد سوريا.

6.    عداء شيعي لصدام دون وجود عصابات وازنة بينما توفرت عصابات هائلة وممولة ضد النظام في سوريا.

7.    القدرة على تأطير فتنة سنية شيعية في سوريا والمنطقة بينما لم يكن ذلك هاما عند احتلال العراق رغم استخدامها لاحقا أيام المقاومة وحاليا.

8.    تدخل أميركي سافر بحرب مباشرة على العراق بينما تمارس حرب بالوكالة في سوريا.

9.    قرب سوريا وقدرتها على إيقاع دمار حقيقي لإسرائيل مقابل محدودية ذلك في حالة العراق وخاصة بعد عام 2000.

 

المقارنة تستحق التأمل فنقاط التشابه تحتوي مفاصل ثابتة في السياسة العربية والإقليمية والدولية وتجربة الجيوش العقائدية أثبتت رغم كل الظلم المرتبط بها أنها توفر مقاومة فعالة للاستعمار. والعامل القومي المغيب يمثل مقياسا يحدد الأعداء والأصدقاء حسب الموقف من الغرب وإسرائيل. والعداء الخليجي لكل قومي متوقع ومألوف بسبب هيمنة الغرب. وأخيرا محاولة الدمج الديني والقومي المبتدئة زمن صدام والتي جربت سوريا الاستفادة منها من خلال تجارب حماس وحزب الله أثبتت فشلا في تأطير يحصن الجماهير من التعصب التكفيري وهذا يتطلب توجها جديدا للمفهوم الديني وعلاقته بالقومي. ولعل أقل الحلول كفاءة اعتبار البديل الليبرالي المرتبط بالغرب ندا للإسلام السياسي. فمثل هذه المقاربة غير حقيقية ولا يمكن انتصار الليبرالي على التكفيري لأن تربة التكفيري أخصب ولا يفله أفضل من فكر قومي متدين ومستنير. وفكر الإخوان لا يصلح لهذه المواجهة لأنهما من نفس الجذر وانجح التجارب الإقليمية ثورة عبد الناصر وبدرجة أخرى الثورة الإيرانية التي جمعت القومي بالديني لكن بمركبة من المذهبية أكثف من اللازم  للأسف.

 

أما نقاط الاختلاف فتعكس فروقا تكتيكية بالأساس ما عدا الدعم الروسي والقدرة على إيذاء إسرائيل مما يوازن العربدة الأميركية وهذه تكفي لصنع الفرق بين الهزيمة والنصر. معظم النقاط الأخرى لا نصنع فرقا جوهريا لكنها تستخدم الطائفية والمذهبية  بشكل ممنهج لاستعداء كل العالم السني ضد الشيعي وهذا ما ذكر للقرضاوي نصا في كلمته الأخيرة يوم 31-5-2013 حين استنكر قدرة 100 مليون شيعي على الانتصار على 1700 مليون سني. هكذا بكل صفاقة. إنها معركة وهمية ولا يمارسها إلا الأبالسة.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز