د. عمر ظاهر
omardhahir@yahoo.dk
Blog Contributor since:
22 October 2011

كاتب واستاذ جامعي من العراق مقيم في اوروبا

 More articles 


Arab Times Blogs
ما قصة ذات الرداء الأحمر يا سيد أردوغان

 كاتب هذه السطور يتابع الأحداث في تركيا عن كثب، من ناحية على شبكات التواصل الاجتماعي عبر شبكة من الأصدقاء الأتراك، وأيضا عبر الإعلام العالمي. وأود أن أعلن أولا أني أتعاطف مع هؤلاء الشباب الأتراك الذين يهزون اليوم شوارع المدن التركية. إن قلبي وعقلي معهم، ولو كنت أجيد اللغة التركية لعبرت لهم وبأقوى العبارات عن دعمي الشخصي لهم، وعن إعجابي بشجاعتهم، وبنبلهم. إنهم وجه تركيا الحقيقي .. الشعب الذي يعشق الحرية، ولا يريد قيودا على عقله، ولا يريد حروبا. هؤلاء الذين يتظاهرون اليوم هم إخوة لأولئك الأبطال الذين قاتلوا الصهاينة بالسكاكين حين هاجموا قافلة الحرية التي كانت متجهة إلى غزة في مايس قبل ثلاث سنوات، واستشهدوا على أيدي القتلة المجرمين، ونسيهم أردوغان، ومد يده إلى قتلتهم، ودماؤهم لم تجف بعد.

 وثانيا، أود أن أعبر عن صدمتي العميقة إزاء صور الدم والجراح التي تأتي من شوارع المدن التركية حيث الصدامات غير المعقولة، وأتفهم الإحباط الذي يشعر به هؤلاء الشباب حين يقولون إن الإعلام، الذي ظنناه حرا، يخذلهم، ففي الإعلام، العالمي منه والمحلي، لا نرى غير صور خراطيم المياه، والغاز المسيل للدموع، بينما الدم الذي يجري لا أثر له. إنه الإعلام الذي لا يستطيع أن يخون أسياده. وكما يقول أحد الإخوة فإن هؤلاء الشباب ليس وراءهم لا قنوات مثل الجزيرة والعربية، ولا أموال نفط قذرة لتمويلهم. إنهم يخرجون إلى الشوارع وليس في أياديهم غير العلم التركي، وليس في قلوبهم إلا حب وطنهم والحرص على تقدمه وازدهاره، فيتلقون الرصاص.

 ولكنْ يبدو أن صمودهم يجعل من سكوت الإعلام أمرا أكثر من معيب فصارت صور مثيرة تتسرب إلى العالم حتى على الـ سي إن إن. مقطع الفيديو الآتي يحكي جانبا من قصة هؤلاء الشباب، ويظهر أن الشرطة التركية تمارس عدوانية سادية حتى ضد من لا يبدو على علاقة بالمظاهرات، فما بالك بمن يرفع علم بلاده ويصرخ "حرية"؟

 http://edition.cnn.com/video/?hpt=hp_c1#/video/world/2013/06/04/lead-votell-paton-walsh-turkey-red-dress.cnn

 الصدمة التي نشعر بها تأتي أساسا من رؤية هذا العدد الهائل من الجرحى والمصابين، ثم القتلى، من مظاهرات في بلد لم ننفك نثني على كونه ديمقراطيا. مثل هذه الصور لم نر مثلها لا في تونس ولا في مصر الدكتاتوريتين، وفي سورية لم يظهر مثلها إلا بعد شهور من بدء ما أطلق عليها زورا وبهتانا "الثورة السلمية"، بينما هنا جرحى بهذا العدد، وقتلى منذ اليوم الأول من مظاهرات هي سلمية، وعفوية تماما!

 من الصعب علينا بعد الآن أن نميز بين الدكتاتورية والديمقراطية، وأن نعرف ماذا يفهم الناس  بالديمقراطية، وماذا يريدوننا أن نفهم بها. نحن، وعلى عكس ما فعل السيد أردوغان حين حشر أنفه وإصبعه في شؤون سورية، نتجنب على الدوام التدخل في الشؤون الداخلية لأية دولة، وفي الحالة الحاضرة تركيا، إلا أن من حقنا أن نتعاطف مع متظاهرين سلميين أينما كانوا، ومن حقنا أن نستمع إليهم لنعرف لماذا يغضب الناس، وخاصة الشباب منهم، في بلد يمارس الحكم على أساس ديمقراطي، ويحقق في مجالات الاقتصاد تقدما لا يمكن لأحد أن ينكره. ونعتقد جازمين أنه قبل أن يستمع إليهم الغير يتوجب على الحاكم في هذا البلد أن يستمع، بل يصغي إليهم، خاصة حين يدّعي أنه أب لهم. ليس هناك أب يرد على اعتراض بسيط من أبنائه بفتح النار عليهم، ويتجرأ على تسميتهم بـ "الزعران".

 هناك على ما يبدو عيوب كثيرة في النظام الديمقراطي بشكل عام، والديمقراطية ليست، كما قد يظن البعض، بلسما لكل جراحات الشعوب. لكن لكون الديمقراطية نقيضا للدكتاتورية المقيتة فإن هذه العيوب تبقى مستورة لفترة طويلة، ولا تنكشف إلا في الأزمات الكبرى. وهنا، في الحالة التركية، نحن أمام فضيحة ديمقراطية من الطراز الثقيل يُمنع فيها الشباب، زهرة الوطن، من الاعتراض على الحاكم حتى ولو بالجلوس السلمي في حديقة عامة علّهم يستطيعون منع قطع الأشجار فيها.

 وعيوب الديمقراطية ليست محصورة في تركيا أو في أي بلد بحد ذاته، إنما هي عيوب (يحلو للبعض تسميتها ثغرات) تجدها، حين يأتي وقتها، حتى في أعرق الديمقراطيات. في عام 2003 وفي جولات جدالي حول مشاركة رئيس وزراء الدنمارك في احتلال العراق كان البعض (ليس الأغبياء، وإنما الخبثاء أيضا) يهاجمني لأني أنتقد رئيس وزراء منتخب ديمقراطيا! وهذه كارثة كبرى في فهم الديمقراطية وفي فهم السلطات التي تمنحها الديمقراطية لأي حاكم، فكون شخص منتخبا بشكل ديمقراطي في بلد ما لا يخوله حق تخريب بلد آخر. إن احتلال بلد الغير جريمة بحق شعب ذلك البلد. وفي حالة احتلال العراق رأينا رئيس وزراء الدنمارك المنتخب ديمقراطيا يركب نفس القارب مع طرطور لا يعرف بلده رائحة الديمقراطية، مثل ملك السعودية. ما علاقة العراقيين بكون رئيس وزراء الدنمارك منتخبا بطريقة ديمقراطية؟

 إن الديمقراطية يراد لها أحيانا أن تكون ثوبا يضفي على لابسه صفة القدسية أو العصمة، ويجعله فوق الشبهات. وهذا يضع مرارا إشارة مساواة بين الديمقراطية والديكتاتورية، بين رئيس وزراء الدنمارك وتيس صحراوي في بوادي الحجاز.

 وإنها لمفارقة كبرى أن نواجه نفس الحجة اليوم حول تدخل السيد أردوغان في شؤون سورية بأن هذا السيد منتخب ديمقراطيا. سبحان الله، ما هذه الشوربة الديمقراطية التي تختلط فيها الأفكار، وتنتهي بنا مرة أخرى إلى قارب يجلس فيه حاكم منتخب ديمقراطيا في تركيا مع "نعجة" قطرية لا يجيد حتى الثغاء؟

 وفي السياق نفسه فإن الديمقراطية تنطوي أحيانا على خداع للشعوب لا يقل بشاعة عن السلطوية الجائرة التي تمارسها الديكتاتوريات، مثلا يعطي أغلبية الشعب أصواتهم لسياسي معين على أساس ما يعرض من برنامج سياسي، واجتماعي، واقتصادي في لحظة ما. ولكن هناك دائما أمور تستجد بعد ذلك، أي في فترة الحكم قبل الانتخابات التالية، ويتصرف فيها ذلك السياسي بشكل لا يرضي الشعب، لكنه يتصرف كما يشاء على اعتبار أن الشعب منحه الثقة والسلطة – وهو يعرف حق المعرفة أن السلطة التي منحها إياه الشعب لا تنسحب آليا على كل ما يستجد. ولو كان سلوكه متضمنا في برنامجه الذي فاز على أساسه فإنه ما كان ليفوز. وكمثال على ذلك، لو أن السيد أردوغان كان قد قال للأتراك في الإنتخابات الأخيرة إن أزمة كبرى ستقع في سورية، وإنه عازم على توريط تركيا فيها، فربما كان رئيس الوزراء في تركيا الآن شخص آخر لأن الشعب التركي لا يريد التورط، وبهذا الشكل، في مشاكل البلدان الأخرى. ولا تقل بشاعة الخدعة بالرجوع إلى برلمان تكون فيه للسيد المنتخب أكثرية!

 يحلو للبعض أن يسمي هبّة الشباب هؤلاء بـ الربيع التركي"، وأنا أتفق مع الرئيس التركي عبدالله غول في رفضه أن يكون ما يجري في بلده ربيعا على شاكلة ما جرى في العالم العربي. إن إسم الربيع صار يبعث على الإشمئزاز، لأنه علامة شؤوم، ونذير سوء بأن المصائب ستحيق بذلك البلد الذي يأتيه هكذا ربيع! وشباب تركيا أذكى من أن يجرهم أحد إلى تخريب بلدهم. على العكس، إن هذه الهبة الشجاعة هي، ربما، ردة فعل على ما جرّه ربيع بعض العرب على تركيا من مخاطر.

 أنا قلت مرارا في السابق إني لا أخشى على بغداد مثل خشيتي على إسطنبول، وذلك لأن من يتآمر على العراق لم يستطع حتى الآن، ولن يستطيع أبدا أخذ بغداد من أهلها. إنهم يجعلون السلطة بيد السنة أو يجعلونها بيد الشيعة، لكن بغداد تبقى في آخر المطاف لأهلها الشيعة والسنة والمسيحيين وغيرهم. أما إسطنبول، فقلبي على إسطنبول، لأن دوائر المسيحية الصهيونية لا تريد أقل من رؤية إسطنبول وقد عادت الأجراس فيها تقرع في آيا صوفيا.

 إن بغداد ودمشق هي قلاع على الطريق إلى إسطنبول، وحين تسقط بغداد، وتسقط دمشق فإن الطريق إلى إسطنبول تصبح مكشوفة، وسالكة أمام المسيحيين المتصهينين (المحافظين الجدد) ومن ورائهم عربان الخليج، الأعداء التاريخيون لشعب تركيا الذين لا يريدون الخير للشعب التركي. وإنها لخيانة كبرى بحق تركيا أن يساعد أي تركي على سقوط دمشق.

 إننا لنحير فعلا حين نرى السيد أردوغان يطالب بالديمقراطية للسوريين، لكنه يرد على أبناء بلده بهذه القسوة حين يمارسون حقوقهم الديمقراطية!

 إن ما نفهمه من إصرار هؤلاء الشباب هو أنهم يفهمون الديمقراطية، ويعرفون تعرج طريقها، وهم يريدون أن يعلنوا، حتى قبل الإنتخابات المقبلة، ما سيقولونه يومها .. الديمقراطية في تركيا لن ينتزعها من الشعب أي كان، ولو رأى في نفسه أبا!

 أيها الأب الطيب أردوغان هلا أخبرتنا ما ذنب إبنتك ذات الرداء الأحمر في الرابط!







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز