أحمد أحمد
FarisAhmed1972@gmail.com
Blog Contributor since:
19 March 2012



Arab Times Blogs
الأعجاز العلمي في القرآن

 ما أكثر ما كتب وسيكتب حول الأعجاز العلمي في القرآن! حيث يدعي مؤيدوا هذه النظرية أن القرآن يحتوي على أعجازات علمية في كافه الأختصاصات مثل الفيزياء، الكيمياء ، الرياضيات، الجيولوجيا ، الأحياء ، الفلك و....الخ من العلوم ، وكل هذه الأعجازات توكدها وتثبتها الأبحاث والأكتشافات العلمية الحديثة، هناك كم هائل من مواقع الأنترنت والمقالات والكتب التي تتناول هذا الموضوع، يستطيع القارئ أن يبحث عنها في الأنترنت بكل سهولة.

لقد قرأت الكثير من هذه المقالات بحياديه ، والحياد هو مبدأ علمي وضرورة علمية هامه جدا ، حيث لا علم بدون حيادية ، وصفة الحيادية يفتقدها أغلب الذين يكتبون عن الأعجاز العلمي في القران ، فهم يؤمنون مسبقا بألأعجاز العلمي ثم يبحثون عن الأدله الى توكد وتدعم أيمانهم ويتجاهلون ما لا يدعم نظريتهم ،كمثال على ذلك وصف نشوء الأرض في القران، فسورة الحجر أيه رقم 19 (والأرض مددنها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شئ موزون) تتناقض مع كروية الأرض، حيث لا تدل كلمه مددنها على كروية الأرض بل تدل على كون الأرض مسطحة .في سورة الذاريات أيه 48 (والأرض فرشنها فنعم الماهدون) أستخدمت كلمه فرشنها لوصف الأرض وتشير كتب التفسير أن معنى فرش هو بسط (تفسير مجمع البيان في تفسير القران ، الطبرسي) 

 أما في سورة النازعات أية 30 (والأرض بعد ذلك دحها) تستخدم كلمة دحا كدليل على الأعجاز العلمي في القران حيث يدعي البعض أن هذه الكلمة تشير الى شكل بيضوي أو كروي به شئ من التسطح (وهذا يتطابق مع الأكتشافات العلمية الحديثة التي توكد تفلطح أو تسطح الكرة الأرضية قليلا عند قطبيها) ، هذا الرأي مخالف لكتب التفسير، حيث لا يذكر تفسير الطبري مثلا أن كلمة دحا معناها شكل كروي أو بيضوي به نوع من التسطح ، بل على العكس! يذكر تفسير الطبري أن دحا في كلام العرب معناه بسطّ!! هناك كم هائل من المقالات التي تنتقي وتستخدم كلمة دحاها كدليل على الأعجاز العلمي ولكن هذه المقالات لا تشير الى كلمة مددنها وفرشنها التي تتناقض مع كلمه دحاها (لو فرضنا أن كلمة دحا تصف شئ كروي) ولا تشير الى المعاني الأخرى لهذه الكلمة والتي تعني بسط ، هذا الأسلوب لا يمكن أن يبرهن أي أعجاز علمي لانه أسلوب مبني على الأنتقائية والتجاهل.

 في أيه 19 من سورة الحجر المذكورة أعلاه تناقض علمي أخر، حيث تصف الأية ان الجبال القيت في الأرض كرواسي لغرض تثبيتها ، تتفق أغلب تفاسير القرآن على كون الرواسي هي نوع من الثوابت غرضها تثبيت الأرض حتى يستطيع الناس العيش عليها، هذا الوصف يتكرر في أيه رقم 15 في سورة النحل (وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم) ، وتفسير هذا الأيه في التفسير الكبير للرازي هو كالتالي: لما بسط الله تعالى الأرض على الماء مالت بأهلها كالسفينة فأرساها الله تعالى بالجبال الثقال لكيلا تميل بأهلها هذا التفسير متناقض مع العلم الحديث حيث لا دور للجبال في تثبيت الأرض على الأطلاق فهناك الكثير من الأراضي السهلية الثابته المستقرة التي لا تتواجد فيها الجبال، وعلى العكس هناك الكثير من المناطق الجبلية غير المستقرة التي تتعرض للزلازل بكثرة، وخير دليل على ذلك هو كثرة تعرض اليابان للزلازل المدمرة على الرغم من كون اليابان غنية بالجبال.

 هناك تناقض علمي اخر في القران يتعلق بالفترة الزمنية التي أستغرقتها عملية خلق الأرض، تذكر الأيات التالية: (سورة الأعراف أية 54 ، سورة يونس أية 3 ، سورة هود أية 7 ، سورة الفرقان أية 59 ، سورة السجدة أية 4 ، سورة ق أية 38 ، سورة الحديد أية 4 ) أن السموات والأرض قد خلقت في ستة أيام! وتشير كتب التفسير(جامع البيان في تفسير القرآن للطبري) أن اليوم هو بألف سنه مما تعدون، يعني ذلك أن الأرض والسماوات نشأت قبل ستة الاف سنه فقط ، هذا تناقض كبير مع كل الأدله والبراهين العلمية التي تثبت أن الأرض أقدم من ذلك بكثير، حيث يقدر عمر الأرض ب 4600 مليون سنه ولا أحتاج هنا أن أبرهن للقارئ أن عمر الأرض هو أكثر من ستة ألاف سنه ! فلا يوجد كتاب واحد في علم الجيولوجيا يؤكد ذلك.

 ويزداد التناقض العلمي عندما نتعمق في تفسير الأيه رقم 7 من سورة هود، حيث يشير تفسير الطبري الى التالي:

 حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرنـي إسماعيـل بن أميَّة، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع، مولـى أمّ سلـمة، عن أبـي هريرة، قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بـيدي، فقال " خَـلَقَ اللَّهُ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَخَـلَقَ الـجِبَـالَ فِـيها يَوْمَ الأحَدِ، وَخَـلَقَ الشَّجَرَ فِـيها يَوْمَ الاثْنَـيْنِ، وَخَـلَقَ الـمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلاثاءِ، وَخَـلَقَ النُّورَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ، وَبَثَّ فِـيها مِنْ كُلّ دَابَّةٍ يَوْمَ الـخَمِيسِ، وَخَـلَقَ آدَمَ بَعْدَ العَصْرِ مِنْ يَوْمِ الـجُمُعَةِ فِـي آخِرِ الـخَـلْقِ فِـي آخِرِ ساعاتِ الـجُمُعَةِ فِـيـما بـينَ العَصْرِ إلـى اللَّـيْـلِ ". نلاحظ في التفسير أعلاه تناقضات علمية كثيرة يتجاهلها أصحاب الأعجاز العلمي في القران، مثلا يشير التفسير أن الشجر خلق قبل النور بيومين (أي بالفي سنه حسب رأي المفسرين أن اليوم بألف سنة) معنى ذلك أن كل الأشجار والنباتات عاشت بدون عملية التركيب الضوئي في الظلام لمده ألفي سنه!

 تناقض علمي أخر نجده في الأيه 32 من سورة الأنبياء (وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ) حيث تشير كتب التفسير أن معنى هذه الأيه هو أن السماء مرفوعة فوق الارض! وهذا الوصف هو علميا غير صحيح لان السماء ليست مرفوعة بواسطة شئ معين وأنما هي فراغ ثلاثي الأبعاد يحوي الملايين من الكواكب التي تفصلها مساحات شاسعة عن بعضها. تشير بعض التفاسير أن كلمة محفوظا تعني أن السماء تحفظ الأرض، وهذا طبعا غير صحيح علميا لأن السماء المحيطة بالأرض هي عبارة عن فراغ مطلق كما ذكرت والفراغ لا يستطيع أن يحمي أي شئ ، كذلك أثبت العلم الحديث أن النيازك تسقط على الارض بشكل مستمر وهذا دليل على أن الأرض غير محفوظة. تفاسير أخرى تقول أن كلمة محفوظا تعني محفوظ من السقوط على الأرض ، أي أن السماء محفوظة من السقوط على الأرض!! وهذا وصف علمي متناقض كل التنافض مع كل مبادئ علم الفلك. لماذا لا يشير مويدوا نظرية الأعجاز العلمي في القران الى هذه التناقضات في مقالاتهم؟

 تشير الأيه 33 من سورة الأنبياء وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ الى خلق الليل والنهاروكأنهما شيئان منفصلان عن بعضهما كالشمس والقمر، وهذا خطا علمي واضح ، فالليل والنهار هما وجهان لعمله واحده ولا وجود لأحدهما بدون الأخرويمكن تفسريهما على أساس كروية الأرض بكل سهولة كما تعلمنا في المرحلة الأبتدائية، هذه الأيه تعكس بشكل واضح أن وصف القران للظواهر الطبيعية هو ليس علميا وأنما وصف مبني على الملاحظة السطحية وغير العلمية ، كمثال أخر نأخذ الأية 5 من سورة يونس:

 هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ حيث يشرح تفسير الطبري أن الله أضاء الشمس بالنهار وأنار القمر بالليل! طبعا هذا خطأ علمي فالقمر لا ينتج أي ضوء وأنما يعكس ضوء الشمس على الأرض، هذه الأيه تحتوي مرة أخرى على تناقضات علمية فلكية بسيطة نتعلمها اليوم في المدرسة الأبتدائية .

 سوف أكتفي بهذه الأمثلة التي توضح التناقضات العلمية في القران ولن أذكر تناقضات أو بالأحرى أخطاء علمية أخرى كثيرة في القران حيث ليس الغرض من المقال هو سرد كل هذه الأخطاء والتناقضات.

ربما يسأل القارئ، ما هو هدف المقال أذا؟ الجواب:

أولا: عدم تحميل القران ما لا يحتمله! القران ليس كتابا علميا مختصا بالعلوم الطبيعية ، صحيح أن القران يحوي عددا من الأيات التي تصف ظواهر طبيعية ، لكن هذا الوصف يجب أن لا يفهم خارج الأطار الزمني والفكري الذي نشأت فيه هذه الأيات.وصف الظواهر الطبيعية في القران لا يختلف عن وصف الظواهر الطبيعية في الشعر الجاهلي المعاصر للقران ، أذا كان القران مصدرا للأعجاز العلمي فيجب أن نعتبر الشعر الجاهلي أعجازا أيضا.

 ثانيا: بدل البحث عن أعجازات علمية في القران لماذا لا يقوم أصحاب نظرية الأعجاز العلمي القراني بالمساهمة في تطوير العلم؟ لماذا أنتفضت دولة مثل اليابان (غير مسلمة) من أنقاض الحرب العالمية الثانية وعملت ودرست وبحثت وبنت دولة متطورة ذات مستوى علمي متطور؟ لماذا شركة Apple الألكترونية العملاقة لم تنشأ في السعودية أو باكستان مثلا وأنما نشأت في الولايات المتحدة الأمريكية؟ لماذا تستطيع الهند بناء أقمار صناعية ولا تستطيع ذلك كل الأمة الأسلامية مجتمعة؟ لماذا تطورت الصين بشكل سريع جدا في العشرين سنة الأخيرة في حين لازال جزء كبير من الأمة الأسلامية يعيش في الماضي ويعتقد أن الأعجازات العلمية في القران التي يحاول الكثير من "العلماء" المسلمين أثباتها سوف تغنيهم عن العمل والدراسة والبحث والتطوير.

 ثالثا: عدم الأعتماد على الأعجاز العلمي في القران كوسيلة للخروج من الأزمة الحضارية التي تعشيها الأمة الأسلامية العربية في الوقت الحالي. كثيرون ممن يكتبون عن الأعجاز العلمي في القران يفعلون ذلك بسبب الأزمة الحضارية التي يعشيها العرب المسلمون اليوم ، لسنا بأي شكل من الأشكال من الدول المتطورة اليوم ، بعضهم يشعر بالنقص ويحاول تعويض هذا النقص بالأعجاز العلمي ، بعضهم كسول ويبرر كسله بالأعجاز العلمي! لماذا العمل والدراسة والبحث والتعب و"دوخة الرأس" ؟ أليس القران مليئ بالأعجازات العلمية؟ ألا يضعنا هذا في مصاف الدول المتقدمة؟

 كان العرب المسلمون في الماضي في قمة الحضارة والتطور في العالم ، اليوم وللأسف نحن لسنا حتى في الوسط ، أعتقد أن أحد الدوافع الرئيسية لجماعة الأعجاز العلمي هو التعويض أو التقليل من أزمتنا الحضارية الحالية.

 رابعأ: عدم تصديق كل شئ يكتب عن الأعجازالقراني بشكل أعمى بدون بحث و قراءة وتشكيك! من يكتب حول الأعجاز العلمي يجب أني يطبق ويحترم المبادئ العلمية المبنية على الحيادية والموضوعية والتشكيك والأثبات والنفي والبرهان، من لا يحترم هذه المبادئ ليس له الحق في أن يكتب عن الأعجاز العلمي لأنه وببساطة لا يعرف معنى العلم. من ينتقي أيات معينة ويتجاهل أيات أخرى لا تتطابق مع أرائه لا يثبت أي شئ على الأطلاق ، أنه يثبت فقط أنه يعيش في أزمة أو يشعر بالنقص أو كلاهما.

 للأسف يتم اليوم الأسائة الى القران بكافة الأشكال ، فعلى الصعيد السياسي يستخدم الكثير من السياسيين ورجال الدين القران لاستخراج فتاوى تحلل وتحرم مايشتهون وما يحقق مكاسبهم السياسية ، فيتم تحليل قتل الناس بحجة الجهاد مثلا ، وعلى الصعيد الأجتماعي يستخدم القران كعذر لتكبيل المرأة وعدم أشراكها في الحياة بمستوى مساوي للرجل ، وكأن ما سبق ليس كافيا يأتي اليوم جماعة الأعجازليمطرونا بأكتشافاتهم التى لا تمت للعلم بصلة.

 قد يبدو مقالي مسيئا الى القران بشكل خاص والأسلام بشكل عام ، في الحقيقة ليست هذه نيتي على الأطلاق! التشكيك بالتناقضات العلمية في القران ليس أنتقاصا من قيمة القران وأنما دفاعا عنه! لاتوجد أية صريحة في القران تنص على أحتواء القران على أعجازات علمية بشكل مباشر، أن فكرة الأعجاز العلمي حديثة ولم تكن منتشرة و متداولة في الماضي القريب ، نظرية الأعجاز هي أجتهاد شخصي من بعض الناس ومن حق أي مسلم أن يسأل ويشكك بهذا الأجتهاد ان كان يتعارض مع الحقائق العلمية، الذين يكتبون عن الاعجاز العلمي هم ناس عاديين وليسوا أنبياء معصومين من الخطأ.

 ربما يسأل سائل ، كيف تمكن العرب المسلمون في العهد العربي الأسلامي من بناء حضارة متقدمة ذات مستوي علمي هو الأحسن في العالم؟ ألم يكن للقران دور في ذلك؟

 صحيح أن العرب المسلمين وصلوا الى مستوى علمي متقدم لكنهم لم يفعلوا ذلك بفهمهم أو تفسيرهم للقران ككتاب علمي وأنما بفهمهم للقران كمصدر الهام وتجشيع يحثهم على البحث والدراسة وطلب العلم ، العلماء العرب المسلمين الذين نفتخر بهم اليوم لم يصبحوا علماء ألا بعد قراءة وترجمة الكتب العلمية المعاصرة من الأغريقية والفارسية الى العربية ، أصبحوا علماء لأنهم كانوا يطلبون العلم في كل مكان ويقرأون كل كتاب ويتعلمون أي لغة في سبيل العلم ، يعني ببساطة كانوا مثابرين ومكافحين ومجتهدين ومنفتحين ، كانوا يصنعون الحاضر بدون التغني بالماضي.

 يجب أن لا ننسى أن التطور العلمي ليس له علاقة دائما بالدين، الصينيون مثلا أستطاعوا بناء حضارة متقدمة ذات مستوى علمية متطور قبل ظهور الأسلام بفترة طويلة وفي وقتنا الحالي يفعلون نفس الشئ! مثلهم مثل الهند والفرس والرومان والأغريق والسومريون والأشوريون والمصريون القدماء.

 الأيمان والأنتماء للأسلام لايقاس بعدد الأعجازات العلمية! الأيمان شئ والعلم شئ أخر، لماذا المزج بينهما؟







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز