نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
هل تفلت منظومة الخليج من المساءلة والحساب؟

منذ تأسيسها في 25/ أيار مايو من العام 1981، وبغطاء أمريكي مزدوج هدفه ضرب فكرة ما تعرف بالقومية العربية، وشق وحدة ما كان يصطلح عليه بالصف العربي وذلك عبر تأسيس منظمات وتكتلات إقليمية أصغر، وثانياً الاستغلال الهائل للموارد المالية لهذه المنظومة وتوظيفها في خدمة الاستراتيجيا الأمريكية حول العالم، فابتدعت منظومة مشيخات الخليج الفارسي، الفقيرة ديمغرافيا والتي تفتقد للعنصر البشري والثراء بالموارد البشرية، عموماً، لكنها الغنية بالعوائد البترولية الخرافية، والطامحة للعب أدوار سياسية على مسرح الإقليم والعالم، وحيث تسود لديها قيم الغزو والسلب والنهب والسبي وتخريب العمران والحضارات كما كتب عنها مطولاً ابن خلدون، في معرض تحليله الفذ والثاقب النادر لظاهرة الغزو التي تم، لتبريرها وتسويغها وتسويقها، طلاؤها وتغليفها بخلائط غير متجانسة، أحياناً، من الإيديولوجيات الأسطورية المشرقية القديمة، نقول ابتدعت هذه المنظومة فكرة تجنيد جيوش من المرتزقة والقتلة والمحاربين، لوضعهم واستخدامهم في حروب أمريكا وإسرائيل تحت مسمى "الجهاد"، واستخدام الإيديولوجيات والمعتقدات الأسطورية وزجها في الصراعات السياسية بغية اجتذاب وإغراء بعض ممن يـُخدعون بظواهر الأشياء، ويطربهم الكلام المنمـّق المعسول، وينجرّون وراء شعارات فضفاضة ورومانسية، جيوش من الأميين عديمي اثقافة تقريباً ومن القاع الاجتماعي، الذين يشكلون العصب الرئيس للجيوش "الجهادية" التي تمولها هذه المنظومة وتشرف على تسليحها وتجنيد مرتزقتها، غير أن أمر إدارتها، ونشرها وتوزيعها فهو أمريكي، ويصب في صالح حروبها واستراتيجيتها ومصلحتها العليا في العالم.

 وليس من قبيل المصادفة أبداً أن كانت منظومة الخليج الفارسي، ومنذ إنشاء هذا المجلس، متورطة، تقريباً، بشكل أو بآخر، في كل الحروب التي نشأت في العالم في الثلاثين سنة الماضية واستغلال المال للدمار وليس للإعمار، بدءً من الحرب العراقية-الإيرانية، أو كما اصطلح عليها حرب الخليج الأولى، وليس انتهاء بالحرب العدوانية الكونية التي تـُشن اليوم على سوريا، وتشكل مشيخات الخليج الفارسي رأس حربتها الأولى، وتدفع بجيش المرتزقة القاعديين في أتون هذا الصراع الملتهب منذ سنتين.

 هذه الحروب المدمـّرة، والمستمرة التي مولتها، وغذّتها، ودعمتها بالمال والسلاح والرجال، منظومة الخليج الفارسي، في كل من العراق، وليبيا، وأفغانستان، والصومال، واليمن، والسودان (تقسيمه تم بإشراف خليجي)، وسوريا، والبلقان، وروسيا (الشيشان أيضاً تم إرسال "مجاهدين" إلى هناك لتحريرها)، ولا ننسى الفيليبين (عبر جبهة تحرير مورو المصنفة إرهابياً)، وحتى في الصين في إقليم جينغيانع Xīnjiāng ، أو تركستان الشرقية، أو أرض الترك، ذي الأغلبية المسلمة من الإثنية الإيغورية،...إلخ، خلّـفت هذه الحروب دماراً هائلاً وواسعاً، وتخريباً للبنى التحتية، وسقوطاً لمئات الآلاف وربما الملايين من الضحايا الأبرياء، ناهيك عن الانتهاك الصارخ للقانون الدولي، وتقويض وحدة وسيادة البلدان المستهدفة، وتخريب اقتصادياتها، وما لذلك أيضاً من آثار معيشية كارثية على الشعوب المستهدفة، وضرب النـُسـُج المجتمعية عبر بث خطاب طائفي عنصري بغيض ومكروه، لا يرقى، أبداً، لقيم العصر ومبادئه، وسياسة التعايش السلمي بين الشعوب، والتحريض الممنهج والمبرمج على الفـِتن، والعصيان، والقتل، وإصدار الفتاوى الإجرامية، والتدخل السافر في شؤون دول مستقلة وذات سيادة وتدمير مجتمعات آمنة ومسالمة، واحتضان الجماعات الإرهابية وتشجعيها على الإرهاب ودعم انفصالها عن أوطانها، والتسبب في قلاقل ومشاكل وحروب أهلية في غير مكان من العالم، وإلى ما هنالك من سياسات تصب كلها في الدمار والهلاك وسفك الدماء، وتركت هذه الحروب والاعتداءات مروحة عريضة من الدول والشعوب والحكومات المتضررة والمتأثرة بها، والتواقة لتحقيق العدالة وإقرار القانون الدولي حيال كل من ينتهك سيادة الدول ويلعب بمصائرها ويعتدي عليها، جراء هذه السياسات اللا مسؤولة، والعبثية وغير القانونية، والتي كانت تتمتع، على الدوام، بغطاء أمريكي وحماية غربية حالية، لاسيما في حقبة القطب الأوحد التي تشارف على الأفول والغياب المؤكد في غضون نصف عقد من الزمان على أبعد تقدير.

 تبدو هذه السياسات، التي تمت في غفلة من القانون الدولي عرضة للاضمحلال، إثر سيادة وهيمنة القطب الأمريكي الأوحد الذي شجع سياسات الحروب وتفكيك عرى البلاد والفوضى الخلاقة في العالم، وهي إلى زوال ونهاية، لاسيما مع الصعود القوي لروسيا والصين، وقد كانت كلمات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أول من أمس في اليوم الوطني للانتصار على الفاشية، الذي يطلقون عليه المأثرة الكبرى أيضاً، معبـّرة وذات دلالة ومغزى عميقين حين قال: "سنعمل كل ما بوسعنا للحفاظ على السلم والأمن في العالم".

 نعم لقد تم البدء، عملياً، في لجم وتحجيم ذاك الانفلات ، غير المسبوق، والممارسات اللامسؤولة على المسرح الدولي من قبل بعض القوى الدولية والإقليمية، وشـُرع، عملياً، بوضع حد لاندفاعاتها، وتجلى ذلك في الموقف البارز، الصلب والحازم الذي اتخذته روسيا من الملف السوري، مع إدراكها العميق لطبيعة ما يجري في سوريا من لعبة خبيثة ومزدوجة، وما جرى في عموم العالم خلال العقود الثلاثة المنصرمة، وكان تفكيك الاتحاد السوفييتي نفسه، ضحية لتلك السياسات.

 وما يجري اليوم، من موقف روسي، هو، ومن منظور آخر، إعادة تصويب لتلك السياسات، وإعادة الاعتبار للقانون الدولي، بشكل عام. وبهذا، ستنحسر، وإلى حد ما، في المدى المنظور، موجات إشعال الحروب الهوجاء التي شهدها العالم خلال الحقبة "الأمريكية" البائدة، وستقل، إلى أدنى الحدود، عملية استهداف وتغيير الأنظمة، وتصنيفها وفقاً للمصلحة والهوى الأمريكي، ولم يعد السؤال الآن، ليس فيما سيكون هناك مراجعة ومساءلة لتلكم السياسات أم لا، وفيما إذا كان سيتم إجراء جردة حساب لكل ما حصل وتحديد المسؤولين والمسؤوليات وإعادة الهيبة والاعتبار للقانون الدولي وحسب، بل متى سيتم ذلك، تحديداً، ومن هم المتورطون والفاعلون بذلك، وعلى رأس هؤلاء تقبع منظومة الخليج الفارسي عبر تلك المشيخات.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز