عبد الحميد فجر سلوم
666
Blog Contributor since:
04 November 2011


 More articles 


Arab Times Blogs
وداعا ياشيخ كل الأديان والأعراق والمذاهب في سورية

لم يكن فضيلة الشيخ المرحوم الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي شيخا بارزا في مذهب أو دين أو مُكَون من مكونات الشعب السوري، وإنما كان شيخا لكل المذاهب والأديان والأعراق في سورية، فكان كل سوري من أي مذهب أو دين أو عرق يشعر بإدراكه أن الشيخ البوطي هو شيخه أيضا ..

هذا الإحساس لم يتولد من فراغ ،فحينما يتجاوز فكر الانسان وعقله الحدود الضيقة ليتسع الى مستوى وطن وشعب وأمة،يستوعب الجميع ويعيش هموم الجميع ومشاعر الجميع وقضايا الجميع في أفراحهم وأتراحهم وقريب من الجميع بثقافته وآرائه وتفكيره ،ينظر لهم جميعا كأبناء وأهل وأخوة، فحينها يكون للجميع ولا يمكن لأحد أن يحتكره لنفسه أو لمذهب أو لدين، بل أن عائلته نفسها لا يمكنها احتكاره لها إلا من حيث الاسم العائلي ...

 فالمرحوم البوطي كان لكل سوري أينما كان ، بل كان لكل المسلمين في كل مكان من خلال مدرسته المستندة على الفكر والوعي الاسلامي الصحيح والأسس والمبادئ التي بُني عليها الاسلام، وهذه لم تكن بطبيعتها تخص المسلمين فقط وإنما كانت شمولية وعامة تمس الانسانية كلها والبشرية بأسرها ومن هنا كانت أول آية في القرآن الكريم ،بعد بسم الله الرحمن الرحيم، هي الحمد لله رب العالمين ، وليس فقط رب المسلمين ...

فالاسلام لم يكن في أي وقت ضيق النظرة او محدود الأفق أو ينطوي على التعصب والإنغلاق والإقتصارعلى بقعة جغرافية بل كان عابر للشعوب والأمم والقوميات والأعراق ومن لا يراه كذلك وعلى حقيقته فعليه أن يعيد النظر بكل رؤيته وإلا فسيبقى تفسيره للاسلام قاصر وغير صحيح،، ولو لم يكن الاسلام رسالة للبشرية تحمل معان ومبادئ انسانية عظيمة أولها المحبة والرحمة والتسامح ما كان انتشر وتوسع بهذا الشكل.....

هكذا فهم المرحوم البوطي الاسلام ورسالة الاسلام التي لم تكن في أي وقت رسالة ريعية ربحية وتجارة ومكاسب وتجميع للملايين والمليارات كما فهمها البعض من أصحاب اللفّات والعمائم ... ومن هنا يمكننا التمييز بين العالِم الديني والواعظ والفقيه وبين التاجر الديني الذي يعتبر الاسلام مهنة للربح واكتناز الأموال وليس رسالة للانسانية ، وشتان بين الإثنين ،فالأول هو من يبني بالمجتمعات من خلال ايمانه بروح الرسالة ويقارب بين بني البشر ويغرس أشجار المحبة ويسقيها من ماء الحب والرحمة والتسامح 

 أما الثاني فهو من يهَدّم المجتمعات بزرع بذور الكراهية والحقد والتكفير والفرقة والانقسام والتشرذم ، وأعتقد بنظرة سريعة للطرفين يمكن لكل منا أن يدرك فورا أي منهما يرسو في مركب الاسلام ويجسد رسالته ومعانيه ، هل هو النوع الأول أم الثاني ؟؟ وأي منهما يسير على خطى محمد (ص) الذي ألّف بين قلوب الجميع ووحّد القبائل وقارب بين أبنائها وأزال من نفوسهم كل غل وكراهية وجمعهم مع بعض على كلمة سواء فكان كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله ، وكان كل من يقول أشهد أن لا اله إلا الله يصبح مسلما وله حقوق كل المسلمين ....

 نعم هذا هو الاسلام الصحيح الذي أوصل المرحوم البوطي - بفهمه الصحيح له - الى ما وصل اليه من مكانة رفيعة في قلوب المسلمين وغير المسلمين فبكاه الجميع وافتقده الجميع وبكته مآذن المسجد الأموي وحزنت فيه أسراب الحمام لأنها افتقدت حمامة من بينها صباح الحادي والعشرين من آذار ، كما رثاه ياسمين دمشق لأنه افتقد ياسمينة كان عطرها يفوح في كل دمشق يُنعش نفوس وقلوب المستنشقين ، وأعلنت منابر جامعة دمشق الحداد لأنها افتقدت أحد فرسانها من أهل القلم والعلم ...

فقد انتهت الرحلة وترجّل الفارس وسقط قلمه من يده على الآية التي كان يشرحها من الذكر الحكيم فاختلط الحبر بالدم ،بينما الملائكة تنادي من السماء : أيها الشيخ الجليل إن الله تعالى أرادك اليوم بجانبه ولكن أترك قلمك فوق القرآن واترك عليه الحبر والدم ليوضع في زاوية من محراب الجامع ويكون شاهدا للتاريخ عمّا حصل ،وان أعظم أنواع الشهادة أن يختلط الحبر بالدم ويرتمي الشهيد فوق كتاب الله الذي أنزل على رسوله ... فهل أجمل من عِلم العالم عندما يختلط دمه بآيات الله لحظة الرحيل ...

نعم هو الموت ومن تمكن من الهروب منه فليهرب ،إنه آخر المشوار الذي بدأ من السماء وانتهى في السماء حيث الخلود الدائم ... إنه الحقيقة المرة التي لا يرغب أحد ان تقترب منه ولكن لا مفر.. إنها عدالة السماء التي يتساوى أمامها كل بني البشر ،فهنا لا تفيد الرشاوى ولا شراء الذمم ولا يمكن شراء الكتّاب والصحفيين لتحسين الوجه القبيح وقلب الحقائق وتشويه الوقائع ... ولا يمكن مد أنابيب النفط والغاز وبيعها بأسعار رمزية أو مخفضة لاحتلال مكانة أو نفوذ وخلق شهرة وسمعة كبيرة ....

لقد كان المرحوم البوطي ، وسيبقى أحد رموز سورية ، ومعلم من معالمها وسيبقى اسمه يُذكر كمَا أن نقول جامع بني أمية الكبيرأو ساحة الأمويين أو دمشق وحمص وحماه وحلب ،اوأية مدينة سورية ، أو تدمر وايبلا وبصرى وأوغاريت .... وهذا حال كل الرموز الوطنية الكبيرة ، سواء كانت دينية أو سياسية أو عسكرية أو فكرية او ثقافية أو أدبية أو فنية ممن انصهرت بحب الوطن والدفاع عنه والتضحية من أجله فحاكت قلوب الناس ودخلتها دونما استئذان ...

لن أنسى يا شيخنا الجليل حينما التقيتك في بروكسل في العام 2002 وكانت قوات شارون تحاصرمدينة جنين وإحدى الكنائس التي التجأ اليها بعض الشباب الفلسطيني حتى لا تسحقهم قوات شارون ، فكم كنتَ متأثرا وغاضبا، وعندما قدمتُ لك ضيافة كأسا من الكولا إعتذرتَ عن شربها وقلتَ لي أنك لا تتعاطى مع أي مُنتَج أمريكي ، وكم خجلتُ من نفسي في تلك اللحظات وشعرتُ أنني صغير أمامك، وكم ثمَّنتُ وقدَّرت فيك تلك الروح المبدئية ،وتواضعك وزهدك بالحياة وأنت صاحب العلم الواسع وموسوعة اسلامية!!!.  

ولا أنسى لقائي بك بعد ثلاث سنوات من ذلك في أبو ظبي وكنا على موعد مع دعوة للعشاء فاتصلتُ بك الى الفندق كي أذهب اليك وأرافقك في سيارتي فشكرتني بتواضع العالِم وقلتَ لي أن أحد الأصحاب ينتظرك وسوف تحضر معه ... لا أنسى سعة علمك وبساطتك وتواضعك وزهدك وجمال حديثك .. وهذا أمر طبيعي لكل من يحمل خصالك وصفاتك ، فأليستْ الأغصان المحَمّلة بالأثمارهي الأكثر انحناء ؟؟ وأليست اللآلئ هي من ترسو بالأعماق بينما تطفو الجثث عل ىسطح الماء ؟؟.

لقد جسَّدت في حياتك قول الامام علي (ر) : اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا ،واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا !!! ولو جسّد كل انسان في هذا الكون هذا القول العظيم ربما لانتهت المشاكل بين البشر ... فقد وقفتَ بجانب الفقراء والمساكين وساعدتهم دونما أن تنسى أن لك حق في هذه الحياة ولكن آثرت الناس على نفسك وكسبت بذلك كل الحسنات التي وضِعت في ميزان حسناتك للآخرة ....

وداعا يافضيلة الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي ،شيخ الجميع في سورية من كل الأديان والمذاهب والأعراق ،وليرحمك الله ويجعل جنة الخلد مثواك وعند ذي العرش مأواك.... ولا أملك ما أقَدمه لك في يوم رحيلك سوى دمعة عفوية صادقة تسيل على خدّي ووردة أضعها فوق ترابك الطاهر، وقراءة سورة الفاتحة مشَدّدا على كل آية وكلمة وحرف فيها ومتسائلا : يا الله أين من قتلوا المرحوم البوطي مع تسع واربعون من طلابه في قلب المسجد من معاني هذه الفاتحة !!...

 اللهم ألطِف ، اللهم ألطِف .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز