الطلحاوي نجيب
talhaoui.najib@hotmail.com
Blog Contributor since:
05 January 2008

كاتب عربي من المغرب

 More articles 


Arab Times Blogs
أكـاذيب دولية ظريـفة !

تتميز الأكـاذيب الفردية الشخصية بكونهـا أحيانـا تروح إلـى الحفاظ علـى مصلـحة الذات اعتقادا، كمـا قد تكون دوافعهـا أحيانـا أخرى "إثبات الذات" أمـام الآخرين كأن يكذب الشخص علـى زميلـه بشأن مطالعته لكتـاب مـا مثلا أو بفعل شيء بطولي لـم يفعله حقيقة، و سواء تعلق الأمـر بهذا أو ذاك فإن الكاذب صـاحب الدعـوى هو شخصية مريضـة مؤقتـا تحركهـا مزاعم و أوهــام باطنية تنجلي بانجلاء آفـات القلب و تستقيم باستقامـة العقل و الفكـر ، و قـد لا نغـالي إذا جازفنا بالقول بأن صنف تلك الدوافع الفردية لا تختلف كثيرا عن مثيلاتهـا في السـاحة الدولية الإعلامية الكبرى حيث تتحرك الأكاذيب الدولية باتجاه صيانـة الذات من الآخر الدولي و تمضي بهـا ليس في بُعـدِ إثبات الذات الدولية فحسب و إنمـا تتجاوز ذلك إلـى حدود صنـاعة "قضايا" وهمية قد تؤدي إلـى استباحـة أرض بالعنف الدولي و غزوها بأشكـال تدميرية تحت نفس الادعـاء، و لا يتوقف الأمـر عند تحقيق منـاطات الكذب الدولي فقط و إنمـا قد يمتد امتدادا مُستدامـا هـو في الحقيقة جوهـر التسويق الإعلامي الكاذب .

 من هـذا المنطلق يجوز لنـا القول بأن الأكاذيب الفردية تمثل صورا مصغرة للأكـاذيب الدولية و لا تُباينهـا إلا في الدرجة دون النوع و الجنس مـع فارق يتأسس من منطلق اعتبار الأولـى حـالات فردية قابلة للمعالجة و اعتبار الثانية حالة دولة من وراءهـا ترسـانة هـائلة من الأقلام المأجورة و المتخصصين و صنـاع السياسات و رجال الإعلام المُعَولِمين للكذب بأدوات متطورة و عبر مؤسسات استخبارية تخطط، فليست القضية هنـا مسألـة محدودة التأثير بل عابرة التأثير ، كمـا أنهـا لا تستهدف إثبات الذات إثباتا فردانيا بينيا و إنمـا غرضهـا غرض دولي تروم تثبيت الذات في حدود الآخر الدولي و تجذير الوجود في سـاحات المفترى عليه تجذيرا أبديا إلحـاقيا .

  صنـاعة الأكاذيب الدولية آلــة آلية لا تتم بعفوية عابرة و لا بعقلية باردة، و إنمـا تمر حتمـا عبر وسائط مؤسساتية مرموقة تقوم على دراسات و مخططات مستقبلية إذ لا تنتمـي تلك الأكذوبات إلـى حقل محدد و إنمـا إلـى حقول تتوزع بين مـا هو سياسي و عسكري و فكري وفلسفي و اجتماعي علائقي، و في نظام "عالمنـا الجديد" نماذجا من الأكذوبات الدولية المكررة بقوة لوبيات الصحافة الدولية و الإعلام الدولي و أبواق ثرثارة تنتمي أحيانـا إلـى الدول العروبية القُطرية المتخلفة و أحيانـا إلـى "مثقفين" مُدجَّنين غاية التدجين ، نـذكـر بعض تـلك الأكـاذيب باختصار شديد كمـا يلي :

  1 – أكذوبـة الدمـار الشامـل : أكذوبـة غريبة قامت علـى أساسهـا أمريكـا بشرعنـة غزوهـا العسكري في العراق و انتهاك أراضيهـا عنوة و تدمير بنياتهـا و تشكيلاتهـا الطبيعية و الاجتماعية و إلحاقهـا كمُستعمـرة مستدامـة، أكذوبـة امتلاك العراق لأسلحـة الدمـار الشامل تمت بعناية دقيقة عبر آليـة عولمة الأكذوبة و تجييش العالم إعلاميا و خلق افتراضات و سيناريوهـات و عقد تحالفات و لقاءات و تنسيق بين عملاء البنتاغون و عملاء وكالة الطاقة الذرية و تحــريب المجتمع الغربي بخطورة امتلاك نظام بغداد أسلحة شاملة و تسخير مؤسسات دولية ( هي في الأصل ملحقات أمريكية )كمجلس الأمن و هيئة الأمم المتحدة لتيسير عملية الغزو بغطاء "دولي" و اتصال بسفراء الدول العربية بالعراق تمهيدا لتنفيذ برنـامجهـا الهمجي...تمت بالفعل تغذية كل القنوات اللازمـة "لتدويل" الكذبة و جعلها قضية عالمية تهدد "الأمن" الدولي و السلم الدولي فكانت بذلك تصنع الأرضية المنـاسبة لتحقيق النكبة و تنفيذ المؤامرة، مؤامـرة السيطرة على العقل العلمي العراقي أو نسفه إن أمكن، مؤامـرة "الأمركـة" و فرض منطـق إعـلاء منظومة القيم الغربية و إحقاق مبدأ "نهاية التاريخ". تمت إذن فبركة أكبر كذبة سياسية في العالم المعاصر و أثبت الواقع زيفهـا و انخداع العالم بهـا، و بسببها مـات من مات و تسلط من تسلط، مــرّ كل شيء في صمت بعد أن حقق الغول الأمريكي أغراضه الإستراتيجية و مضت كل دولـة تنــسى كل شيء كأن شيئا لم يكن فنجحت البلادة الأمريكية في فرض إرادتهـا التَـترية و صارت فرية أسلحة الدمـار الشامل حكـاية في التاريخ لا بأس أن يموت في سبيلهـا مـا لا يحصى و تُدمَّـر تحت دعاواهـا حضارات بأكملهـا ! انتهت الكذبة بانتهـاء صلاحيتهـا و استنفاذ أهدافهـا لكنهـا تظل مع ذلك كذبة قابلة للعودة –لبلادة المجتمع الدولي- مـادامت المؤامرات الاستكبارية ملة واحدة و مـادامت العقليات العربية الرسمية القُـطرية غارقة في تبعيتهـا بقضهـا و قضيضهـا .

2 - أكذوبــة محور الشــر : من عـادة المستكبرين القيام بتصنيفات دولية تحدد بموجبهـا "الأنظمة المـارقة" الخـارجة من قبضتهـا، فأمريكـا الطـاغية صـارت لا تخجـل من إدراج الدول في خـانـات عِدائيـة ليس الغرض منهـا إلا التخطيط لاحتمـالات مستقبلية مفتوحـة علـى كـل خيار، و "محور الشر" الذي نحتتهُ أيادي السياسـة الأمريكية المكيافيلية ليس إلا وجهـا من وجـوه الأكذوبـة الدولية إذ لا يتجـاوز الخطـاب في رأينـا بعده العِدائي الدّعـائي أساليب الحروب الكـلامية التي تستثمـر في إكسـاب النباهـة والشهـرة السياسية، و لعـل مجريـات الثورة السورية قدمـت دليلا قاطعـا آخـر علـى تهـافت منطق التصنيف الأمريكي إذ انكشفت بجـلاء مواقفهـا السياسية النفاقيـة و ألاعيبهـا القذرة، فكيف يستقيم في عرف العقل الحصيف منطق اعتبار سوريا النظام دولة مـارقة وجب إسقاطهـا مع منطق الهرولة نحو سياسة البحث عن التسويات السلمية لحل الأزمـة و هي التي كـانت تستجدي بخطـابهـا التحريبي الحربي مفاصلـة النـظام البعثي بالجملة و الإطـاحـة بهـا قبل قيام الثورة السورية ؟! أمـا و أن انتفاضـة الأحـرار السوريين قد قـامت و اشتعلـت الأرض بنيرانهـا فــكيف يبرد الموقف الأمريكي إلـى هـذا الحد من الانبطاح النفاقي فتتلكّأ عـن دعـم المعارضـة بالسلاح و تختـار طريق مشاركـة موقف الدب الروسي قاتل الشعوب الحرة لحل النـزاع ؟ أهــيَ حـذاقـة مهندسي البنتاغون أم استدراج بمنطق ضرب عدو بعدو حتـى تخلو لهـا الفريسة الجريحـة ؟ وتحت هـذا العنـوان القذر تتعشش أكذوبـات لا تقل افتراء علـى العقل الدولي مثل فرية "العدالة الدولية" و "حقوق الإنسـان" و "محـاكمة الجنـاة"...فأيــة عـدالـة دولية يـا ترى ترعاها المؤسسات الجنـائية الدولية و قد أُبيدَ هنـاك أكثر من ثمانين ألفا إنسانـا –إلـى حدود الآن – علـى يد الطـاغية و شرذمتـه الطـائفيين ؟ عن أية حقوق الإنسـان يتحدثون في الأبواق الدولية و العـالم يشاهـد البؤس الإنساني في أحـط صوره فلا يتوارون خجـلا من صك آذان الدول المتخلفة أنْ يـا شعوب العـالم آتين للاقتصاص و لا حياء . لقد صـارت الأوجه السياسية النفاقية ازدواجية المعـايير بلغـة السياسة المعاصرة عنـوانـا للممـارسات الفرعونـية التي تتلاعب بعقول و ضمائر النـاس ،صارت "لعبـة"و سياسة قذرة بسببهـا تغـرق الإنسانية في بحـار الدمـاء دون أن تهــتز لهـا ضمـائر دول صنـاع "حقوق الإنسان" إلا أن يكون صعلوكـا صهيونيا هنـا أو هنـأك جيفـة مُلقـاة ! للأسف تحولت الألاعيب الطفولية إلـى قوانين تتحكم في رقاب الناس قتلا وتدميرا و انتقلت "تقنياتهـا" لتعم بلواهـا تفكير السياسيين المثقفين و أحزاب و تنظيمـات ، و حزب "حسن نصر" اللبنـاني ارتفع بهـا و أتقن التجديد فيهـا فمـالَ هـو الآخـر باللعب علــى المعايير المزدوجـة إذ في عرفه يجوز الانتصـار لكل الثورات مـا عدا سوريا، و يرسـل شواظـا من نـار علـى تدخـل القوات السعودية في البحرين في حين لا بأس لتدخلـهِ هـو في سوريـا لقمـع الثوار المعارضين

3 – أكذوبـة إعـادة الإعمـار : هـي كِذبة دولية ظريفـة تحاول بهـا الدول الفرعونية تسويق الأوهـام بشكل مهذب و أنيق تستهدف التخفيف من الانطباعـات التي تتراكم في مخيال الشعوب بعد الانتهـاء من عمليات الغزو و التدمير الممنهـج ، و لا عجب أن تُعــقَد مؤتمرات دولية للدول "المـانحـة" في كـل مـرة دون أن تتحقق الوعود الزائفـة في إعـادة الإعمـار للدول المغزُوََّة , تمـلص العديد من الدول من مسؤولياتهـا و التزامـاتهـا صـارت "سنة حميدة" عند الدول"الكبرى"بموجبهـا يُستــدام الخراب و يُـؤبَّد التخلف و تُلــحق عمليا "بالمستعمرات" العميلـة فـلا تقوى علـى النهـوض و لا تقدر رفع التحدي إجمـالا، و غالبا مـا يتم الترويج للمفهوم بعد أن يتم النجاح و التحكم في إخـضاع دولة تحت السيف الدولي من طـرف مـا يسمـى بهيئة الأمم المتحدة و مؤسساتهـا فتشرع في التغطية علـى الجريمـة "الاستعمـارية" الكبرى بثرثرة سياسية حول إعـادة بنـاء الدولة المركزية وتأهيل المجتمـع و التزود بالمواد الغذائية اللازمـة و بنـاء الجيش و تقوية المرافق.. و قد تُمـنحُ لتلك الدولة المُلحَقـة المخربة شيئـا من الهبات المـادية و المساعدات الاجتمـاعية لكنهـا في العمـق إخـفاء لآثـار الجــلاد و استكمـالا لمعـالم الجريمـة الدولية المنظمـة ، ومــا حدث في أفغـانستـان نموذج بارز يقوم شاهـدا علــى سياسة الأكذوبـة و أكذوبـة السياسة الدولية إذ صـارت "الدولة" هنـاك أشبهَ بمحيط قروي كبير يشتكـي "قادتهـا" في كل مـرة من تحلل الدول الغـازية من التزامـاتهـا المـالية، فكيف إذن يُستــساغُ عـقلا من دولة طـاغوتية كأمريكـا و حُلفاءهـا الإسهـام في بنـاء الدولـة القوية و قد تحركوا أصلا و فصلا بدوافع قارونية استكبارية لنهـب الضحية و إفقـارهـا حتـى النخـاع ؟ أيمكن لبعض الفتات أن تعيد بنـاء الهوية الضائعـة و قد قامت نزعات التسلط الدولي علـى تدمير البنيـات الاجتمـاعية و زرع مضاداتهـا فاستدامتهـا بمقتضى تحقيق التبعية الكـاملة و الانصياع "للإرادة الدولية" ؟ أكــاذيب حبلى بالورود!

4 – أكذوبـة الحقوق الكونية و في الفكر السياسي و المدني يتم تدويل "الحقوق الإنسانية" وتسويقهـا كبضاعـة مزجـاة فعـلا، و قد صُنعت من شعـارات الحقوق المدنية رمـوزا و مقدسـات يعد نقدهـا بمـثابـة إعـلان حرب أو "ظلامية" أو "تطرف" أو "تراجع" عن مكتسبـات النـضال العـالمــي . في الحقيقـة ، لـم يتورط الفكر الفلسفي الغربي لوحده في هـذا "التدويل" القيمي و تفريخ إعلاناته في كل قنوات تصريف المعلومـة و إنمـا أعـان عليه علينـا في نقل نمطية الحقوق الغربية مـا تعرفه النخب الهجيبنـة في الدين و الفكر و اللغة من انسحـاق تـام في منظومـة قيم الغرب أدت بهـا إلـى تقمص و استعـارة منتوجـات الآخـر بالوكـالة دونمـا نقد للأسس الفلسفية التي تأسست عليهـا تلك الحقوق ، و لقد تحركت تلك الأكذوبــة من منــطلق استغـلال العموميات اللفظية و الدلالات الظاهـرة لفرض عموميات معـانيهـا و تبيئتهـا بمقتضى فرض الأمـر الواقع عبر إقحـامهـا في بنود دولية وإعـلانـات "عـالمية" حتـى تصير ملزمـة لا مُعلمة ، و ينضاف إلـى عـامل الاستغلال اللفظي حيل مـزج الغث بالسمين في شأن الحقوق حيث استغلت على جانبها قيما حقوقية حقيقية ( الحق في التعلم،الشغل،المسك،التطبيب...)فانخلطت بقيم إنسانية غربية تلتمس المواربـة تحت أقنعـة القيم الحقيقية ، و هـكذا تُقدَّم للعـالم المتخلف توليفـة مبادئ محلية الصنـاعـة مُحـاطـة بشعـارات واقعية منطقية الويل لمن طمع في عزل بعضـا عن بعض . أنتَ متهم في عقلك لـو فكرتَ يومـا بنقد "الإعلان العـالمي لحقوق الإنسان"، كيف تجرئ علـى التحدي فتعـادي قيم المساواة و الإخـاء و الحرية ؟ كيف تــتوقَّــحُ علـى "أسيادكَ" و قد رسمـوا للعـالمين خريطة "كونية" تسوقهـم و تـرعـاهم في حظيرته ؟!

 أنسيتَ بأن العـالم الغربي "المتحضر"خـاضَ و يخوض معـاركَ طـاحنـة في سبيل تنزيل ديباجاته حول "حقوق الإنسان" كمـا حدث في أفغـانستـان و العراق مـثلا أم حسبكَ تبغي الظهـور ؟! ألم يعد العـالم الآن يدرك الحيل الشيطـانية التي تكمن وراء العنـاوين و التفاصيل أم نسيَ كون حملـة بونـابارت تمت باسم الحقوق الثلاثية الفرنسية الشهيرة فغزى مصر تحت عنـوانهـا ؟! لا فـائدة من الرهـان علـى حفاظ البنود الدولية من ذرارينـا الطـاعنين في مشيخـة الديباجـات ، فعندمـا يتكـلس العقل عن التفكير في أسرار مـا وراء العنـاوين لا يجد بدا من اجترار المفاهيم، و إلـى هنـا يتحقق التنميط في أحـد جوانبه الفكرية و يتحول العقل إلـى أداة لخلـق قيم مزدوجـة تنتــجُ مـا سمـاه الأستـاذ منير شفيق "مجتمعـان تحت سقف واحد" في كتابه ( قضايا التنمية و الاستقلال في الصراع الحضاري) فـلا داعي للأكـاذيب العـابرة للقـارات رجاء .!







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز