الدكتور رضا العطار
ridhaalattar@yahoo.com
Blog Contributor since:
05 March 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
النافذة الثقافية - اسباب التعصب

 

  قد يظن القارئ بان المفكر ما دام يفكر،  يكون تفكيره حرا لا يمكن احدا ان يدخل الى ذهنه يعوقه عن التفكير. ولكن الواقع ان التفكير لا يكون حرا طليقا حتى نستطيع البوح والافضاء به الى غيرنا. لان الفكرة طاقة – اي قوة – من قوى الذهن لا تزال منحبسة شانها شان جميع القوى المنحبسة تعذب الذهن حتى تنصرف بالعمل.

 

والانسان كالحيوان طبع على ان لا يخطر بباله خاطر حتى ينصرف الى عمل وحركة. وجهاز الحيوان العصبي لم يخلق في الاصل الاّ لخدمة حركات الجسم، وذهن الحيوان في عالم التطورعاليا كان ام دانيا هو جزء من هذا الجهاز.

فالخواطر الذهنية هي قوى عصبية اذا حبسناها آلمتنا وعذبتنا واحيانا تؤدي الى الهوس بل الجنون. وجنون العاشق الذي لا يجد في معشوقته تلبية لعواطفه يرجع الى ان خواطر العشق قد انحبست في ذهنه لا تجد منصرفا

 

وكل منا يعرف ان في الافضاء والبوح منفرجا للنفس وان همومنا تخف اذا شاركنا غيرنا فيها. والخواطر العلمية او الفلسفية تؤذي صاحبها وتعذبه اذا لم يجد لها منصرفا بالبوح بها الى الناس. لانها تبقى في نفسه كالهم الرابض لا يستريح منه حتى يفضي به . فحرية الفكر تقتضي اذن حرية البوح بالقول.

ولكن التاريخ يثبت ان معظم الذين باحوا بما في صدورهم مما اعتقدوه حقيقة علمية او فلسفية او دينية كان جزائهم من اضطهاد المتجبرين التعذيب او بالحبس او بالقتل الشيء الكثير منذ اكثر من الفي عام مضت فما علة ذلك ؟

 

العلة الاولى: ان الناس مطبوعون على الكسل والاستنامة الى ما الفوه من العادات والتقاليد والاراء الفكرية والعملية. فالانسان في احوال معيشته لا يبتدع وانما يجري على عادة امسه فيسهل عليه عمله فاذا ابتدع احد بدعة جديدة في اللباس او الطعام او الغذاء او الغناء او الشعائر الدينية او حتى الاسلوب الكتابي فانه يصدمنا لاول وهلة ويكفنا تفكيرا او جهدا كنا في غنى عنهما لولا بدعته

 

العلة الثانية : ان المصلحة المالية والمعاشية كثيرا ما تكون متعلقة بالعادات المعروفة فتبديلها يضيع على بعض الطبقات هذه المصلحة فالغني يكره الاشتراكية لمصلحة واضحة. ورجال السلطة الذين يحكمون على الخطيب الاشتراكي بالسجن، لانهم يرون في شخصه خطرا على وجودهم. فالاشتراكية بدعة تصطدم بمصالح الاغنياء ولذلك ليست الشعوب في معظمها حرة في البوح بافكارها.

 

العلة الثالثة: سبب التعصب واضطهاد الافكار الجديدة هي الجهل. فان الذي يؤمن بان آدم و حواء هما المنبع الذي منه انحدر البشر،  يكره كل من يقول بنظرية داروين للتطور. والذي يجهل اللغات الاوربية من شيوخنا يكره كل من لا يقول بان اللغة العربية افصح اللغات واشرفها ولا يمنعه من الاضطهاد الا عجزه

 

والعلة الرابعة: هي الخوف، فان العجوز مثلا قد تؤمن بأئمة المسلمين والاولياء الصالحين وتتشفع بهم. ولا يمكنها وهي في هذه الحال ان تطالبوها بحرية المناقشة في ما يعزى الى هؤلاء الرموز من الكرامات، لان خوفها يمنعها من ان تطلق لذهنها هذه الحرية. ومن هنا ايضا ندرك علة تقييد الحريات مدة الحروب لان الخوف من العدو يزيد وساوس رجال الحكم

 

واحيانا تكون هذه العلل الاربع مجتمعة بعضها او كلها في طائفة من الناس، فاذا كان للدولة دين رسمي صار الطعن في الدين او انتقاده سببا الى الملاحقة. منهم الكهنة الذين يخشون على مصالحهم ومنهم جميع افراد الامة تقريبا الذين يرون ان السير على سنن السلف ايسر على نفوسهم من السير في طريق جديد، لانه يجب الا ننسى ان الجماعات بحكم بيئتها مطبوعة على الجمود

 

ولكن معظم البدع تفوز في النهاية لانها وان كان افرادها في البداية قليلوا العدد، الا انها لما فيها من ميزات تتغلب على العادات الموروثة. ان تقدم الانسان مصحوب ببدعة جديدة اول مرة،  لكن معرفتنا بفائدتها تجعلنا نرضى بها، ونعتاد عليها بفعل الرياضة.

ونحن الان في قرننا الحالي وقد اوشكت الحرية الفكرية ان تعم العالم المتمدن. لكن لا يزال بعض الشرقيين يتعصبون ويقتلون الناس من اجل دينهم او مذهبهم، والحوادث الاليمة الناجمة من التعصب والكراهية المقيتة كثيرة، اشهرها احداث الحادي عشر من سبتمبر. ولكن هؤلاء ليسوا متمدنين. ومن المرجو ان يتعلموا ليتمدنوا حتى يعرفوا قيمة التسامح --- وليتذكروا دوما ان المجتمع لا يرتقي يوما، طالما انه يحتضن  التعصب

الموسوعة النفسية . عبد المنعم الحنفي.     







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز