ماهر عابد
mahr1275@yahoo.com
Blog Contributor since:
18 April 2012



Arab Times Blogs
إسرائيل والهجمة على مصر

مخطئ تماما من يعتقد أن ما يحدث في مصر من محاولات لجرها إلى فوضى منظمة هو مجرد تفاعل سياسي أو أعمال بلطجة عادية, وواضح تماما لكل مراقب أن مخططات إجهاض الثورة ومحاولة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء تسير بقوة الدفع الخارجي أساسا وعبر الأدوات المحلية التي مثلت في السابق أعمدة للنظام الاستبدادي الفاسد, وان أي قراءة للأحداث في مصر لا تأخذ بعين الاعتبار الأطراف المستفيدة من حالة الفوضى ستكون قراءة ناقصة. الصراع اليوم في مصر يدور حول بين القوى التي تريد تحقيق أهداف الثورة من الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية عبر الاستقرار وبناء المؤسسات وفصل السلطات وإقامة نظام ديمقراطي تتفاعل فيه القوى السياسية المختلفة تحت إطار الإرادة الشعبية وهذه القوى تشكل خليطا واسعا من الإسلاميين بكل أطيافهم ومن الوسطيين والليبراليين وبعض القوميين, وما بين قوى النظام السابق المدعومة خارجيا والمتحالفة مع القوى التي لا تستطيع العيش في أجواء الديمقراطية لأنها تمثل تاريخيا وعمليا التجسيد الحي للاستبداد كالناصريين واليساريين الفوضويين وبعض القوى الليبرالية المرتبطة بأجندات غربية.

 ولعل استقراء توجهات أي نظام مصري ديمقراطي جديد وتبعات ذلك على الإقليم والعالم ستكشف لنا عن الأطراف المستفيدة من استمرار حالة اللااستقرار في مصر وعن القوى الخارجية التي تدفع للفوضى عبر أدواتها المحلية. وسنكتشف أن إسرائيل هي المتضرر الأساسي من أي استقرار وتطور يحدث في مصر. فعودة مصر إلى واقعها السابق – أي إلى ما قبل اتفاقيات كامب ديفيد- بعد ثورة 25 يناير سيشكل تطورا جديدا ستكون له تبعات عديدة على واقع الصراع العربي الإسرائيلي, لان مصر بثقلها الكبير سكانيا وحضاريا واقتصاديا واستراتيجيا ستكون رافعة للحقوق العربية وستعيد العديد من القوى الإقليمية تموضعها بما لا يتوافق مع المصالح الإسرائيلية. ولعل الأمر الأكثر أهمية هنا يتمثل في بناء نظام ديمقراطي عربي يمثل إرادة الشعب العربي المصري والذي يتعامل مع إسرائيل على أنها خطر وجودي وإقليمي وأنها عدو حضاري وثقافي متربص. وسيكون بناء هذا النظام الديمقراطي سحبا للقوة الأخلاقية الإسرائيلية التي تسوق نفسها على أنها الكيان الديمقراطي الوحيد وسط غابة متوحشة من الديكتاتوريات والشعوب الهمجية.

 كما أن التحول الديمقراطي في مصر سيكون المثال والنموذج لباقي الدول العربية التي ستحتذي حذوها إن آجلا أم عاجلا, خصوصا إذا ظهرت فوائد هذا الأمر عبر احترام حقوق الإنسان وتوفير الرفاهية وإنهاء ظواهر الفساد, وسيكون ذلك قصما لظهر الديكتاتوريات في المنطقة العربية والتي ترتبط بإسرائيل بحبل سري يمدها بأسباب البقاء. التأثير المصري المباشر سينعكس بصورة مباشرة من خلال فقدان إسرائيل للحدود الآمنة المستقرة التي استمرت فترة طويلة بدون حماية إسرائيلية وستضطر إسرائيل لدفع أعداد كبيرة من قواتها ومن جهودها العملياتية والاستخبارية إلى هذه الحدود لتأمينها, كما أن واقع الفلسطينيين- الذين يتم الاستفراد بهم سياسيا وعسكريا- سيتغير, وسيجدون في مصر القوية المستقرة الديمقراطية سندا يمكن الاعتماد عليه. وستتضاءل قدرة إسرائيل على ضرب الفلسطينيين كما تفعل اليوم بدون أي تبعات أو عواقب.

 يضاف إلى ذلك أن مصر كقوة إقليمية كبرى في المنطقة مؤهلة لقيادة الأمة العربية ستكون قادرة على لجم أي موجة لتطبيع العلاقات مع إسرائيل قد تقوم بها دول عربية, وسيؤدي ذلك إلى المزيد من عزل إسرائيل إقليميا وعربيا على الأقل. ولا ننسى أن التأثير المصري الكبير على أفريقيا سيكون سيكون حائلا لمنع التمدد الاسرائلي في افريقية, وستكون هذه الساحة مجالا للتنافس الإقليمي بين إسرائيل ومصر.

 مصالح مصر الإستراتيجية والقومية ستدفعها إلى التركيز على العمل الوحدوي العربي الاقتصادي والاجتماعي والسياسي بما قد يقود لاحقا إلى إنشاء تجمع اقتصادي عالمي على غرار الاتحاد الأوروبي أو الآسيان أو النافتا, وما يعنيه ذلك من زيادة أواصر العلاقات العربية وازدياد القدرة العربية على التأثير في العالم. كما أن تعزيز التنسيق التركي المصري وربما الإيراني وبما تمثله هذه القوى الثلاث من ثقل عالمي وإقليمي سيجعل إسرائيل أكثر عزلة ودورها أكثر محدودية وتأثيرا, وستتضاءل قدرتها على تهديد الأمن الإقليمي أو العربي . أمر آخر مهم يتعلق بالمشاريع العملاقة التي تنوي مصر إقامتها في منطقة قناة السويس والتي ستجعل من مصر مركزا اقتصاديا عالميا, وسيضيف ذلك إلى رصيد مصر وقدرتها على التأثير بفضل اقتصادها القوي وبفضل تحكمها في خط التجارة العالمي الأساسي في العالم, كما أن هذا سيضعها في ميدان منافسة إسرائيل التي تحاول بناء خط ملاحي عبر خليج ايلات ثم بالقطارات إلى ميناء أسدود ليكون بديلا لقناة السويس.

 لقد فقدت إسرائيل بسقوط مبارك كنزا استراتيجيا, وهي تحاول اليوم استعادة هذا الكنز أو إشغاله بمشاكله على الأقل, وكل ما يحدث الآن يجعلنا على يقين أن إسرائيل ومن يدعمها هم أكثر الأطراف استفادة من واقع اللااستقرار في مصر وهم بالتالي الأطراف التي لها مصالح حيوية وإستراتيجية في بقاء مصر ضعيفة ومهلهلة وتابعة, ومن هنا وجب أن توجه أصابع الاتهام مباشرة لها, أما أدواتها المحلية من فلول النظام الفاسد السابق( وبالذات في الإعلام والقضاء والأمن) ومن البلطجة المنظمة وغيرهم فهؤلاء يمثلون الأداة ورأس الحربة, وقد بات واضحا جدا أنهم معزولون شعبيا, ولعل الطريقة الأكثر مناسبة في التعامل معهم هو الحسم وتطهير المؤسسات.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز