أسامة غاندي
osamagandi@live.se
Blog Contributor since:
13 February 2011

 More articles 


Arab Times Blogs
الإمام البوطي ..........تأشير الحرب في سجلات السماء

المرحلة السياسية الراهنة , لاتحتمل وجود رجل أمة مثل البوطي , ومجموعة متعهدي سمسرة وفتاوى قتل جماعي , مثل القرضاوي والعرعور والعريفي والسلخاني وأسماء أخرى , كما لاتحتمل وجود ملائكة وشياطين في وقت واحد . والنصوص السياسية المعلقة حديثا على جدار البيت الابيض , لاتحتمل مقولة البوطي الخالدة ( الاسلام ما أمر به القرآن , لا ما جاءت به أمريكا ) , لأن هذا النص سيصبح جزءا من التنزيل يوم يرجع الناس الى وعيهم . بعد أن طُرح الاسلام السياسي كقنبلة تدميرية ستحرق الحرث والنسل , لم يعد بالامكان احتمال رجل مثل البوطي بدأ يتشكل كمدرسة ومشروع اسلامي تنويري وعاقل , ومتوازن , يحافظ على ما تبقى من مؤمنين, ويسير بهم مرة أخرى عبر التاريخ غرباء عزل مضطهدين في الارض وليبدأوا الدورة المحمدية من جديد بعد أن طرح الاسلام السياسي نفسة إعصارا جديدا مدمرا ومجانيا , ومؤيدا بالذخيرة الوجدانية الشعبية التي لم يبق منها سوى الركام , فان الاستراتيجية الجديدة لا تحتمل وجود قطبين , ولا تحتمل وجود ملك وشياطين , لهذا لابد من القضاء على الملائكة , لتأخذ الامور مسارها المرسوم بدون عرقلة 

 وبهذا المعنى فان وجود محمد سعيد رمضان البوطي في الساحة , كملك , ويأخذ ملائكيته ليس من الصلاح فقط , بل من المكانة العلمية والوزن والحجم الثقافي والديني , جعل وجوده خطرا على المشروع , وعلى الخطاب السياسي المثقل بالكذب والدجل والتدمير , وخطرا لما يمثله من ثقل نوعي فكري اسلامي بات يأخذ مديات مقلقة في التوحد واعادة الوعي المسلوب للمتدينيين . أصبح وجوده ( ككردي سني ) مع الدولة ومع العقل ومع السلام , في وقت تجتهد دول المحور في تصعيد نفايات كردية الى منصات المعارضة , مرة باسم سيدا , ومرة باسم هيتو , للعب بالورقة الكردية الصامتة في المجزرة السورية . كان وجود البوطي يُتَفِه كل الاحتفاليات الناتوية بتتويج النفايات البشرية .

 وفي وقت تضغط امريكا بكل قوتها لفرملة معارضة الاحزاب الكردية في تركيا , وجر اوجلان الى سلام مع الاتراك . كانت تبدو العرقلة البوطية واضحة , تتلألأ في المشهد السياسي . فكان البوطي أهم هدف في سوريا . وأهم بعد تخييلي لسوريا الموحد المتضامنة المنصهرة في قالب واحد . ورغم فشل عمليات التحييد والشراء , وعمليات الاقناع والتي قام بها سفراء دول كبرى مع الشهيد . واغراءات كبيرة له , الا أن الرجل اختار الامامة في الدنيا وما تمليها من مسؤوليات , وأختار أن يلقى الله طاهرا مطهرا نظيف اليد من دم أي مسلم .

منذ زمن لم نؤشر في كتب الفقه والعقيدة وتاريخ التشريع , وفاة عالم يلقي بظله الكثيف على الفكر نفسه , وقد أتاح استشهاد هذا العالم لنا هذه الفرصة في التأشير , ولم يدخل وفاة شخص أو غيابه كحدث مفصلي في التاريخ السياسي . ولأن الأميين والمعوقين السايسيين من حكام العالم الاسلامي , هم من يتولون الان مع الاسف , تسمية المراحل , وهم من يتولى منح الالقاب والاوسمة والعناوين , وترويج ما سقط من المتاع من بشر ومن هياكل , فقد أستبعد الكثير من العلماء والاشراف عن الساحة , وأستثنوا من موائد السلطان , لانهم رفضوا أن يكونوا ندماء . الا أن محو عنوان أسمه البوطي والتعتيم على موقفه وآثاره و وحضوره القوي , كان خارج الارادة , وخارج نطاق الابخرة التي تطلقها أموال النفط . ولم تتيسر لهم حيلة , الا كما تيسرت لتلك الغانية ( شالومي ) أن تغري الملك ( هيرودس ) بقتل يوحنا المعمدان , ايضا في دمشق . والذي شكل قتله بهذه الطريقة , ترسيما لمرحلة جديدة .

 وهكذا كان لنا هيرودس عربي نفطي , وشالومي التي ارادها عمها الملك سفاحا , كما يراد الان . وأن الذين أمروا وافتوا , ونفذوا عملية اغتياله , قد اسرعوا بتطويبة , وقد عجلوا بأمامته , ووضعوه لنا في كتب التاريخ بأحرف بارزة . وايقظوا فينا بقوة , استحقاقا للبوطي , كان خليقا به , ويجب أن يناله منذ زمن , وهو الامامة في الدين وفي العلم , سيما وأن الرجل استوفي شروطها واستوفى معانيها وامتلك نواصيها .

والامامة استوفاها البوطي بجدارة واستحقاق بشتى معانيها وكيفما كان للبعض أن يفسرها ويعللها , فالامامة بالمعنى السياسي في الادبيات الاسلامية , هي قيادة المسلمين او بعضا منهم , وحمل راية الاسلام , في مرحلة مصيرية فاصلة , وقد قادها البوطي فعلا , واستشهد في ساحاتها , ومن الناحية الفقهية والشرعية , فقد أم المؤمنين في الصلاة , وتراس مدرسة علمية فقهية عقائدية , وعُد مرجعية دينية معتبره في العالم الاسلامي , وأي موقف سياسي كان يقفه , فهو من قبيل الاجتهاد الشرعي لفقيه من وزن البوطي , وقد أجتهد فعلا في موقفه , وكانت مقاصده ومقدماته في هذا الموقف حماية الجماعة وحفظ النفس والدين والعقيدة , يذكرني هذا باجتهاد الامام ابو حامد الغزالي , الذي أيد حكم الدولة البويهية ( الشيعية ) في بغداد , وتحريم الخروج عليها وعدم العصيان , وهو موقف مشهور للامام الغزالي , إذا كانت ذاكرة البعض لا زالت تختزن بعض الدرر في التاريخ الاسلامي .

 وإذا يروق للبعض , أن تتخذ امريكا ودول الناتو قراراتها الحاسمة في قتل الليبيين والعراقيين والسوريين , تحت مسمى الديمقراطية , ويعد ذلك رؤية سياسية منها وجديرة بالاحترام , ولا يمكن لرجل مسلم قائد روحي واجتماعي , مثل البوطي , أن يرى رايا في بلده وفي مواطتية , وان يرجح بين الاشياء , ويختار الموقف الاصوب . وهو الأدرى والأعرف . كان موقف البوطي الفقهي والعقائدي واضحا منذ عقود , وكان موقفة سببا في الحملات المستمرة عليه وعلى أطروحاته , وموقفه من السلفية والوهابية بشكل عام , وقد كان عداء رجال الدين في الحجاز ظاهرا للبوطي . وقد توج موقفه من السلفية بعدئذ بكتابه ( السلفية مرحلة زمنية وليس مذهبا اسلاميا ) , والبوطي ليس بدعا في هذا الرأي ولا أول من قال بهذا , فقد سبق للطبري أن أعلن أن أحمد بن حنبل , محدث وليس بفقيه , وسببت له هذه المقولة حربا شعواء ضده من غوغاء بغداد من الحنابلة .

 وتعتبر الوهابية والسلفية , امتدادات عشوائية وأعرابية لمذهب احمد بن حنبل , وكلام البوطي , لا يأتي من فراغ بخصوص السلفية , اذا علمنا أن السلفية والوهابية ليست مدرسة , ولا تملك قواعد ومناهج للاستنباط , وتعتمد على النصوص الحرفية فقط . وتختار بعشوائية وانتقائية من المدراس الاخرى , ولن تتجذر كمدرسة ومنهج . كما لم تستطع مع كل الاموال والكادر من رجال الدين على مدى عقود , لم تستطع أن تضيف في الفكر الاسلامي شيئا , ولا أن تبتكر صور جديدة في الممارسة الاسلامية , والعكس صحيح تماما , حيث أنها غلقت كل النوافذ الابداعية التي كانت مفتوحة سابقا , وجاءت نتيجة اضافات المذاهب الحنفي والمالكي والجعفري , والتي اضافت الكثير في الفكر الاسلامي .

هذا ما دعا الحجازيون الى محاصرة البوطي في الشام , وفرز المدرسة الشامية في الفقه والتفسير والعقيدة عن مثيلاتها في الحجاز . كما أن موقف الاخوان المسلمين السلبي أيضا من البوطي , وعدم انسياقه الى طروحاتهم الصبيانية , كان له أثر في أن يبقى البوطي متميزا متفردا , في الشام , وسبب موقف الاخوان المسلمين من البوطي , يعود الى أن الاخوان المسلمين , وفي فكرهم الحركي والثوري , يتوجسون كثيرا , من العلماء وضباط الجيش , وتسري فيهم مقولة منذ عهد حسن البنا , ذهبت مثلا فيما بعد , وهي أن لا يدخل الاخوان أزهري ولا عسكري , لان الازهري العالم , سيحد من تفسيراتهم السياسية المغرضة للدين , وسيحرجهم , ولان العسكري يمثل القوة والانضباط والنظام , وهم يتحررون من كل هذا أذا ارادوا ممارسة الانتهازية السياسية والدينية .

لذلك كان الشهيد البوطي موضع حرج وغريم قوي ومقتدر وعالم , ويشكل خطرا لك هذه الاطراف , ولكن دخول السياسيين المقاتلين على الخط , وطغيان المد الصهيوني والمشروع الامريكي , وما رافقه من استباحة مكشوفة للبلدان الاسلامية , عبر القتل والذبح , سرّع من استذكار هذا الحقد القديم على البوطي , وهو في الحقيقة حقد قديم على المدرسة الشامية كلها , والتي تفرد البوطي بقيادتها منذ عقود . في التقييم العملي والفقهي الموضوعي , لم يمر من علماء الشام , عالم حافظ ثقة وعالم باصول الاجتهاد والاستنباط , بعد الامام الاوزاعي , مثل الشهيد العلامة البوطي , لذلك فهو يستحق لقب الامامة , على أهل الشام وغيرها من البلاد الاسلامية لمرحلة المئة سنة الحالية .كما هو مقرر في الحديث الشريف ( أن الله يبعث على رأس كل مئة سنة لهذه الامة من يجدد أمر دينها ) على قول من ذهب هذا المذهب , واضافاته الفقهية البارزة في مجال الفقة , هي أنه أول من اعتمد التاريخ والسيرة , كحكم شرعي فقهي بحت , وفصله تماما عن علم الرواية وعلم الحديث , الذي كان سابقا يتولى عملية غربلة النص التاريخ واعتماده كحكم شرعي , اعتمادا على شخصيات الرواة فقط , دون النظر الى النص , , وقد أطر هذا المنهج الحديث في تقعيد السيرة كقواعد فقهية , في كتابه الفريد ( فقه السيرة ) والذي أعتمد كمنهج بحث جديد في كل كليات الشريعة في الجامعات العربية .

وهو بذلك اول من نظر الى النص , وتنقيحه دون الدخول في الرواة . ولازال هذا المنهج حكرا عليه فيما أعلم , حيث لم يؤلف في هذا المنهج غيره . وفي مباحث العقيدة والفلسفة الاسلامية , يأتي كتابه (كبرى اليقينيات الكونية ) الذي ناقش فيه باستفاضة وموضوعية قضية الخلق وواجبات المخلوق والعلاقة الجدلية العقائدية بينهما , وقضية النبوءات وحاجة العقل للدين والوحي , مما يُعد تطورا في الطرح الفكري العقائدي .

 وهو وإن التزم طريقة الاشعري واعتمدها في الاعتقاد , الا أنه البسها لبوسا أكثر علمية وعصرية , بحيث ذهب بعيدا عن خط الاشعري أو كاد . فهو بهذا المعنى , وعلى ضوء هذه المعطيات , والاستنتاجات , يعتبر إماما مجددا . وهو بهذا مقارنة بالقرضاوي , الواعظ والمهرج والبلطجي الديني , والقاتل لاحقا , يعتبر وجها دينيا ثريا ووضاءا , هذا في الجانب الديني والعلمي , وفي الجانب السياسي وبالمقارنة مع جماعات اسلامية اعتمدت الدين للوصول الى المقدمة , مثل خالد المشعل , لم يترك البوطي الرباط ولم يترك الثغور , ولا عرى ظهور المريدين والاتباع وكشف ظهورهم وجعلها عرضة مستباحة تنهشها الطائرات الاسرائيلية .

لم ينهزم من المعركة ب 12 مليون دولار جمعها السوريون , وقطعوها من ارزاق اولادهم ليتبرعوا بها لحماس المقاتلة الممانعة الرحمانية , واذا بها في ايدي الجيش الحر ليوصلها بامانة الى خزائن قطر مجيرة لحساب قادة حماس و ثمن اقامة مترفة في فنادق فخمة . ولم يبع الضمائر .

ولأن الحرب على سوريا كانت سياسية وذات هدف سياسي استعماري ,أستعين على تحقيقة بالهدف الديني , وجرى استهلاك كل الفضائل الدينية وكل المباديء الدينية لمحاولة غسل الوجه السياسي الفبيح لهذه الازمة . فقد كانت قضية البوطي سياسية ودينية وربانية بامتياز , وقد كان رحمه الله إماما في المعركة وفي قيادة جيش العاقلين والمرابطين والمدافعين عن الشرف والاستقلال , وكان ايضا إماما في الدين والفقه والعقيدة بامتياز أيضا , ستؤشر عملية اغتيال البوطي لمرحلة دينية قادمة مهمة . كما اشرت لحالة افلاس الخطاب الجهادي الذي أعتمد في تخريب سوريا والعبث بأمنها . ولقد منح البوطي سوريا وديعة ثمينة ووصية خالدة , كتبها بدمه , وتراصف مع عظماء سوريا من المجاهدين والمصلحين , وكبيرة هي سوريا , عندما يكون القرضاوي , احدر عرسانها الى الجنة .

منذ زمن لم يؤشر في رقاع سماوي موت رجل , كما اشر للبوطي رحمه الله .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز