د. محمد فؤاد منصور
m_mansour47@hotmail.com
Blog Contributor since:
01 September 2010

كاتب عربي من مصر
مقيم حاليا في الولايات المتحدة

 More articles 


Arab Times Blogs
!! رئيسنا لابس مزيكا


الحقيقة أن هذا المقال لاعلاقة له بالرئيس محمد مرسي بشكل مباشر ، ولكن لسبب ما قفزت صورة الرئيس إلى ذهني دون مناسبة حين كنت أستعيد أيام الطفولة السعيدة ودور رجال الشرطة في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ومقارنته بدور رجل الشرطة في القرن الحادي والعشرين وكيف كان رجل الشرطة في ذلك الزمن البعيد هو رمز الأمن والأمان وكيف كان مجرد ظهوره يلقي الرعب في قلب كل خارج على القانون والنظام حتى صارت الأمهات في كثير من الأحياء الشعبية تهدد به صغارها بعبارة " هاجيبلك العسكري " إذا لم يطع أوامرها أو لم يكف عن شقاوته ، فارتبط الشرطي في أذهاننا حين كنا صغاراً بالقدرة على فرض الأمن و النظام ، ثم كيف تدهور حال رجل الشرطة حتى لم يعد يكفي الصغار أن تهددهم حتى بلواء شرطة أو وزير داخلية .
لم يكن رجل الشرطة على أي حال يعكس دائماً تلك السلطة وذاك الجبروت الذي يخيف الكبار والصغار على السواء بل على العكس ارتبطنا ونحن صغار برجل الشرطة الذي هو صديق الطيبين والمحترمين من الناس فكنا نشاهد طابور العرض العسكري الأسبوعي الذي تجوب فيه طوابير رجال الشرطة الشوارع الرئيسية للمدينة ببزاتهم الأنيقة وأإزرارها الذهبية وأحذيتهم اللامعة ومشيتهم العسكرية المنضبطة على إيقاع الموسيقى النحاسية التي كانت تصاحب هذه الطوابير خلال ذلك العرض الأسبوعي وكنت ورفاقي من الصغار نصطف على جانب الطريق ونصفق لذلك العرض الأخاذ .
لم تكن الموسيقى النحاسية بأدواتها الضخمة الذهبية اللامعة تبهرنا فقط خلال ذلك العرض الأسبوعي بل إن فرق الموسيقى النحاسية للشرطة كانت تعزف ألحانها الشرقية والوطنية الجميلة في المناسبات المختلفة بالحدائق العامة أيضاً وكان لنا نصيب في متابعة وسماع هذه الفرق الرائعة بملابسها الأنيقة ومهارة عازفيها على آلات الإيقاع والنفخ في مشهد يلتصق بالذاكرة وحرمت منه مع الأسف كل الأجيال اللاحقة .
اشتهرت الموسيقى النحاسية باسم موسيقى حسب الله ، وحسب الله هو اسم الشهرة للشاويش محمد حسب الله الذي كان عازفاً بفرقة موسيقى الشرطة ومؤسساً لهذا النوع من الموسيقى منذ عام 1860 والذي شارك وفرقته في العزف في كل المناسبات السعيدة التي شهدتها البلاد وكان يحضرها الخديو شخصياً ثم من بعده الملك فؤاد ، وظلت هذه الفرقة العسكرية النحاسية تشارك في المناسبات الوطنية والأعياد القومية كفقرة أساية لاغنى عنها ، وقد امتد نشاط الشاويش حسب الله إلى مابعد تركه للخدمة الرسمية فأنشأ فرقته الخاصة التي كانت تقوم بإحياء المناسبات السعيدة وغير السعيدة على السواء فلكل مناسبة ألحانها التي تناسبها ، فكنا نرى صفوف العازفين تتقدم الأعراس كماتتقدم الجنازات كتقليد يميز هذه المناسبات وكان عدد العازفين في كل مناسبة يعكس أهمية ومكانة هذه العائلة وأفراحها أو ذاك الفقيد ومكانته .
هذا ماكان عليه الحال في الزمن السعيد الذي حضرنا قسماً منه خلال طفولتنا وسمعنا عن قسم آخر لكن ماسمعناه وماشاهدناه يؤكد على أن هذه الفرق للموسيقى النحاسية كانت سمة من سمات الحياة الاجتماعية في القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين او بعد ذلك بقليل .
وكماحدث لكل المظاهر الهامة في حياتنا مثل احتفال يوم الرؤية او خروج المحمل او ماشابه ، بدأ عصر الموسيقى النحاسية يزوي شيئاً فشيئاً حتى أوشك على الانقراض ، وصار أصحاب المحلات التي تقدم عروض الموسيقى النحاسية تعاني من قلة عدد العازفين المهرة الذي يعني قلة موارد أصحاب هذه المحلات ، ومن جهة ثانية كان يحدث أحياناً أن يفاجأ صاحب المحل بعرس أو عرسين أو عرس وجنازة أو أكثر من طلب في يوم واحد فكان يحتال على قلة عدد العازفين حتى لاتطير الصفقة من يده بأن يأتي ببعض أفراد لاشأن لهم بالموسيقى ولابالعزف من على المقاهي المجاورة وأغلبهم يكون عاطلاً عن العمل فيلبسهم الملابس العسكرية للفرقة الموسيقية بحيث لايمكن تمييزهم عن العازفين الحقيقيين ثم ينثرهم وبأيديهم آلات العزف النحاسية الضخمة بينما لايكون في صفي العازفين الذي يقارب العشرين عدداً سوى ثلاثة او أربعة عازفين حقيقيين ، فيمضي الركب الفخم بصفي العازفين الحقيقي والمزيف ليتقدم العرس او الجنازة فيبدأ العازفون الحقيقيون في عزف الألحان بينما يتمايل المزيفون وينفخون في الهواء ويقومون بكل حركات العزف من تحريك للأصابع والأذرع وتمايل بالأجسام دون أن يلحظ أحد أنهم لايعزفون حقاً ، وكان يطلق على هؤلاء العازفين المزيفين " لابسي المزيكا " .. 
فلابس المزيكا هو شخص يؤدي دوراً لم يخلق له بحيث يوحي للسامع والرائي أنه عازف ماهر دون أن يكون في حقيقته كذلك .. 
فهل لهذه الحكاية أي صلة بصورة السيد الرئيس التي قفزت إلى ذهني دون مناسبة حين كنت أفكر في هذا الأمر وخفة دم المصريين وعظمة وروعة رجال الشرطة في العصر القديم ؟







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز