الطلحاوي نجيب
talhaoui.najib@hotmail.com
Blog Contributor since:
05 January 2008

كاتب عربي من المغرب

 More articles 


Arab Times Blogs
تـقوى اللائكي (1 )

قالَ تـعالـى (و إذا تولـى سعى في الأرض ليفسدَ فيهـا و يهلك الحرث و النسل،و الله لا يحب الفساد.و إذا قيلَ له اتق الله أخذتهُ العزة بالإثم فحسبه جهنـم و لبيس المهاد) صدق الله العظيم فـي مقال سـابق مُعَنون ب( قال اللائكي) تحدثنـا عن بعض المأمولات اللائكية المُضمـرة في لاوعي اللائكي، كمـا أبرزنـا بعض سمـات النفسية اللائكية التي تُعجبكَ قولهـا في الحياة الدنيا لكنهـا تُشهدُ ذاتهـا علـى مـا فيها من خصام مكبوت لاشعوريا لمنظومـة الإسلام و مرجعيته العليا، و نستـكمل كـلامنـا إن شاء الله حول رصد أوجه خصوصيات تلك الشخصية الغريبة التي كـافحت عبثا من خـارج الإسلام لتقدم لفيفـا من الآراء الهجينـة ، لا هي انتمـت صريحـة لتـاريخهـا وعمقهـا الحضاري و لا هي التقطت من نمـاذجهـا الإرشادية الغربية أصول قوتهـا . هـو فكر كمـا سمينـاه سالفا بالمشرد نـظرا لضياع هويته التاريخية و بوصلته الوجودية وتقمصه أدوار مرجعياته المُنتَحـلة علـى مستوى الخطاب

 و فوق كـل ذلك يصطنـعُ الزعم بالريادة في التأسيس لدولة "الحداثة" و كأنه صـارَ طرفـا في التنظير لمرتكزات "المدنية" و "العقلانية".

 في الحقيقة ينبغي أن نعترف بأن القومَ نبغـوا في فن الترديد و أصول التقليد و تمكنـوا من إثبات جدارتهم الفلسفية في إرسـاء دعـائم المحاكاة السـاذجة بـلا نـزاع ، واستطـاعـوا في ذلك أن يقدموا للقراء مـؤلفات تجريدية هُـلامية عسيرة علـى الفهـم البشري موغـلة في التحليق تمتـاز أحيانـا "بماراطونيتهـا" و غرابـة قواميسهـا، مـؤلفات لائكية فُسيفسائيــة المبنـى و المعنـى ثم تُــلفَـظُ في وجهكَ يا إسلاميُّ حجةَ إثباتٍ علـى أصالـة النـبوغ اللائكــي في منطـق الـتاريخ و متغيرات المُعـاصَرة ، مـاذا عساكَ أن تُجيبَ و هُـم ألَّـفوا و مـاذا دهـاكَ و هُـم جدَّدوا ؟! كيف تـردُّ علـى أقـشاشٍ من الكتب الأركونيـة و قـد أقـامَ بهـا صاحبهـا عمـارة من الطحـالب الفكريـة الرخوة ؟ كيفَ تنتـفُ ريشَ طيـور كتبٍ مُحلقة بـلا نقطـة وصول ؟

كيف تنـسف مغالطات لائكيين نبغوا في فـن البيان طلبوا "العلمنـة" بحسن الخطـاب( فودة،عبد الرازق،العشماوي..)؟ دعكَ من الآن من المصنفـات فليس فيهـا إلا مُعلبات مؤتلفـات و قليل هنَّ المختلفات، تُــرى لمـاذا عليَّ أن أفتـرض انخـلاعَ تلك المعلبات المُصَبَّرات عن مسـار السكة الإسلامية القويمـة و خروجهـا عن المدارات الصحيحة؟ لمـاذا أشعـر في قرارة نفسـي و أنـا أقرأ للائكي "حداثي" أنني أُقــلَـــعُ من هويتي قسـرا ؟ بين "المصبرات" الفكرية و السلوكات الواقعية خـطا مشتركـا يشي كله بزيف البضـاعـة بـلا شك ، فحديثهم عن شرعيـة اللائكية عبر متواليات التـاريخ الغربي و مفردات التوظيف الاستنـساخـي و اجتـرار نفس آليات التفكير فضـلا عن الممـارسة السياسيـة الاستبدادية و المـواقف اللاأخـلاقية المتنـوعـة حول قضـايا متعددة و غيرهـا كلهـا تـؤشـر علـى بصمـة الغرب في بنيات التفكير، فأن تـكون لائكيا تُعـادلُ السعي في الأرض فسادا بمعنـاهُ الشـامل، و أن تكونَ مُغرَّبا يوازيـه سياق نفسي مفصول عن ضوابـط شرعـه ،تتحكم فيه أنمـاطا من التحرر الوهمي من سلطات مُوجِّهـة هي في عرفـه إلزامـات لاعقلانية ، أن تـكون لائكيا يعنـي أن تنـفي وجود شرع الله فتُفلسِفَ ثرثرةً بكونه فكرا انـدمجَ بالنص فاكتسب النسبية، أن تـكون كذلك تُـلزمكَ أيهـا اللائكي قبول المُفسِد المزني باعتباره حرية خاضعة لمنطق التوافق الإرادي ، أن تكون كذلك يعنـي أن تثـور علـى قيم الإسلام فتنتفخَ أوداجكَ كلمـا مرت من أذُنِـكَ كلمـات "اتق الله"، هـل يقبل اللائكي "الحداثي" أن يُـقالَ لـه اتق الله دون أن يجيبهُ بعنـاد وتفيهق ؟ "اتق الله" كلمـة عزيزة علـى المسلم بغيظة عند اللائكي، جـاء في الأثر أن رجـلا قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : "اتق الله يا عمر ، فقالَ أحدهم : أتقول هـذا لأمير المؤمنين ؟

 فقال عمر :دعه ،فالذي نفسي بيده لا خير فيكم إن لم تقولوهـا و لا خير فينـا إن لم نسمعهـا " (الإسلام بين العلمـاء و الحكام لعبد العزيز البدري)، هـذا أمير المؤمنين يقول لا خير فينـا إن لم نسمعهـا ، فكيفَ لرويبضـة لائكي لا حظَّ لـه من العلم و الحكم لا يكـاد ريقه ينزلق عند سمـاعه للكلمة؟ و فوق كـل ذلك تأخـذه أحايينا العزة بالإثم و يُـخرجُ لكَ ألفَ دليل من معلبات الفكر علـى "نزاهـة" السلوك الزنـوي و لطـافة شرب النبيذ و سلامـة التصرف المطلق للذات و بالذات...إذا قيلَ له اتق الله ثارت ثائرته رفضـا لعقلية "التطرف الإسلامي" المنغلق في ذلك المـاضي السحيق،المُشرئب عنقه لسلطة النص و اللفظ .

إن عقلية اللائكي و نفسيته تنتمـيان إلـى منـظومـة محددة بهـا يبنـي أحكـامه و عليهـا يؤسس فلسفاته ، فليس صحيحـا في نظري أن اللائكي متحرر من قبضة الغرب حتـى و لـو ادعـى ذلك ، و ليس صحيحـا انتمـاءه لمجال تداولي تصدر عنه أقاويلـه، و إنمـا الصائب اعتباره فرعا كاسدا منحدرا من شجرة أصلهـا غير ثابت البتة ، فتأمـل كيف تصدُرُ ردة فعل من زانٍ لائكي قيل له اتق الله و بين زانٍ رانٍ علـى قلبه غير مُـؤليكٍ فكريا تجدُ إصرار الأول علـى تبرير الجريمـة الأخـلاقية بكل أدوات التفيهق الفلسفي و اعتراف الثانـي بفعلـه دونمـا كبر ، الأول ينتمـي إلـى منـظومـة متفردة تستبطنُ كُــرهَ الشرع بل و النفور من رموزه و تـاريخه ، و الـثاني إلـى منظومـة مغايرة و إن اشتركـا في نفس الفعـل . إن تفكيكَ الأقنعـة و كشف حقيقـة الوجه اللائكي ضروري لمن يريد تحليل الكثير من الأزمـات الراهنة ، فإسقـاطهـا يعيننــا علـى تحديد المتسلقين علـى سلم الإسلام غدراً فيوضَعون في حجمهـم الحقيقي بعد تعريتهم من الادعـاءات البهلوانية التي توسمهم بكونهم مُقدِّسين للدين و هم في الأصل و الفصل محاربون دونكشوطيون لمفاعيل التدين و محركـاته في الجمـاعـة .

و إن شـئت انظر كيف دافع اللائكيون عن المفسدين الآكلين لحرمـة رمـضان،إن شئت تأمـل كيف قـادوا حملـة الدفاع عن اللائكي الغزيوي بكل وسائـل اللغة الحقوقية،إن شئت انظر كيف صـار البعـض ينـافح عن التعددية في الخليلات ،بـل افهم كيف تـدحرج هـذا العقـل من "التنوير" إلـى قبول تغيير التركيبة الأسرية النووية فكـافحَ هنـاك تشريعـا لحق المثلية و سُمعت لهـا أصداء هنـا و هنـاك .

إذا تـولى القوم سعـوا في الأرض فسادا فأهـلكوا النسل بحرثهـم الأهوج للحياة الفِطرية الطبيعية التي تمثل سنة الله في خـلقه، قلبـوا القيم الإنسانية الراقيـة و حولوهـا مزرعـة بشريـة يسعـى فيهـا أهلهـا فسادا، و وضعـوا لتلك القيم بـدائلَ مستوحـاة من قيم التمـرد علـى الطريق المستقيم و كسوهـا ببنود و بلاغـات و إعـلانـات عـالمية جعلوهـا "كونية" و خالدة لا يزيغ عنهـا إلا هـالك، و بين هـذا و هنـاك يطـلُّ اللائكي الصغير بمفردات يبدو عليهـا آثـار التكلف ليسـاير الجوقـة الموسيقية التي تـرسم لـه حدود المعقول و اللامعقول فتستهويه خطـابات كـانط و نيتشه و مـاركس و مولر و شوبنهاور..حتـى إذا فـرغَ من كــتاب قفـزَ فرحـا و هـلَّـلَ بشمـوخ هؤلاء الكبار الفطـاحلـة...

و بعد أينكَ أنتَ من قـالَ الله و رسوله صلى الله عليه و سلم؟ تلك عندهم مـاضٍ ولـى بزمـنه و ركـام لا تُنـاظرُ عقلانية حضارة شرقت و غربت بفتوحـات المنظرين الجهـابذة، و أنت ، مـا بالك تنتـقد خطـابا "عـالميا" رسمه أكـابرَ نوابغ تجاوزوا منطوق الوصاية الدينية بخطـاب ديني متزمت يدور حول التقوى وثقافـة الرضوخ للاعقل ؟ مـا بالكَ تخـلطُ بين مؤسسة الدين و مؤسسة الفكر الإنساني الخـلاق فتعيدَ علينـا مـسارا لا تاريخانيا قروسطويا غريبـا ؟ مـا عـلاقـة التقوى بالحـداثة و الأليكـة ؟!







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز