حمدي السعيد سالم
h.s.saliem@gmail.com
Blog Contributor since:
04 September 2010

كاتب عربي من مصر
صحفى بجريدة الخبر العربية

 More articles 


Arab Times Blogs
الاتحاد الاوربى هو حصان طروادة الذى استخدمه اوردوغان لذبح العسكر

لقد مثلت الوضعية الدستورية للمؤسسة العسكرية التركية التي بمقتضاها يحق لها أن تتدخل في الشئون السياسية والاجتماعية إلي حد الإطاحة بالحكومات المنتخبة ، وهو ما ظهر في الانقلابات العسكرية المتتالية في الجمهورية التركية !!.. لذلك نرى تفكيك القبضة العسكرية علي الدستور والحياة السياسية من قبل القوي المدنية قد تنوعت آلياتها ما بين الصدام والمراوغة، إلي محاولة الوصول لمرحلة دستور بلا عسكر....حزب العدالة والتنمية عندما جاء إلى الحكم فى تركيا أتى فى وجود أحزاب وقوى سياسية كثيرة مختلفة الألوان السياسية وكان هو الأحدث بينهم، الى جانب أن الدولة التركية دولة قوية لها دستورها المؤسس لحياة سياسية سليمة، يحمى علمانيتها الجيش التركى منذ تأسيس الدولة الحديثة وإنتهاء الخلافة العثمانية وإعلان مصطفى كمال أتاتورك تركيا دولة علمانية وتطبيق دستور 1924 إلى تطبيق دستور 1982 على نفس المبادئ العلمانية...

لقد جاء حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم فى تركيا عام 2002، وهو كما أشرنا الجناح الإصلاحى والتجديدى فى حزب الفضيلة سابقاً، على دولةٍ تركيةٍ لها كافة مقومات الدولة وفى حالة تخمةٍ حزبيةٍ وسياسيةٍ، فضلاً عن أنها تمتلك دستوراً مدنياً علمانياً أتاتوركياً يؤكد على استقلالية الجيش ورقابته على الدولة والملكية العامة، وهو الوضع الذى لا يمّكنهم من الانقلاب على مدنية الدولة، حيث إن الجيش التركى هو حامى العلمانية والدستورية وأية محاولة انقلابية على ذلك يتصدى لها الجيش، حتى أنه من المفارقات اللطيفة أن رئيس الوزراء الإسلامى رجب طيب أردوغان يزور قبر أتاتورك منذ تنصيبه فى كل ولاية له، يقرأ له الفاتحة فى الظاهر أمام التلفاز، والله أعلم ماذا يقول بداخله، ولكن المهم أنه ملتزم بالدستورية والشرعية والعلمانية التى أقيمت عليها الدولة التركية !!...

ليس هذا فحسب، بل إن قادة حزب العدالة والتنمية، فى كل مناسبة، يعلنوها صراحةً، دون أى تغليف، أنهم لا يحبذوا التعبير عن الحزب بأنه حزب إسلامى، فهو حزبٌ يحترم الحريات الدينية والفكرية ومنفتح على العالم ويبنى سياساته على التسامح والحوار، ويؤكد عدم معارضته للعلمانية والمبادئ التى قامت عليها الجمهورية التركية، كما يؤيد انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبى، ويؤكد أنه سيواصل تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادى، الذى يجرى تطبيقه فى تركيا تحت إشراف صندوق النقد الدولى مع نقده لبعض جوانبه، وفق توصيفهم، وبمقارنة بسيطة أدعها للقارئ بين هذه التصريحات وتصريحات قادة جماعة الاخوان فى مصر سيكتشف ما أرمى إليه !!...

حزب العدالة والتنمية (AKP)هو حزب سياسي تركي يصنف نفسه بأنه حزب محافظ، معتدل، غير معادٍ للغرب، يتبنى رأسمالية السوق يسعى لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبى، حزب ذو جذور إسلامية وتوجه إسلامى لكنه ينفى أن يكون حزبا إسلاميا، ويحرص على ألا يستخدم الشعارات الدينية فى خطاباته السياسية، ويقول إنه حزب محافظ، ويُصنف كذلك على إنه يمثل تيار "الإسلام المعتدل" وامتداد لفكر الإخوان المسلمين....ويطلق البعض على الحزب وسياساته لقب العثمانيين الجدد.... ففى 12يونيو 2011 فاز الحزب بالانتخابات التشريعية وذلك بعد حصوله على 50.4% من الأصوات متقدماً على حزب الشعب الجمهورى وحزب الحركة القومية، وحصل الحزب على 326 مقعداً من أصل 550 مقعداً فى البرلمان، إلا أن ذلك لم يخوّله بتنفيذ مراده فى تعديل الدستور دون الرجوع للمعارضة، الأمر الذى يتطلب ثلثى مقاعد البرلمان أى 367 مقعد....

لقد شكلت هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الثانية والأوضاع التي فرضتها هدنة ( مندروس) عام 1918 منعطفا تاريخيا في مستقبل الدولة العثمانية بوجه عام ، وفي علاقة الجيش والسياسة بوجه خاص فقد أدي هروب زعماء الاتحاد والترقي عقب الهدنة الى تواري دور الجيش في إدارة العملية السياسية !!..إلا أن حركة المقاومة الوطنية ( 1920 – 1922) التي قادها أتاتورك وعدد من ضباط الجيش العثماني ضد جيوش الاحتلال ، والتي سعت لتحرير الأناضول واسطنبول من أيدي المحتلين قد أحدث خلال حرب الاستقلال مزجا جديا وقويا بين الدورين السياسي والعسكري في مفهوم الوظيفة العسكرية .... فبمجرد أن تحقق النصر في حرب الاستقلال ، أعلن أتاتورك ( الآن تبدأ الحرب الحقيقة ) في إشارة واضحة علي أن ثمة خططا لديه نحو القيام بثورة سياسية داخل البلاد يعتمد فيها علي الجيش كدعامة أساسية في تحقيق مراده !!...

ويمكن القول إن دور الجيش في العملية السياسية خلال عهد أتاتورك (1923 - 1938 ) قد اضطلع بمهمة القوة الداعمة للثورة الكمالية بعد إلغاء الخلافة العثمانية ، وإقصاء المناوئين له من القادة العسكريين وتشكيل محاكم الاستقلال لمعاقبة المعارضين له.... وقد نتج عن هذا تنصيب الجيش حارسا للنظام الكمالي فضلا عن تقنين وضعه في الحياة السياسية من خلال قانون المهمات الداخلية للجيش التركي الذي صدر عام 1935 ، حيث نصت المادة الرابعة الثلاثون منه أن ( وظيفة الجيش هي حماية وصون الوطن التركي والجمهورية التركية ) .... وبهذه الكيفية أصبح الجيش مخولا بحق التدخل لحماية وإنقاذ مبادئ الجمهورية التركية ويمكن رصد ذلك من خلال إن الوظيفة الأساسية لرئيس قيادة الأركان ليست بحث الوضع العسكري فحسب ....

  بل هي في الوقت ذاته وضع الاستراتيجيات ...الى جانب انه ينبغي علي التشكيلات العسكرية أن تكون علي علاقة جيدة أيضا بشئون السياسة الداخلية والخارجية ... وبناء علي هذه الوضعية القانونية المميزة للجيش في الحياة السياسية ، شرع جنرالات الجيش إلي استخدامها في الانقلابات العسكرية المتتالية في تاريخ الجمهورية التركية .... فقد قامت المؤسسة العسكرية بأربعة انقلابات الثلاثة الأولي منها كانت انقلابات عسكرية مباشرة ، وهي انقلاب 27 مايو 1960 الذي كان من نتائجه خلع الحكومة المنتخبة ، وإعلان الأحكام العرفية وتصفية زعماء الحزب الديمقراطي ، وإعدام ثلاثة منهم ....

 ثم أتي انقلاب 12 مارس 1971 ، والذي استغل فيه العسكر انتشار الفوضى واضطرابات داخل تركيا نتيجة فرض رئيس الوزراء ( سليمان دميرال) آنذاك قانون ضرائب جديدا عقب فوزه في انتخابات 1969 ، وعجز حكومته علي حل مشكلات البلاد الاقتصادية والأمنية فتدخل الجيش في الأزمة ، وأحدث تعديلات دستورية تحد من الحريات التي كانت سببا في انتشار الفوضى والعنف ومنحت هذه التعديلات صلاحيات أوسع للعسكريين في فرض الأحكام العرفية ، وتعزيز وضع الجيش داخل الجهاز القضائي ....أما الانقلاب الثالث هو انقلاب 12 سبتمبر 1980 وهو أكبر الانقلابات العسكرية في تاريخ الجمهورية التركية من حيث تأثيره في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكان دستور 1982 أكثر الدساتير ترسيخا لدور العسكر في كافة مجالات الحياة ، وهو ما دعا مؤرخين وسياسيين إلي وصفه بأنه عسكرة للدولة والمجتمع ، وكان من أبرز نتائجه (تشكيل هيئة الأمن الوطني ) من رئيس الأركان العامة وقادة الجيش ورئيس الدولة ....

بموجب القانون الصادر بتاريخ 27 أكتوبر 1980 رقم ( 2324) بشأن إعداد الدستور ، والذي نص في مادته الثالثة علي (فوقية ) قرارات هيئة الأمن الوطني ، وعدم خضوعها للقضاء الدستوري والإداري ( يحظر الزعم بمخالفة الدستور بشأن البيانات والقرارات التي تنشرها هيئة الأمن الوطني ، وكذلك بشأن القوانين التي استصدرتها ، وستصدرها)....

أما الانقلاب الأخير ، فكان في 28 فبراير 1997 ، وكان مختلفا عن سابقيه من حيث النسق الذي تأطّر فيه، حيث أطلق عليه المثقفون الأتراك بالانقلاب (ما بعد الحداثي ) حيث انتهجت المؤسسة العسكرية هذه المرة استراتيجية جديدة للتدخل في شئون البلاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية فاستبدلت وسيلتها العسكرية المباشرة بتدخل غير مباشر في قالب مدني ، حيث استخدمت فيه جميع أجهزة الدولة الواقعة تحت نفوذها بموجب دستور 1982 بمختلف أنواعها السياسية والأمنية والإعلامية ، ومن ثم كان تحقيق الانقلاب هو تحريض الرأي العام ضد حزب الرفاه ومخاطر أيديولوجيته الإسلامية فقررت المحكمة الدستورية إغلاق حزب الرفاه بدعوي مخالفته مبدأ علمانية الجمهورية التركية ، كما قررت حرمان أعضائه وعلي رأسهم رئيس الحزب (نجم الدين أربكان) من تأسيس أو عضوية أي حزب سياسي لمدة خمس سنوات ، الأمر الذي دفع أعضاء حزب الرفاه المنحل إلي تأسيس حزب جديد أطلقوا عليه (حزب الفضيلة ) ، إلا أنه لم يسلم من مصير سلفه فقررت المحكمة الدستورية إغلاقه نتيجة الدعوي التي رفعها المدعي العام (ورال صواش ) بغية إغلاق الحزب لمخالفته مبادئ العلمانية ، إلا أن النقطة الأبرز في تاريخ تجربة حزب الفضيلة هي الحراك الداخلي بين الجناح التقليدي المحافظ والجناح التجديدي ....

وكان من نتيجة هذا الحراك تأسيس الجناح التقليدي (حزب السعادة ) بزعامة (رجائي قوطان ) . وفي المقابل أسس الجناح التجديدي ( حزب العدالة والتنمية ) بزعامة رجب طيب أردوغان ، الذي فاز بالمركز الأول في الانتخابات العامة عام 2002 وحصل علي 34,28 % من جملة الأصوات التي تمكن من خلالها تشكيل الحكومة منفردا ....

يجب ان يعلم القارىء ان المؤسسة العسكرية لها قيمتها ومكانتها فى نفوس كل الأتراك، لكن الديمقراطية لها ثمن ومن أجل تحقيق المزيد من الحريات، فى مجال حقوق الإنسان والمزيد من الاستقرار السياسى الداعم للنمو الاقتصادى، كان عليهم إفساح الطريق شيئاً فشيئاً للدولة المدنية وهو ما تم بتأييد الشعب التركى، الذى أيد التعديلات الدستورية عام 2010، وينتظر دستوراً جديداً تخطو به تركيا خطوات واسعة نحو مزيد من التقدم فى التعليم والخدمات وحقوق الإنسان والحريات، وعلى سبيل المثال الامتيازات الخاصة بالعسكريين التى لا تتناسب ومبدأ عدم التمييز، هم يعيشون فى مجتمعات منفصلة عن المدنيين ويحاكمون أمام محاكم خاصة بهم، والاتراك يحلمون بالمساواة بين جميع المواطنين الأتراك دون تفرقةبينهم...

ولان مشروع انضمام تركيا لأوروبا المتقدمة، حلم تركى منذ أكثر من 20 عاماً، لان الاتراك يريدون الصعود إلى المستوى العالمى للدول المتقدمة، فالانضمام للاتحاد يعنى أنهم دولة لديها مستوى معين من النجاحات فى الحرية والديمقراطية والخدمات والتقدم الاقتصادى، فالانضمام للاتحاد الأوروبى ليس هدفاً بحد ذاته لكنه وسيلة لتطوير أداء تركيا ، وهو ما دفعهم لوضع هدف يسعون لتحقيقه عام 2023، وهو وضع تركيا ضمن قائمة أفضل 10 دول فى العالم اقتصادياً وسياسياً... لأن هذا العام يوافق الذكرى المئوية لإعلان تأسيس الجمهورية التركية، التى أعلنها مصطفى كمال أتاتورك عام 1923، وهذا يوم تاريخى لا ينسى فى مسيرتهم !!..

لذلك قال نائب رئيس الوزراء التركي، بولنت أرينج عندما تم سؤاله حول الصورة "التاريخية" التي تم التقاطها مؤخرًا في آخر اجتماع عقده المجلس العسكري التركي الأعلى في أنقرة: "لا يجوز أن يكون في قرية ما زعيمان".... والآن ما الذي اختلف؟ كان في هذا الاجتماع السنوي وعلى خلاف الاجتماعات السابقة رئيس الوزراء التركي رجب طيب إردوغان جالسًا وحده على رأس الطاولة....

وفي العادة كان يجلس في الاجتماع السابقة رئيس الوزراء مع رئيس هيئة الأركان العامة بجانب بعضهما على رأس الطاولة، وكان هذا المنظر يرمز إلى تقاسم السلطة في الحياة السياسية التركية بين الساسة والعسكر....ينظر الكثيرون إلى هذه الصورة الجديدة على أنَّها تشير إلى أنَّ إردوغان فرض الآن سيطرته الكاملة على البلاد وحتى على المؤسَّسة العسكرية التي لم يستقل منها فقط رئيس هيئة الأركان العامة، الجنرال أسيك كوسانير، بل استقال منها أيضًا جميع قادة القوَّات البرية والبحرية والجوية التركية - وذلك نتيجة لخلافات في الرأي مع الحكومة .... ويؤكِّد بعض الخبراء على أنَّ هذه الصورة يمكن أن تشير إلى بداية عصر جديد في تركيا، حتى وإن كان بعض المراقبين السياسيين يعتقدون أنَّه ما يزال من المبكِّر الحديث عن أنَّ هناك في الحقيقة فصلاً جديدًا تم فتحه في السياسة التركية!!...

يمكن القول إن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، استطاع حسم الصراع بين حكومة حزب العدالة والتنمية والمؤسسة العسكرية، فقد ترأس أردوغان اجتماع المجلس العسكري الأعلى في أنقرة ، للمرة الأولى من دون شريك عسكري، الأمر الذي جعل المراقبين يقولون إن ذلك حسم مستقبل العلاقة بين الحكومة والجيش التركى، في اتجاه خضوع المؤسسة العسكرية لحكم الساسة المنتخبين!!...مما ادى إلى تراجع دور الجيش في السياسة التركية.... وجاء تعيين رئيس الأركان الجديد نجدت أوزال، ليؤكد سيطرة الحكومة على المؤسسة العسكرية.... ويجمع المراقبون على أن وضع رئاسة الأركان في يدي أوزال، الذي يدعم أطروحات الحكومة لتسوية القضية الكردية و صوغ دستور جديد لتركيا !!.. ذ ينوي رئيس الوزراء تحجيم دور الجيش مؤسسياً في هذا الدستور الجديد، وتحديد مهماته في الدفاع عن الوطن، ومنعه من التدخل في أي شأن سياسي، إضافة إلى تحويله جيشاً محترفاً.....

وهذه مسائل كان يمكن أن تثير توتراً بين الجيش والحكومة، لو استمر الجنرال عشق كوشانير رئيساً للأركان، ومعه ضباط أتاتوركيون آخرون يصرّون على بقاء الجيش سلطة منفصلة عن الإدارة السياسية، من أجل مراقبة الساحة السياسية وضمان تنفيذ تعاليم أتاتورك....فنحن لا نستطيع استبعاد آثار انتهاء الحرب الباردة على تراجع نفوذ الجيش التركي، فهذا الجيش الذي كان يحتل موقعا مركزيا داخل جيوش حلف شمال الأطلسي، جعله موضع اهتمام قيادات الناتو وساسة الدول الأعضاء في الحلف....وفتح لقياداته الطريق لنسج علاقات قوية مع القيادات السياسية والعسكرية الغربية، تراجع دوره بعد انتهاء الحرب الباردة، وتراجع بالتالي الاهتمام به.... وفي ظل المعطيات السياسية الجديدة بعد 11 سبتمبر 2001، أصبحت الحاجة أكبر إلى حكومة العدالة والتنمية، لكي تكون نموذجا لدول العالم الإسلامي من وجهة النظر الغربية، ليصبح الاهتمام بها وبقادتها بديلاً عن الاهتمام بالجيش التركي، الأمر الذي أفقد المؤسسة العسكرية التركية أحد أبرز مصادر نفوذها الداخلي....وهو ما ساعد "العدالة والتنمية" على تقليم أظافرالمؤسسة العسكرية، عبر عدة مراحل بدأت بتعديل قانون مجلس الأمن القومي، لتصبح هناك إمكانية لأن يصبح أمينه العام مدنياً، بعدما كان من الملزم قانوناً أن يكون من العسكريين !!..

ومن بين العوامل الإقليمية التي أدت إلى تراجع دور الجيش التركي، تراجع العلاقات العسكرية بين تركيا وإسرائيل، حيث كانت العلاقة بين القادة العسكريين الأتراك ونظرائهم الإسرائيليين قوية، وكان الغضب الشعبي التركي على إسرائيل مؤثراً على شعبية قادة الجيش، الذين ظلوا على مدى طويل يحظون باحترام الجماهير التركية.... فالملاحظ أنه في كل المواجهات التي تمت بين هؤلاء القادة والحكومة، كانت الجماهير إما في صف الحكومة أو لم تكن مهتمة بالمسألة أساساً، وهو ما يؤكد تراجع مكانة المؤسسة العسكرية شعبياً في السنوات الأخيرة....

وكانت الأزمة التي أدت إلى المواجهة ، هي تلك المتعلقة بتوقيف قادة عسكريين كبار عددهم 43، بتهمة الإعداد لمؤامرة على الحكومة لتعطيل عملها، وكان طلب القادة الستة بالإحالة للتقاعد، على خلفية رفض رئيس الوزراء ترقية بعض هؤلاء المتهمين، إلى مناصب أعلى في الجيش...أما الأسباب الداخلية التي أدت إلى هذه النتيجة، فهي متعددة، وفي مقدمتها أن حزب العدالة والتنمية استطاع أن يحصل على تفويض شعبي بالحكم ثلاث مرات متتالية، وهو ما يعني أن النخبة العلمانية قد تراجعت بصورة شبه نهائية، وأصبح الصراع الداخلي يدور بين تيارين، هما الإسلامية المعتدلة ممثلة في العدالة والتنمية، والقومية المتشددة ممثلة في الحزبين القوميين الممثلين في البرلمان التركي في الوقت الراهن...ولم يكن حزب العدالة والتنمية ولا رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان، يمكنهما الدخول في مواجهة مع المؤسسة العسكرية التركية، من دون تحقيق النجاح الاقتصادي الذي حدث في تركيا خلال السنوات العشر الماضية، فقد تقلص معدل التضخم، وتراجعت نسبة البطالة، وأصبح الاقتصاد التركي من أقوى 15 اقتصادا في العالم، فضلاً عن أن تركيا تخلصت من الفساد الذي كان مستشرياً في أروقة الدولة، خلال السنوات التي سبقت وصول الحزب إلى سدة الحكم، وهذا الفساد أدى إلى سقوط النخبة الليبرالية تماما، بما جعلها على هامش الحياة السياسية في تركيا....

وعند أي مواجهة بين النخبة العلمانية، سواء بجناحها المدني ممثلاً في المحكمة الدستورية العليا أو بجناحها العسكري ممثلاً في المؤسسة العسكرية، فإن المواطن التركي عليه أن يفاضل بين العودة إلى أوضاع ما قبل وصول الحزب إلى الحكم، وهي أوضاع تميزت بالفوضى وعدم الاستقرار والمواجهة العسكرية المفتوحة مع الأكراد ممثلين في حزب العمال الكردستاني، وبين الأوضاع الحالية، وهي أوضاع جيدة على الصعيدين المادي والمعنوي، حيث أصبحت تركيا دولة مركزية في المنطقة، ولها وزن دولي مرموق....

 وهذه المقارنة تصب في النهاية لصالح حزب العدالة والتنمية، وليس في مصلحة المؤسسة العسكرية... وفي رسالة وداعه وجَّه الجنرال المستقيل أسيك كوسانير كلامه للضبَّاط المسجونين وصرَّح أنَّه لم يعد قادرًا على الدفاع عن حقوقهم..... وادعى بالإضافة إلى ذلك أنَّ التحقيقات والاعتقالات وكذلك الإجراءات القانونية التي تم اتِّخاذها ضدَّ ضبَّاط الجيش لا تستند إلى أية أدلة ملموسة، بل تخدم فقط هدف إثارة الخوف والغضب والاستياء في داخل الجيش..... بيد أنَّ الجنرالات المعتقلين لا يشكِّلون السبب الوحيد للصراع الدائر على السلطة بين الحكومة والجيش، إذ إنَّ العزل السلمي لرئيس الوزراء الأسبق، نجم الدين أربكان من قبل الجيش في عام 1997 حدَّد نقطة تحوّل في تركيا....

 فقد كان "حزب الرفاه" ذو التوجّهات الإسلامية بزعامة أربكان يحكم البلاد في ائتلاف حكومي مع حزب الطريق القويم (Doğru Yol Partisi)... وكان "حزب الرفاه" بزعامة أربكان أوَّل حزب من نوعه يحظى بقبول واسع لدى الناخبين الأتراك، كما أنَّ الكثيرين يعتبرون حزب العدالة والتنمية خليفته المباشر.... ومنذ البداية كان الجيش يعارض حزب العدالة والتنمية الحاكم....

 ولذلك نشر الجيش على الموقع الإلكتروني الخاص بهيئة الأركان العامة بيانًا رسميًا ضدّ ترشيح وزير الخارجية في تلك الفترة عبد الله غول لرئاسة البلاد في عام 2007...وعلاوة على ذلك كانت دائمًا ثقة الجماهير التركية قوية جدًا في الجيش، ولكن الأحداث التي حدثت في الأعوام الأخيرة ساهمت مساهمة حازمة في جعل هذه الثقة تضعف مع الوقت..... وبدأت عملية إضعاف ثقة الشعب في المؤسَّسة العسكرية مع معارضة العسكر ترشيح غول لرئاسة البلاد، واستمرّ ضعف الثقة في العسكر - على الرغم من الشكوك التي ظلت موجودة في بعض أعضاء النخبة السياسية السابقة في تركيا - مع رفع بعض الدعاوى القضائية ضدّ العديد من كبار الجنرالات الذين اعتبروا من المشتبه فيهم الرئيسيين. وكذلك أكَّد أيضًا الجنرال كوسانير هذا الأمر في رسالة وداعه التي قال فيها إنَّ القوَّات المسلحة التركية قد تم تصويرها على أنَّها شبكة جنائية.... الصراع بين المؤسسة العسكرية وحزب العدالة لم يحسم لمصلحة أردوغان الا بعد فوز حزبه في انتخابات 2011 حاصداً نحو 60 في المئة من اصوات الناخبين....

 إثر ذلك بدأ اردوغان يفرض إرادته تدريجياً على الجيش، فأطاح في خاتمة المطاف برئيس اركانه ليعين بدلاً منه رئيساً جديداً خاضعاً للمؤسسة السياسية، قبل ان تبدأ الحملة القضائية المشهورة باسم «ارغينيكون» مؤدية الى اعتقال ومحاكمة مئات من العسكريين السابقين، في مقدمهم كبار الجنرالات السابقين، بتهم تراوح بين تنظيم انقلاب 1980 ومحاولة التآمر على حكومة اردوغان....هذه الخلفية تشكل قاعدة لتحول ذي بعد تاريخي في تطور المؤسسة الحاكمة التركية وتحريرها من قيود الاتاتوركية أو الكمالية، ودستورها الذي اعتُبر الجيش بموجبه حامي مبادئها، وقد اتُّخذ ذلك ذريعة لتبرير قيامه بثلاثة انقلابات عسكرية بين 1960 و1980. والحق انه من دون كسر القيود الكمالية القائمة على أساس صهر كل الاثنيات في بوتقة قومية تركية وحيدة لم يكن ممكناً تحقيق التطورات الحالية لجهة الوضع الكردي...

هناك طبعاً تفاصيل واعتبارات اخرى كثيرة تفسر هذه التطورات وترتبط بالسياسات الداخلية والخارجية والمتغيرات الاقليمية والجيوبوليتيكية، ومن ذلك العلاقات المتنامية سياسياً واقتصادياً بين انقرة واقليم كردستان العراق، وتأثيرها في الوضع الكردي في تركيا، بالتالي الانقلاب الفكري على الاتاتوركية، ما سمح بالوصول الى منعطف التفاوض المباشر بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني....هكذا بدأت عملية السلام الراهنة لانهاء الصراع التركي – الكردي الدموي الذي نشب بعد قليل على تأسيس الجمهورية الأتاتوركية في 1924 وأدى الى سقوط حوالى 40 الف قتيل خلال العقود الثلاثة الماضية فقط... عملية سلام طموحة تفترض أن الانسحاب العسكري لحزب العمال الكردستاني من تركيا، الذي بدأ قبل ايام في مناطق كردية داخل تركيا الى قواعد تابعة للحزب في جبال قنديل، داخل اقليم كردستان العراق.....

يشكل هذا التطور خطوة مهمة الى حد يجيز وصفها بأنها تاريخية، حيث يأمل الكرد بأن تفتح آفاقاً رحبة أمام الحركات الكردية ليس في كردستان تركيا فحسب، بل في عموم كردستان.... سيؤدي لاحقاً الى عودته اليها تنظيماً شرعياً ينخرط في العملية السياسية العامة....ليست هذة الخطوة نهاية الطريق بل بدايته، وفقاً لما وُصف بأنه خريطة طريق أسفرت عنها المفاوضات.... والأرجح ان خريطة الطريق المفترضة تقضي بأن كل خطوة تتحقق بنجاح ستتبعها خطوات من الجانبين يؤمل بأن تنتهي الى تحقيق وضع سياسي جديد في تركيا يضمن حقوق الكرد.... أما كيف ستكون تركيا الجديدة فهذا يعتمد على طبيعة الاصلاحات السياسية – الدستورية ومداها...

لذلك مضي اوردوغان في طريقه لتفكيك القبضة الحديدية للعسكر علي الحياة السياسية برؤية برجماتية جديدة ، فوظف المتغيرات الدولية لصالحه ، حيث كانت تركيا علي عتبة بدء مفاوضات الانضمام إلي الاتحاد الأوروبي الذي كان بمثابة حصان طروادة لأردوغان الذي سيحقق به برنامجه الإصلاحي في تركيا ، فمضى في الوفاء بمعايير كوبنهاجن من أجل الموافقة علي بدء المفاوضات للانضمام للاتحاد الأوروبي الذي كان يتابع عن كثب الأوضاع السياسية والاجتماعية في تركيا وقد ركزت التقارير التي أعدها مراقبوه علي توجيه النقد للدور الذي يلعبه الجيش في الحياة السياسية ....ومن هذا المنطلق قامت حكومة أردوغان في بدايات عام 2003 باستصدار حزم قانونية بهدف إعادة هيكلة مؤسسات الدولة، تضمنت نقطة التحول الأقوى في العلاقة بين العسكريين والمدنيين ، فتم تعديل المادة (15 ) من قانون مجلس الأمن الوطني وأمانته العامة ، حيث تم إلغاء البند الخاص بوجوب تعيين الأمين العام لمجلس الأمن الوطني من بين أعضاء القوات المسلحة لتنص بعد التعديل علي إمكانية تولي شخصية مدنية لمنصب الأمين العام للمجلس، كما سحب تعديل المادة الرابعة تكليف المجلس بمهام متابعة الأوضاع السياسية والاجتماعية انطلاقا من أن المجلس حامي النظام الدستوري بأن جعلته هيئة استشارية مما أفقده إلي حد كبير وضعيته التنفيذية ...قد يقول قائل ان عهد تدخل الجيش في السياسية قد ولي ، إلا أن ما يمكن قوله هو أن عهد الانقلابات العسكرية في تركيا قد بات في ذمة التاريخ ، أما حق الجيش في التدخل في الحياة السياسية لازال مكفولا له بدستور 1982 الحالي لحماية المبادئ العلمانية







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز