نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
لماذا نخجل من ثقافتنا؟

لا عيب ولا ضير البتة في تناول المقدس والتطرق إليه، ومحاولة تفكيك أية حقيقة، وتسويقها، وتبيان مدى صلاحيتها الفكرية والمنطقية، والمعيشية، هذا من حيث المبدأ والأصول، ولا مقدس سوى الحقيقة والعقل، وكل ما يتساوق مع العقل والطبيعة والفطرة الإنسانية البسيطة. وما الضير في ذلك طالما أن الحقيقة ثابتة وراسخة ولا تتزحزح، ولا يأتيها الباطل، وصامدة أمام سهام التفكيك؟ لماذا نخاف على الحقيقة إن كنا نعتقد بأنها فعلاً حقيقة لا يمكن لأحد النيل منها؟

 وفي العصور السالفة، أي قبل الثورات البشرية العلمية التكنولوجية والمعرفية الإبداعية العملاقة الخارقة وقبل سقوط الكثير من الأوهام والأساطير الغيبية المعروفة واليقينيات الحياتية المعاشة، كانت المعرفة، وكأية سلعة أخرى، حكراً على الطبقات التي تتحكم بكل الموارد والثروات وأرزاق الناس، وكانت هذه المعرفة لا تتوفر إلا لمن لديه القدرة على الوصول إليها، أي لم تكن شائعة ومشاعة، وخاصة تلك التي تتعلق بقضايا الوجود والغيب والحياة.

فكانت تلك الطبقة، عبر الكهنوت الديني الحليف التاريخي للسلطان، تحتكر تلك المعرفة لذاتها وتوظفها بما يؤمن بقاءها ووجودها واستمراريتها ويخدم الطبقات التي تتسلط على رقاب العباد، عباد الله، وتحيط تلك المعرفة البدائية البسيطة السطحية الضحلة بشيء من المقدس والورع والتابو، وتفرض على تناولها وتداولها الكثير من الروادع والزواجر والقيود والأغلال الصارمة. ونشأت لذلك وكما هو معروف طبقة "السادة"، التي تحتكر المعرفة، وما يعرف بطبقة "العوام"، التي تستقبل تلك المعرفة. ولكن، ومع هذا التطور الهائل وشيوع وتداول المعرفة على نطاق واسع، وكسر احتكارها، ونزعه من يد طبقة واحدة، وسهولة الوصول إليها، وامتلاك دقائقها وتفاصيلها، ويسر الإبحار في أعماق وأمهات الكتب والمراجع، انكشف كثير من المستور والمخفي الذي حاولت تلك الطبقات الاحتكارية التعتيم عليه وإخفائه، لأنه لا يخدم مصالحها، ويفكك خطابها.

 بهذا الصدد يقول صالح اللحيدان، رئيس المجلس الأعلى للقضاء الذي يربط بين ضعف الالتزام وانتشار المدارس: "ففي بلادنا تضعف روح الإسلام ويخف سلطانه على النفوس عند المتعلمين، ويتسع هذا الضعف يخف ذلك السلطان بقدر ما يتسع التعليم وتنتشر المدارس"، (الدرر ـ ج 16 صص 50-51). وساهمت العلوم والمعارف العصرية المادية في تفكيك وانهيار الكثير من الأساطير والمعتقدات الغيبية وتظهير البعد المادي فيها، إذ يقول في موضع آخر أحد مشائخ الوهابية، عبد الله بن حميد، الذي كتب الى وزير المعارف مبيناً رأيه بأن سبب الجهل بالدين يعود الى: "هذه الفنون المعوقة كالرسوم والأشغال والرياضة البدنية والألعاب الأخرى". (هكذا).

 وطبعاً في مقاومة هذا المد و"الغزو" العلمي الهائل كانت تصدر فتاوى التحريم الشهيرة تحريم الموسيقى، والسينما، والرسم...إلخ. فقبل سنوات قليلة لم يكن أحد ليسمع، مثلاً، بفتوى إرضاع الكبير التي تهز أركان المنظومة القيمية التابووية المقدسة والصارمة، التي تدعى قسم منها، وانهار أمام الصدمة الأخلاقية التي أحدثتها، وحلقت إشكالاً وجدلاً عميقين بين رافض ومستهجن ومستنكر وقابل ومبرر ....إلخ، وهناك فتاوى أخرى تستند على الشرع كفتاوى السمبوسة، والخيار والموز والطماطم والجدار، وجواز معاشرة الميتة عبر ما عرف بجماع الوداع وتفخيذ الرضيعة وزواج القاصرات ونكاح الجن، وفي مصر، مثلاً، أجاز الداعية المصري محمد الزغبي في العام 2010 أكل لحوم الجن، "إن تمكنوا من ذلك" طبعاً.

وهناك بعض الفتاوى المخجلة والمشينة المستندة "على الشرع" كما قلنا، والتي لا يتيح المقام الرفيع ذكرها، ضربت صميم ووجدان العقل الجمعي، بهذا الصدد.

 وهزت كل ما يتعارض مع أبسط معايير المنطق والعقل يقول أحد مشائح الدين، بهذا الصدد، وعلى الملأ أن أبا طالب أرضع الرسول وهو صبي من صدره، ناهيك عن عشرات الخبايا التي بدأت تتسرب من كتب التراث والسيرة التي لم يكن الوصول لها ميسراً، على نحو ما، للعوام. وأماط التمحيص والقراءات المادية والبحث العلمي الدقيق عن واقع معرفي رهيب ورث، وأجلى وقائع لم تكن تخطر على بال، وكلها، كما قلنا تتناقض مع ابسط أسس ومنطلقات وقواعد العلم والمنطق، وربما الذوق والأخلاق، في أحايين كثيرة، وكل ما توصل له بني البشر من حقائق واكتشافات علمية باهرة ومذهلة. وحين نحاول كمسلمين نشر ثقافتنا، وديننا بشتى السبل والوسائل، ونتفاخر به، فنحن ننفذ أمراً ربانياً ومهمة شرعية بإيصال هذا الدين والعقيدة للآخرين كي نهديه إلى الصراط المستقيم ودين الحق، ونقول بأنها الثقافة الشاملة والمطلقة والحل الوحيد للحياة البشرية ومشاكل الإنسان في هذا الوجود، وحين نقوم بذلك، أي ننشر قصصاً، وروايات من السيرة والتراث، ونأتي بحيثيات وتفاصيل ومكونات هذه الثقافة وبالدليل ومن صلب هذه الثقافة، ولاسيما عبر آلية الفتوى الإسلامية الشرعية، يزعل البعض، ويحرد، ويهدد ويتوعد، ويرفض، رغم أن كل ما يرد موجود في أمهات كتب السيرة والتراث، ومثبت، كالطبري والصحيحان وطبقات بن سعد والأصفهاني ....إلخ، ويعتبر ذلك مروقاً وتهجماً وزندقة وفسقاً وكفراً والعياذ بالله. فلماذا نخجل من ثقافتنا، ولماذا نرغي ونزبد عندما نحاول تفكيكها وتشريحها وتقديمها للناس؟ هل أتينا بشيء من عندنا، وألف لا سمح الله وأستغفر الله، ولماذا نحاول تغطية شمس الحقائق بغربال الغضب والتكفير والتخوين؟







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز