نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
أمريكا: الحرب مع الإرهاب

بخلاف هذا العنوان، من يذكر تلك العبارة، واليافطة، الشهيرة التي أطلقها الرئيس الأمريكي السابق، جورج دبليو بوش، وهي: «الحرب على الإرهاب»، War on Terror ، وذلك حين طار صواب الأمريكان، وهم يرون حلفاءهم الجهاديين السابقين والعجول السمينة التي ربـّوها في سنين الغلاء بـ«حر» المال من البترودولار العربي، وكان من بينهم، ويالغرائب الصدف، فقط، أربعة عشر سعودياً من أصل تسعة عشر إرهابياً، انقضوا على برجي التجارة العالمي الـ Twin Towers ، أو البرجين التوءم، كما يحب أن يطلق الأمريكيون عليهما، ويسويانهما بالأرض، إضافة لقيام طائرة أخرى باستهداف مقر البنتاغون، وأخرى توجهت لمبنى الخارجية الأمريكية.

 وتلكم عبارة شاع استخدامها، يومذاك، في الصحافة العالمية ووسائل الإعلام، لتبرير حروب أمريكا على العالم، لدرجة أن فلسفة الحرب الأمريكية، ابتدعت بالتزامن مع ذلك، مصطلحاً آخر لا يقل عجائبية، وغرائبية، وهو نظرية الحروب الاستباقية أو الـ Pre-emptive Wars، يحق بمقتضى هذه الفلسفة الحربجية العدوانية، للولايات المتحدة شن أي حرب، استباقية ووقائية Precaution على أي دولة في العالم ذات سيادة واستقلال، إذا «اشتمت» الإدارات الأمريكية أن هذه الدولة، أو تلك، تشكل، أو ستشكل، وربما بعد ألف عام، تهديداً للأمن القومي الأمريكي، وهذا، بالطبع، ما يوفر مروحة عريضة من الخيارات العدوانية للولايات المتحدة لانتهاك وغزو وضرب استقلال الدول التي لا تروق لصانعي السياسة الأمريكية، وعتاة مجلس الأمن القومي، وهذا ما وفرّ، لاحقاً، المسوِّغ القانوني لغزو واحتلال أفغانستان، والعراق، رغم أنه لم يكن من بين «نجوم» 11/09 الإرهابيين، أي عراقي، أو أفغاني بل جلـَّهم من السعوديين، و»الخلايجة» الآخرين، أي من الحلفاء التاريخيين لليانكي الأمريكي.

‏ وقد بات من الواضح، تماماً، أن عصب الإرهاب العالمي، اليوم، هو منظمة القاعدة، وبالمال العربي الخليجي البترودولاري، وبنيتها التنظيمية من الشباب المغرر به، المسكون بهواجس أسطورية مسحورة، والمخدّر بالفكر الغيبي والكهنوتي، والمتحمـّس الحالم بانتصارات وهمية، يثاب عليها، حصرياً، بالحوريات والغلمان، نظراً لنشأته البائسة في مجتمعات مغلقة، وبيئات صحراوية متزمتة، تؤجل كل أحلامه الحياتية واليومية، وتلبية غرائزه الفطرية، إلى ما بعد الحياة الدنيا، ولا يجد لها سبيلاً، إلا بصرف حياته ثمناً لتلك المكافأة الثمينة المنتظرة. وأشرفت الولايات المتحدة، على إنشاء هذه المنظمة، تحت مسمى «الجهاد الأفغاني»، ضد الاحتلال السوفييتي الشيوعي «الكافر»، (هكذا)، لاجتذاب واستثارة واستثمار الإيديولوجيا، والكامن الغيبي في البواطن المريضة المشوّهة، ورست «المقاولة» الجهادية، على أسامة بن لادن، الملياردير السعودي، الذي خرج في آخر مرة من السعودية متوجهاً لأفغانستان، محملاً بالاستراتيجيات ووصايا القتل من مكتب تركي الفيصل، رئيس جهاز الاستخبارات السعودية وقتذاك، ومثقلاً بحقائب البترودولار العربي.

 وعلى الجانب اللوجستي، كانت صواريخ الستنغر، المضادة للطائرات، والتي زودت الولايات المتحدة «الجهاديين»، بها لأول مرة خارج منظمة الأطلسي، القشة التي قصمت ظهر الطيران السوفييتي وأحدثت تحولاً في تلك الحرب، التي انتهت بخروج الروس من أفغانستان وسقوط نظام نجيب الله الشيوعي مشنوقاً على الأعواد في شوارع كابول.‏ ورفعت رايات الحرب على ما تسميه بالإرهاب، وافتتحت لذلك ما بات يعرف بأشهر سجن في التاريخ، وهو سجن غوانتانامو، حيث «زربت» فيه عتاة الإرهابيين في العالم، وكانت ذريعتها الكبرى في كل ما تقوم به من انتهاك للقانون الدولي والعربدات العسكرية، هنا، وهناك، هي الحرب على الإرهاب.

 وطاردت وسجنت آلاف البشر، في سجون سرية، وما عرف، أيضاً، بالسجون «الطائرة»، Flying Jails، وأحياناً، لمجرد الاشتباه بهم، ومن منا لا يتذكر المطاردات والمحاكمات الشهيرة للشيخ عمر عبد الرحمن، والإيقاع بخالد شيخ محمد، واليمني رمزي بن الشيبة وغيرهم الكثيرين، لكن أشهرهم، طرّاً، مراسل الجزيرة في كابول، السوري تيسر العلوني، الذي حكم عليه بالسجن، لنقله أموالاً لإرهابيين عرب وأفغان.‏ اليوم، تتحول المواقف، وتتغير الموجة، ويصبح «أعداء» الأمس المزعومون حلفاء موثوقين، وثواراً، وطلاب حرية، وتتحول الحرب من: الحرب «على» الإرهاب، إلى الحرب «مع» الإرهاب، حيث تتحالف الولايات المتحدة، علناً مع أولئك الإرهابيين، ومع تلك الدول التي «تسمـّنهم» وتطلقهم لنشر الرعب، والقتل والإرهاب حول العالم. وترعى أولئك الإرهابيين، وتدعمهم، بالدولار الأمريكي، وقد أثيرت لذلك ضجة وفضيحة كبرى في الصحافة الأمريكية، تم «إخمادها» و»السيطرة» عليها، حين ذهب عشرون مليوناً من الدولارات من «المساعدات» الأمريكية «صدفة»، وعن طريق الخطأ، لجيوب «جبهة النصرة».

وتقوم الولايات المتحدة، اليوم، رسمياً، باحتضان، ورعاية، وحماية، جبهة النصرة، تحت يافطة «ثوار سورية»، وتسخـّر لهم جهداً دبلوماسياً، وتوقف الحرب «عليهم»، وعلى رموزهم، وهي تراهم يسرحون ويمرحون، ويعبرون بالترانزيت من مطارات «الأصدقاء» الأتراك، واللبنانيين، والأردنيين، وتعرف تنقلاتهم، ووجهات سفرهم، واحداً، واحداً، ولا يهمـّكم تلك المسرحية الهزلية الشكلية المقيتة، التي لا تضحك أحداً، بوضع جبهة النصرة على لائحة الإرهاب الدولي، وهي تتخذ، جهاراً نهاراً، من هؤلاء الجهاديين الإرهابيين، وهذا الفكر الضال والشاذ (هذه هي التسمية الرسمية السعودية لإرهابيي القاعدة، وليست من عندنا، لا وأيم الله)، مطية لقتل السوريين، وأداة لتدمير هذا البلد الجميل، وتوّفر لهم المظلات العسكرية، و«القبب» الفولاذية، والأقمار الصناعية، والأسلحة النوعية، والمناظير الليلية، والإمدادات اللوجستية، وبطاريات الباتريوت الردعية، والدولارات البترولية وسواها مما يؤمن انتصار إرهاب القاعدة في سورية.

 ويتساءل كثيرون، لماذا لا تشن هذه الإدارة اليوم، حرباً على الإرهاب، وهي تراه أمامها، يسرح ويمرح، ويصول ويجول؟ لكن السؤال الأشد مضاضة على النفس من وقع التصريحات الكاذبة، يمضي ليقول، لماذا تجهد الولايات المتحدة في إسقاط الأنظمة الجمهورية، شبه العلمانية، في سورية، ومصر، وتونس، وليبيا، وتبقي على الأنظمة الملكية الأبوية الهيراركية القرو-وسطية المتخلفة المغلقة التي لا ديمقراطية ولا انتخابات، ولا تكتفي بذلك بل تتحالف معها، وتقيم قواعدها العسكرية في أراضيها؟‏ في الحقيقة، لم يتغير شيء في استراتيجية أمريكا، ولم تـَحتـَج إلا لتغيير حرف الجر بسيط، فمن الحرب «على» الإرهاب، إلى الحرب «مع الإرهاب»، إذ لا يوجد فارق سواه، لكنه كفيل لوحده، بجر الولايات المتحدة، وبكل هيبتها وبهائها الإمبراطوري المهيب، مع حلفائها، من أذانهم، جميعاً، إلى حضيض عميق، وسحيق من السقوط والانحدار الأخلاقي الكبير، والمشين.‏







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز