د. عمر ظاهر
omardhahir@yahoo.dk
Blog Contributor since:
22 October 2011

كاتب واستاذ جامعي من العراق مقيم في اوروبا

 More articles 


Arab Times Blogs
عربان الخليج ورقة أردوغان الخاسرة

 شعب تركيا كافح خلال القرن الممتد من انهيار الامبراطورية العثمانية حتى اليوم من أجل بناء حضارة إنسانية جديدة وأصيلة، ومجتمع ينحو إلى الحرية والديمقراطية. وقد جرى البناء الجديد في ظروف صعبة، وقاسية، فإرث الماضي الثقيل، وتحديات الحاضر الاقتصادية والسياسية، ومخاض الهوية الجديدة مضافا إلى كل ذلك طموحات المستقبل المشرقة في وسط أو جوار أوروبي غير ودي، كل ذلك جعل مزاج هذا الشعب يتميز بحساسية مفرطة، فلا هو يرفض كل ماضيه ولا هو يمجده، ولا هو يدير ظهره لأوروبا ولا هو يركع لإذلالها، ولا هو يرفض الإسلام ولا هو يستسلم له. تركيا قلب الشرق مع أنها تقع على أطرافه، وهي تحث الخطى إلى الأمام، وعازمة على أن لا تعود القهقرى إلى الوراء، وإن كانت أحيانا تطلق العنان لصوت التاريخ في أعماقها ليعلو ويوحي بأنها ترضخ لقوة الحنين إلى الماضي، وتقر بأنه ليس سيئا كله.

 إن الشعب التركي أصيب خلال قرن كامل من الكفاح الجاد، بلا شك، بإخفاقات كبيرة، لكنه تمكن أيضا من تذليل عقبات كبيرة أمام تطوره، فالاقتصاد تحسن إلى حد كبير، وقيم الديمقراطية تجذرت، والحريات فرضت نفسها بكل قوة، حرية الإعلام في مقدمتها، والحريات الشخصية بعدها. وتراكمت لديه ثروة علمية، وثقافية هائلة، وتكونت في مجتمعه طبقة وسطى شديدة التنور، واضحة الرؤيا، وفاعلة بقوة في الحياة السياسية والاجتماعية.

 الشعب في تركيا فخور بنفسه إلى حد قد يوحي بالإستعلاء على الغير، وواثق من نفسه إلى حد قد يوحي بالغرور، ولكن أليس هذا الشعب هو الوحيد في الشرق الأوسط الذي ما زالت قوى اليسار فيه تحتفظ بثقل نوعي هام في الحياة السياسية والإجتماعية؟ أليست النخب المثقفة فيه صاحبة كلمة نافذة، وموقف واضح وثابت؟ بلى، فله الحق إذن في أن يفخر. وما يحدث اليوم لهو الدليل القاطع على أن شعب تركيا شعب يتميز بدرجة عالية من الوعي، ولا يمكن أن يسلم قياده لمن قد يبدو له ساعيا إلى الرجوع به إلى الوراء.

 لكن ماذا يحدث اليوم؟

 من الصعب تكوين صورة دقيقة عما يحصل، وعن أسبابه، ودوافعه، فالمسألة، بلا شك، لا تتعلق بمتنزه، وهناك أكثر من قضية تحت سطح الأحداث، ولا يجوز لأحد أن يخمنها، فالأتراك وحدهم لهم أن يفصحوا عنها. إنما هناك مؤشرات قوية، تظهر لمن يتابع التطورات على شبكات التواصل الإجتماعي، خاصة الفيس بوك، على أن شرخا كبيرا قد حصل بين الحكومة وجزء مهم من الشعب، خاصة النخب المثقفة. وهذا الشرخ سببه، حسب شبكات التواصل، تقصير السيد رجب طيب أردوغان عن فهم الشعب التركي.

 لقد كان هناك في السابق شعور عام بأن السيد أردوغان أساء فهم قواعد اللعبة في الخارج، خاصة فيما يتعلق بالأزمة السورية فرمى الحجار على الجيران متناسيا أن بيته من زجاج. ووصل به سوء الفهم لقواعد هذه اللعبة حدا وقف معه يحث السوريين على الاقتتال ومحاربة الأسد، واعدا إياهم بالمقابل الصلاة معهم سوية في الجامع الأموي في الشام. وقد قيل في ذلك إن السيد أردوغان كان بإمكانه قبل تدخله في شؤون سورية أن يأتي إلى الجامع الأموي في دمشق، ويصلي فيه خمس مرات في اليوم، فلماذا جعل ذلك حسرات على نفسه، وصار على السوريين أن يتقاتلوا، ويدمروا بلدهم حتى يتسنى للسيد أردوغان أن يأتي ويصلي في المسجد الأموي؟ ويظهر جليا الآن أن السيد أردوغان كان في الوقت نفسه، حسب شبكات التواصل، قد أساء بعض الشيء فهم قواعد التعامل مع الشعب التركي، بنفس طريقة الصلاة في الجامع الأموي، ولم يقدر حساسيات هذا الشعب على الإطلاق.

 إن الأغلبية الساحقة من الأتراك لا يقبلون بالصلاة هنا أو هناك كجزء من المعادلات السياسية الجادة. صحيح أن السيد أردوغان قد وصل إلى السلطة بطريقة ديمقراطية، لكن هناك من يشعر، والحديث هنا عن شبكات التواصل الاجتماعي، بأن السيد أردوغان استغل الديمقراطية للإنقلاب على الديمقراطية، ولهذا فإن عبارة "دكتاتور" تلاحقه بقوة وكثافة.

 هذه بالتأكيد تقديرات خصومه، ولكن هناك شيء مهم فيما يحدث، ولا يمكن لأحد أن يتجنب الإنتباه إليه على شبكات التواصل، ألا وهو أن السيد أردوغان ربما يكون قد بالغ في مظاهره الإسلامية إلى حد أنه صار يستفز صورة المواطن التركي عن ذاته، فالنخب الثقافية التركية الواسعة ترى نفسها علمانية، عصرية، وترى الدين، حتى في ظل حكومة إسلامية، قضية شخصية، وليس نظام دولة أو دستور مجتمع، وهي أقرب إلى أوروبا، إن لم تكن بالفعل جزء من أوروبا. وقد يكون السيد أردوغان قد أهمل هذا الجانب المهم في الصورة الذاتية للمثقف التركي، فصار يوحي بأنه يأخذ تركيا باتجاه آخر تماما. إنه، مثلا، وهو الذي كان يفترض فيه بإعتباره، كما أعلن بنفسه مرارا، وريث الحكم العثماني، أن يترك مسافة بينه وبين العربان الخليجيين الذين خانوا أجداده العثمانيين، ولعبوا دورا هاما في سقوط امبراطوريتهم، وفي إذلال تركيا في الحرب العالمية الأولى. لكنه لم يترك مثل هذه المسافة، بل على العكس صار يعطي انطباعا بأن تركيا أصبحت في قارب واحد مع هذه البلدان العربانية التي تثير صورتها غثيان المثقف التركي. يبدو أن هذا هو أحد الأخطاء السيكولوجية الفادحة التي ارتكبها أردوغان في سياسته الخارجية، أي إنفتاحه المفرط على عربان الخليج، والإيحاء للنخب المثقفة العريضة في تركيا بأن تركيا، وبدلا من السعي للاقتراب من "الطموح" الأوروبي، صارت تقترب من أنظمة قرووسطية تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة السياسية والاجتماعية العصرية، والتي لا يتشرف المواطن التركي المتنور بأن يكون شريكا لها في السياسة والاقتصاد. عربان الخليج، السعوديون والقطريون، يرمزون في الوعي التركي إلى التخلف، واضطهاد المرأة، وانعدام أبسط حقوق الإنسان، والغياب المطلق للديمقراطية، والإنعدام التام للعقلانية. وهو فعلا استفزاز فظيع أن يوحي أحد لهذا المواطن أنه بعد قرن من الكفاح إلى أمام عاد إلى حيث كان، ليصبح في قارب واحد مع المتخلفين، حتى لو كانوا أغنياء، لأن غناهم ليس ثمرة جهد حضاري.

 الصورة معكوسة بالطبع فيما يتعلق بسورية، إذ ربما يكون المجتمع السوري بتقدمه الاجتماعي الهائل، ومستواه الثقافي الرفيع أقرب شعوب المنطقة إلى الأتراك ثقافيا واجتماعيا. وكانت غالبية الأتراك ترى في الإنفتاح على سورية سياسة عقلانية ناجحة.

 هناك على الفيس بوك هجوم شامل، عبر الصور، على طريقة الحياة العربانية. الأتراك يرون على ما يبدو أنهم مهددون بأن تغزوهم أساليب العيش السعودية والقطرية، والقيم غير الإنسانية، والممارسات الوحشية، والعقلية المتحجرة المرتبطة بالإسلام، خاصة في السعودية، والصور تتكلم وتفصح عن هذه المخاوف. بل إن من المثير للإستغراب أن الأتراك يعرفون علاقة السعوديين ببول البعير، فهناك صورة لأحد السعوديين وهو يمد جذلانا قنينة تحت بعير يبول ليملأها.

 في تركيا، بلا شك، حركة تدينية واسعة، لكن هذا التدين يختلف إلى حد بعيد عن النهج الهمجي الذي نعرفه في العالم العربي في هذه الأيام. هناك في تركيا إعتدال وتعقل، ومع هذا فهناك خوف من أن يكون الاعتدال والتعقل الديني مجرد واجهة تخفي وراءها نفس العقلية السعودية. إن ما يحصل في تركيا اليوم ربما يشير إلى تخوف الفئات المثقفة في تركيا من أن أردوغان يأخذ تركيا إلى الوراء فعلا، وليس لمجرد استقاء دروس وعبر من الماضي، والاستفادة منها. وهناك خوف من فقدان ما اكتسبه الشعب من الحريات خلال قرن من الكفاح والتضحيات.

 إن من يحب شعب تركيا، ويتمنى له المزيد من الحريات والديمقراطية والازدهار، يتمنى في الوقت نفسه أن تنتهي هذه الأزمة وقد عرفت حكومة السيد أردوغان الشعب التركي أفضل من ذي قبل. لكن هناك ما يثير مخاوف شديدة من أن تكون هذه المظاهرات مجرد بداية، إذ يشار إلى أن السيد أردوغان قد صرح أنه إذا كان بإمكان معارضيه حشد عشرين متظاهرا فإن بإمكانه هو حشد مئتي ألف. أردوغان صادق في هذا، فأنصاره ليسوا قليلين، ومجرد عدم نزولهم إلى الشارع حتى الآن يدل على انضباط ديمقراطي حقيقي في هذا البلد، وهو أمر إيجابي يحسب للسيد أردوغان وحزبه، لأن سيناريو الحشود المليونية المتضادة لن يكون لمصلحة الشعب التركي. ومحبو تركيا وشعبها لا يتمنون أبدا أن يجعل أردوغان صلاته في مسجد السلطان أحمد تصبح مثل صلاته في الجامع الأموي!   







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز