نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
ماذا لو انتصر الأسد؟

تلفزيون ليفانت- تترسخ، يومياً، قناعات شبه مؤكدة بأن عملية “تثوير” سوريا، وتطبيق وصفات الثورات الملونة الأمريكية عليها، لم تكن محسوبة جيداً، وأن أمريكا استهدفت المكان الخطأ في الزمن الأكثر خطأ. فتلك الوصفات الثورية التي طبـّقت من البلقان، ودول الاتحاد السوفييتي السابق، وحتى تونس، ومصر، وليبيا، يبدو أن مآلها، في سوريا، هو الفشل الكبير، وأن الخطأ الاستراتيجي الكبير كان في استسهال عملية إسقاط النظام الحاكم في دمشق، ويتبدى في خرق الولايات المتحدة الأمريكية، راعية الثورات الملونة في العالم، لمبدأ هام في العلاقات الدولية، وهو اللعب في ملاعب الخصم واقتحام مناطق نفوذه، ومحاولتها تغيير الخرائط الاستراتيجية الكبرى، والعبث بالخطوط الحمر والجغرافيا السياسية القائمة، والتقدم الفجائي غير المدروس نحو مناطق نفوذ دول كبرى، وهذا لا يحصل إلابعد حروب كونية كبرى.

وثمة عوامل كثيرة تجتمع، معاً، اليوم، لتجعل من “حلم” إسقاط النظام، و”انتصار” الثورة، أمراً غاية في الصعوبة مع هذا الاستقطاب الحاد، والتخندق، الذي يتخذه الصراع، وعدم إظهار أي طرف من أطراف الصراع، أي رغبة في التنازل، أو التراجع، فالتراجع قيد أنملة، واحدة، أو الانسحاب لأي طرف، سيعني، حكماً، انتصاراً للطرف الآخر. وهناك حالة رعب حقيقية على الأرض، فالنظام يملك من عوامل القوة بما لا يخطر على بال، ويحظى بدعم لا محدود من أصدقاء دوليين، ويمتلك واحداً من أقوى الجيوش في العالم، الذي يحقق يومياً تقدماً نوعياً على الأرض، ويكسب بالتالي خبرات قتالية عالية، في الوقت الذي تمتلك فيه الجماعات المسلحة قنوات مفتوحة وشرايين متدفقة من الدعم اللا محدود المادي واللوجستي مع حدود مشرعة الأبواب لدخول ما هبّ ودبّ من “الثورا” من مختلف دول العالم.

لكن، من الحقائق المؤكدة، والثابتة، أن الجيش الوطني السوري لم يدخل في أية معركة مع المجموعات المسلحة، وعلى تعدد جنسياتها العربية والغربية والآسيوية والإفريقية، إلا وحسمها لصالحه، ووجود بعض الجيوب والجماعات المسلحة التي تعتمد أسلوب حرب العصابات، “اضرب واهرب”، في مناطق حدودية بتسهيل ورعاية وغطاء من دول الجوار، لا يعني أي شيء من الناحية الاستراتيجية والعسكرية، وأن تلك الدعاية الإعلامية الهائلة، التي تحظى بها تلك المجموعات المسلحة، لن تعطيهم أية مزايا على الأرض، والحرب النفسية لم تنجح كثيراً مع شعب واع، مثقف وذكي ليس من السهولة خداعه، واللعب عليه، وفي الوقت الذي تبقى فيه الكلمة العليا لقوات الجيش الوطني السوري، الذي يبدو اليوم متماسكاً أكثر من أي يوم مضى، وكل تلك الدعاية التي سادت، يوماً ما، عن انشقاقات أفقية وعامودية في صفوفه، قد تلاشت واضمحلت، الآن، إلى حدودها الدنيا التي لا تـُلحظ، ولم نعد نسمع عنها شيئاً، في ذات الإعلام الذي ركـّز عليها في، يوم ما، حد الجنون والهيستيريا والسعار الإعلامي غير المسبوق.

وعلى النقيص من ذلك، تداعى الكثير من أبناء المناطق المتضررة من أعمال الجماعات المسلحة، للانخراط في صفوف اللجان الشعبية، وباتوا بحق يشكلون، جيشاً رديفاً، كان له الفضل في قلب موازين القوى، وإحداث تحولات ملحوظة في التطورات العسكرية الميدانية الأخيرة، تلقـّت من خلاله الجماعات المسلحة، متعددة الجنسيات، ضربات موجعة وقاصمة في غير مكان تتواجد فيه، رغم الدعم المالي، واللوجستي، والإعلامي الهائل الذي تحظى وتتمتع به، وتقف دبلوماسية غربية وعربية كاملة معها.

لذا بات كثير من المراقبين يجزمون، وفي ضوء الواقع الميداني، على الأرض، وبالبنية الهيكيلية والتنظيمية والأساليب القتالية، باستحالة إحراز تلكم الجماعات أي نصر عسكري حاسم ومؤزر، يجبر النظام على تقديم تنازلات استراتيجية، أو حثه على “الرحيل” والذهاب، كما كان يرد رموز الأطلسي، والجامعة العربية الذين يقفون بلا تحفظ مع الجماعات المسلحة، لدرجة المضي والتحرك العملي نحو الدعم المباشر لتسليح هذه الجماعات، في سابقة دولية غير معهودة للتدخل في شؤون الدول الأخرى، وهذا ما تضمنه، صراحة، بيان ما يسمى بالجامعة العربية في اجتماع القمة الأخير في الدوحة.

سوريا، وحلفاؤها، لم يزجـّوا، حتى اللحظة، بكل ما يملكون من أوراق القوّة والضغط والمخزونات الاستراتيجية الهائلة والمتنوعى، في أتون هذا الصراع الحاد، رغم أننا نعتقد أن الولايات المتحدة وحلفاءها قد استنفذوا ذلك، تماماً، وقد لم يبق متوفراً لديهم سوى خيار التدخل العسكري الأطلسي المباشر، وهذا كابوس آخر، من كوابيس الصراع الكثيرة، لا يريد أحد أن يتخيله. إذن حالة الاستعصاء، وتوازن القوى، على الأرض، حتى اللحظة، لا يميل، بحال، لصالح الجماعات المسلحة، ومن يقف وراءهم، ولا يعزز كثيراً فكرة الانهيار والرحيل التي يتناولها الإعلام، وتماسك النظام والاقتصاد على الأرض يختلف، بما لا يقاس، عما تردده وكالات الأنباء ويحاول الإعلام تسويقه.

 ومن هنا، فإن فكرة سقوط النظام، ورحيله، لا تبدو واقعية تماماً، أو قريبة جداً، كما يعتقد البعض، وبات سؤال من مثل: “ماذا لو انتصر الأسد”، يؤرق كثيرين، ويجعلهم يبنون تصوراتهم، وترتيب جداول أعمالهم وأجنداتهم المستقبلية على هذا التصور، والوضع الللوجستي والاستراتيجي والميداني.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز