نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
سوريا: ثورة متعددة الجنسيات

أثارت عملية اعتقال الجندي الأمريكي، إريك هارون، إثر عودته من سورية، حيث كان منضوياً في صفوف جماعة النصرة، أي الفرع السوري لتنظيم القاعدة الإرهابي الدولي، ويقاتل هناك، وذلك لجهة علاقته الوثيقة بإطلاق صاروخ يحمل مواد كيماوية، في وقت سابق من الشهر الماضي، على منطقة خان العسل، في ريف حلب، ذهب ضحيته عشرات من الأبرياء السوريين، بين جريح وشهيد، نقول أثارت عملية الاعتقال، تلك، جدلاً واسعاً، في أوساط متعددة، نظراً للبعد القانوني والإجرامي الخطير وغير المسبوق، الذي قامت به منظمة القاعدة، أولاً

وثانياً بالنسبة للطابع «الهوياتي» والمرجعي لما يسمى بـ«الثورة السورية»، إذ أصبح بإمكاننا أن نطلق عليها، وبكل ثقة بالنفس، ودون أن يرف لنا جفن، وفي واحدة من السوابق الكبرى، والفتوحات الفريدة في التاريخ «الثوري» العالمي المعروف، اسم الثورة المتعددة الجنسيات، الـ Multi-National Revolution ، حيث يندر أن تجتمع كل تلك الأمم و«الخلايق»، و«اللمامات» الثورية والجنسيات، ومن كل حدب وصوب، وماخور، ودفعة واحدة، في “ثورة” واحدة، حيث لم تبق دولة ولا جنسية، من جنسيات هذا الكوكب الأرضي، إلا وشاركت “ثوار” سورية “ثورتهم” (ورجاء ممنوع الضحك)، ومع ذلك ما زالت هذه الثورة تتعثر، ولا تعرف، ويا للغرابة، والاستغراب، كيف ستنتصر؟‏

وليس من قبيل المصادفة، البتة، أن تعلن وكالات الأنباء، وفي ذات التوقيت تماماً، بل في ذات السياق، والدلالات البالغة، والمغزى العميق، عن مقتل الإرهابي البلجيكي المدعو أحمد ستيفنبرع، ولقبه «زورو البلجيكي»، مع إرهابيين آخـَرَيـْن، يحملان الجنسية المصرية، هما نور محمد الشربيني وعثمان النوبي، وذلك في قرية الغنيمية التابعة لناحية كـِنـْسـَبـّا-اللاذقية، عندما كانوا يرتكبون أعمال سلب ونهب وترويع ضد السكان الآمنين والقرويين هناك.

ولا يكاد يمرّ يوم، أو آخر، إلا وتحمل الأنباء أسماء قتلى إرهابيين، ليس من تلك الدول المعروفة بتصدير بضاعة القتل والموت للعالم، وحسب، كالسعودية، والكويت، ومصر، وليبيا، وتونس، والشيشان، وتركيا، وأفغانستان، والباكستان، وأذربيجان، والبوسنة، والصين (من إقليم جينكيانغ ذي الأغلبية الإيغورية)، ..إلخ، او البريطانية والفرنسية والأمريكية، التي باتت حواضن وملاذات طبيعية، للإرهاب المتعولم لدرجة باتت تثير تهكم البعض ساخراً، أحياناً، بإطلاق اسم «لندنستان» على مدينة كوزموبوليتانية عريقة كلندن، نظراً للتواجد الكثيف للإرهابيين فيها، وللطابع المتزمت والظلامي المغلق، الذي تعيشه بعض ضواحيها التي يتمركز فيها أصوليون من الشرق الأوسط، لا بل لقد امتدت بركات العدوى «الثورية»، إلى تلك الجنسيات المحتسبة والمعتبرة، في عداد الجنسيات المرموقة و«الخمس نجوم»، كالفنلندية، والنرويجية، والألمانية، والسويسرية والسويدية، التي باتت «مزراب» ذهب ثورياً، يرفد «الثورة» بما لذ وطاب من الإرهابيين الخبراء المدربين، الذي لا بد للمرء أن يتساءل، والحال، متى وأين وكيف ولماذا دُربوا على فنون القتال، والإرهاب الدولي، وهم يرفلون في بحبوحاتهم الاسكندنافية، وعن النوايا المضمرة والخبيثة، في الأسباب الكامنة، أصلاً، وراء منحهم تلكم الجنسيات، لتوظيفها لاحقاً، في بدعة تصنيع وفبركة «الكرازيات» وتنصيبها في عملية إزاحة واقتلاع أنظمة، بعينها، تشب عن طوق الديمقراطيات الغربية.‏ واللافت ها هنا، ومن المفارقات اللا أخلاقية المرّة التي نلمسها في عملية الاعتقال، أن الولايات المتحدة، ذاتها، التي تقود وتدعم الفوضى والخراب، مع غيرها من الدول المتورطة في الدم السوري، تعتبر هؤلاء الأوغاد والشذّاذ الأوباش، «ثوّاراً»، وأبطالاً وطلاب حرية منزهين ومدللين، حين يكونون في سورية، لكنهم مجرد مجرمين وخارجين عن القانون، مطلوب القبض عليهم أي الـ Wanted حين يعودون إلى بلدانهم، وهذا ما كان.‏

وهنا لا بد للمرء، إلا أن يتساءل، وبراءة الأطفال في عينيه، أية ثورة تلك التي تحتاج إلى هذا الكم الهائل من المرتزقة، وإلى كل هذا الدعم الدولي متعدد الجنسيات، واستطراداً، أية شرعية وطنية ومحلية، وحتى ثورية تبقـّى لها؟ وهل بقي جنسية ومصيبة وداهية وهوية، في الكون، لم تلغ في الدم السوري؟ أم ينبغي علينا، والحال، أن نستورد مزيداً من الجنسيات «الثورية»، من كواكب ومجرات أخري لم تعرفها «الثورة» بعد، وربما من خارج المجموعة الشمسية من خارج المريخ، وزحل، أو عطارد، وأورانوس، كي تنجح ثوراتهم التلفزيونية، لترفدهم بزخر ثوري طازج بعد نضوب معين الزخر الثوري الأرضي، على ما يبدو، في أتون الصراع السوري؟‏

كما نعلم، وتعلمون، أن كل ثورات العالم قامت في بيئاتها الخاصة، بفعل تراكم مجتمعي، وضرورات وسيرورات وحتميات تاريخية بعد اهتراء وتآكل البني والهياكل التقليدية وانهيارها المنطقي، وبأيدي أبناء تلكم البيئات، ولغايات محض وطنية ومحلية وذاتية الطابع، وهذا أمر مفهوم ومبرر، لكن ما لا يفهم وما لا يهضم ويقف في «الحلق»، هو سر تكالب واجتماع كل هؤلاء «الثوار» متعددي الجنسيات، ومن أربع رياح الأرض، في ثورة واحدة، متعثرة وفاشلة بقدر ما هي منحطة وفاجرة، وفي ضوء كل هذه «الفقائع» الصارخة، ألا يحق للمرء، أن يتساءل، والحال، أي شرعية وطنية مطلوبة، باتت تحملها «ثورة» متعددة الجنسيات والهويات، ومن تمثـّل، تحديداً، في هذه الحال، ومن ستلد من رحم وأتون هذه المخاض، إذ كانت تحبل بكل هذه الخلائط البشرية ذات الجينات المتنافرة، هذا إذا كانت تنطوي، أصلاً، علي أي تمثيل، وجينات وطنية على الإطلاق؟‏  مع التحفظ المطلق، دائماً، على مصطلح الثورة ها هنا.‏







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز